- Likes
- Followers
- Subscribers
- Followers
- Followers
- Subscribers
- Followers
- Members
- Followers
- Members
- Subscribers
- Posts
- Comments
- Members
- Subscribe

رئيسة التحرير مريم العمايري إلى الشبكة الأروعربية للصحافة والسياحة
لم يعد “الخبز والسيرك” مجرد استراتيجية رومانية قديمة. لارضاء الجماهير، بل تحول إلى فن مدروس تتقنه أنظمة ونخب في العصر الحديث، باستخدام أدوات أكثر تطوراً، لكن بنفس الهدف الأزلي: صرف انتباه الشعب عن الثروة والسلطة الحقيقية، وإبقائه في حلقة من التبعية والاستهلاك .
تمتلئ أجندة النخب بالمناسبات و المحافل ، التي غالباً ما تكون أكثر بريقاً من مضمونها. تُنفق المليارات على استادات عملاقة وحفلات ضخمة وزيارات بروتوكولية، تُبث على كل شاشة، لتخلق وهم الانشغال والإنجاز. بينما يجري التفريط في الثروات، تُختزل الوطنية في الاحتفاء بهذه الصور، لا في محاسبة القائمين عليها .
كما تُحوِّل وسائل الإعلام الموالية نفسها إلى ماكينات تصفيق، تكرر سرد النجاحات المتخيلة، وتُضخم الإنجازات الصغيرة إلى أساطير. أما الخسائر والأخطاء سواءاً في الأرواح أو الاقتصاد فتكتب بخط رفيع وتُدفن في الصفحات الأخيرة، أو تُحمَّل على “أعداء الخارج” و”المتآمرين”. تصبح الحقيقة بضاعة نادرة، ويصبح الجمهور أسير صورة واحدة مشوهة.
إن النخب أصبحت تجيد إشعال فتيل الصراع الهوياتي – طائفي، عرقي – لتحويل غضب الناس من الفاسد إلى جاره المختلف. في العصر الرقمي، لم تعد هذه الفتنة تقتصر على الإعلام التقليدي، بل انتقلت إلى منصات التواصل، حيث تُدار حروب منظمة عبر منابر صحفية وجيوش إلكترونية تشغل الناس بالسب والشتائم، وتُفرقهم إلى معسكرات متصارعة على قضايا هامشية، بينما تُنهب الثروات بعيداً عن الأنظار .
ولبلوغ هذا المسعى يتم تخدير العقل بالعواطف حيث تُستخدم الأغاني الحماسية والخطابات النارية كأداة لتخدير العقل النقدي. تُختزل قضايا الوطن المعقدة في هتافات وشعارات، ويُستبدل التفكير بالهتاف، والمساءلة بالانبطاح والتبعية . تُزرع عاطفة عمياء تمنع أي تساؤل، تحت شعار “الوقت وقت ولاء وليس وقت نقد” .
لم تنقضِ بعد لعبة “الخبز والسيرك “، بل تحولت إلى شكلين في نسختها الحصرية فالخبز أصبح مساعدات اجتماعية مؤقتة، وإسكان شكلي، وعروض استهلاكية تُبث كأنها منّة، لشراء السكوت المؤقت، والسيرك الرقمي أصبح فيضاناً لا ينتهي من المسلسلات، وبرامج الترفيه، والألعاب الإلكترونية، ومنصات التواصل التي تُصمم لتلهي العقل لساعات، وتصبح ملاذاً من التفكير في واقع مرير .
في ظل الأزمات، تبرز فئة “الوسطاء” الذين يحولون المعاناة إلى فرص ذهبية. عبر صفقات مشبوهة واستغلال حاجات الناس، تتركز الثروة بأيدٍ قلة، بينما يتحمل الشعب وطأة الفساد بصمت مخيف. تُختزل النخب في شبكة مصالح تبحث عن الربح السريع، حتى لو كان على حساب التنمية وتحسين الوضع .
اللعبة القديمة ما زالت فعالة لأنها تستغل حاجات بشرية أساسية: الرغبة في الترفيه، والخوف من المجهول، والبحث عن البطل المنقذ. كسر هذه الثلاثية يتطلب وعياً جماعياً يرفض الانقسام، ويستعيد قيمة السؤال والنقد. لقد فهم الرومان أن السيرك لا يبني أمماً، بل يهدمها. السؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن : هل ندرك أن السيرك الحديث، بكل تقنياته البراقة اللامعة ، يحمل نفس الخطر؟ المستقبل ليس لمن يلهي الشعوب، بل لمن يشاركها بناء الوطن .