PRESS MEDIAS EUR0ARABE

حسن الحاتمي يكتب : الجزائر والبوليزاريو عندما تتحول معاناة المحتجزين في تندوف إلى ورقة استنزاف سياسي خارج منطق التاريخ والجغرافيا.

الجزائر والبوليزاريو: عندما تتحول معاناة المحتجزين في تندوف إلى ورقة استنزاف سياسي خارج منطق التاريخ والجغرافيا.

بقلم: حسن الحاتمي ناشط حقوقي واعلامي.

 

تتابع الجمعية المغربية “ماتقيش أرضي” للدفاع عن الحقوق والحريات ما آلت إليه الأوضاع التي يعيشها إخواننا الصحراويون المحتجزون بمخيمات تندوف، في ظل الظروف الإنسانية والحقوقية الصعبة التي يعانون منها، وسط استمرار الدعم الذي تتلقاه جبهة البوليساريو من النظام العسكري الجزائري.

وفي الوقت الذي اختارت فيه المملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، نهج الانفتاح والحوار والتعاون الإقليمي، ما تزال السلطات الجزائرية تصر على إدامة نزاع إقليمي استنزف مقدرات شعوب المنطقة لعقود طويلة، عبر استمرار دعم جبهة البوليساريو واحتضان مخيمات تندوف التي تحولت إلى فضاء مغلق يرزح داخله آلاف إخواننا الصحراويين تحت ظروف إنسانية وحقوقية معقدة، وسط غياب الإحصاء الرسمي، وتزايد التقارير الدولية التي تدق ناقوس الخطر بشأن أوضاعهم.

لقد أصبح واضحا أن النظام الجزائري يوظف هذا الملف كورقة سياسية وإيديولوجية في مواجهة المغرب، بدل الانخراط في مشروع مغاربي حقيقي يقوم على التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني والتبادل الثقافي والدبلوماسي بين شعوب المنطقة، وهي الرؤية التي ما فتئ المغرب يدعو إليها منذ سنوات، انطلاقا من قناعته الراسخة بأن مستقبل الشعوب لا يبنى بالصراعات المفتعلة، بل بالحوار الجاد والمسؤول و بالشراكات الاستراتيجية وحسن الجوار.

تطرح فئات واسعة من الفاعلين و المتابعين للشأن المغاربي تساؤلات مشروعة حول حجم الأموال الطائلة التي تم إنفاقها لعقود في دعم أطروحة الانفصال، في وقت تعاني فيه مناطق جزائرية عديدة من تحديات اجتماعية واقتصادية حقيقية، تشمل البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية وغياب العدالة المجالية.

ويرى مراقبون أن استمرار ضخ المليارات في نزاع سياسي عقيم لم يحقق أي نتيجة ملموسة للشعوب المغاربية، ساهم في تعطيل عجلة الاتحاد المغاربي، وإغلاق الحدود، وإهدار فرص تنموية كان من الممكن أن تجعل المنطقة واحدة من أقوى التكتلات الاقتصادية في إفريقيا والمتوسط.

Related Posts
1 of 140

وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز بنياته الاقتصادية والدبلوماسية، وتطوير شراكاته الدولية، وترسيخ موقعه كفاعل إقليمي في مجالات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتعاون جنوب-جنوب، مع حفاظه على خطاب رسمي يدعو باستمرار إلى الحوار وتجاوز الخلافات.

إن قوة المغرب لم تكن في يوم من الأيام مرتبطة بخطاب العداء أو التصعيد، بل نابعة من عمقه التاريخي والحضاري وتنوعه الثقافي والإنساني.
فالمملكة المغربية تعد من أقدم الدول ذات الامتداد المؤسساتي والتاريخي في المنطقة، بما راكمته عبر قرون من التعايش والانفتاح والتعدد الثقافي.

ويزخر المغرب بإرث حضاري غني يمتد من الثقافة الأمازيغية الأصيلة إلى العمق العربي والإفريقي والأندلسي والحساني، وهو ما ينعكس في فنونه المعمارية، وصناعته التقليدية، وموسيقاه، ومطبخه، وموروثه الروحي والثقافي المتنوع.
فمن الزليج المغربي والنقش على الجبس والخشب، إلى فن الملحون والطرب الأندلسي والأهازيج الأمازيغية، ومن الكسكس والطاجين والبسطيلة الثقليدية إلى المدن العتيقة والأسواق التقليدية، يقدم المغرب نموذجا حضاريا متفردا استطاع أن يحافظ على هويته مع الانفتاح على العصر.

لقد حسم المغرب اختياره منذ سنوات عبر تقديم مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي وذي مصداقية، وهي المبادرة التي لقيت دعما دوليا متزايدا باعتبارها أرضية جدية لإنهاء النزاع المفتعل من طرف الجارة الجزائر،
غير أن استمرار الجزائر في تبني خطاب التصعيد، ورفضها تتحمل مسؤوليتها السياسية والإنسانية في هذا الملف، يطرح علامات استفهام كبرى حول حقيقة الأهداف الكامنة وراء إطالة أمد هذا النزاع، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي باتت تفرض منطق التعاون الإقليمي بدل تغذية الانقسامات.

لقد أثبت المغرب، عبر تاريخه ومؤسساته ورؤيته الاستراتيجية، أنه دولة تؤمن بالحوار والتعايش والتكامل الإقليمي، وتحرص على بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل وحسن الجوار،
وفي المقابل، فإن استمرار توظيف ملف الصحراء في الحسابات السياسية الضيقة لا يؤدي سوى إلى تعميق معاناة المحتجزين في تندوف، واستنزاف مقدرات الشعوب المغاربية، وعرقلة حلم الوحدة والتنمية المشتركة.

إن المنطقة المغاربية اليوم بحاجة إلى مشاريع تنموية مشتركة، وإلى فتح الحدود أمام الشعوب، وإطلاق دينامية اقتصادية وثقافية جديدة، لا إلى إعادة إنتاج خطاب الحرب الباردة والصراعات الإيديولوجية التي لم تعد تخدم استقرار المنطقة

ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو الانتصار لصوت الحكمة والعقل، ووضع مصلحة الشعوب فوق الحسابات السياسية، لأن التاريخ لا يخلد خطابات الكراهية، بل يخلد الأمم التي تبني السلام وتصنع المستقبل.