PRESS MEDIAS EURO ARABE

الهروب من الصمت.. لماذا نخاف أن نلتقي بأنفسنا؟

 

في زمن راجت فيه الضوضاء ، أصبح الصمت احتياجا نادرا و هاجساً يُتجنَّب، نجد أنفسنا نهرول بعيداً عن أي لحظة فراغ قد تسمح لعقولنا بالتوقف . إنها حرب خفية يخوضها الإنسان الحديث ، نمط سلوكي متكرر ،معركة الهروب من الصمت، ومن اللقاء الحميم مع ذاته.

إنسان اليوم غارق في دوامة الانشغال المستمر بأي شيء، حتى لو كان متابعة برامج مبتذلة أو تقليب مقاطع الفيديو القصيرة دون توقف . وفي لحظات الهدوء النادرة ، يسرع إلى ملئها بالموسيقى أو البودكاست، كأن الصمت عدوٌ يجب اخراسه.

يبدو أن الوجل الحقيقي يكمن في مواجهة الذات. فالذاكرة تنبش في ماض مؤلم، والتفكير في الحاضر يستجوب بحدة حول الهوية والمسار والغاية. لذا، يختار الأغلب بناء حواجز متينة بينهم وبين عالمهم الداخلي، عبر الانغماس في بحر لا متناهٍ من المحفزات الخارجية، وتبني الثقافة الاستهلاكية السطحية التي تشجع المجتمعات المعنية على استيراد أهداف جاهزة تفتقر إلى التفرد والتميز ، وقياسات خارجية للنجاح، مما يجعل الفرد يخشى التوقف والتساؤل عن معنى هذه المساعي. فيعيش الفرد وفق نماذج مسبقة الصنع ،ويضيع تدريجياً إحساسه بأصالة ذاته وتطلعاته الشخصية.

ولكي نضمن نجاح هذه الخطة، نحيط أنفسنا بضجيج خارجي دائم، نشغل أنفسنا بمحادثات مستمرة لكنها غالباً ما تكون سطحية، كوسيلة لتصريف المشاعر ووأد الأفكار العميقة، وبالتالي البقاء في منطقة الراحة . ونعتمد التغيير الخارجي كالتنزه ، السفر ، تغيير طريقة اللبس ، تغيير المطاعم والمقاهي التي نرتادها ، تغيير المحتوى الذي نشاهده وغيرها وسيلة للتغيير الداخلي ، بالرغم من أننا نعلم جليا أنها مجرد وسيلة هروب من مواجهة التغيير الداخلي الأصعب، فبدلاً من أن تكون بوابة للتأمل، تصير ستاراً يحجب الرؤية.

لقد أصبح كل فرد منا يعيش في روتين يومي محكم يلغي أي إحساس بالفراغ، ويوهمنا بأن الدقائق التي نقضيها جالسين مع أنفسنا دون “إنتاج” هي وقت ضائع، فيجب استبدالها فوراً بجرعة من المشتتات. وهكذا، يصبح السكون مُقلقاً ومخيفا ؛ لأنه يمنح المساحة للاجترار الذهني، ويكشف عن المشاعر الحقيقية والاحتياجات النفسية المدفونة والتضاربات بين ما يريده وما هو عليه .

يجدر بنا القول أن هذا الهروب هو محاولة لإخراس الحوار النفسي الذي يعرض علينا حقيقة أنفسنا بلا تزيين أو تجميل. صوت قد يجرحنا بكلماته الصادقة، لأنه يضع أمامنا صورتنا عارية من الأوهام. لكن ربما يكون هذا الجرح هو البداية الحقيقية للشفاء والتعافي.

في النهاية ، الهروب من الصمت ليس مجرد عادة عابرة، بل هو مؤشر على أزمة وجودية في الإنسان المعاصر. فالصمت ليس فراغاً، بل هو مساحة ضرورية لاستعادة التوازن الداخلي وبناء وعي متعقل . كما أن مواجهة الذات في لحظات الهدوء قد تكون مؤلمة في البداية، لكنها الطريق الوحيد نحو النمو النفسي والحياة المعنوية الآمنة . إن التعايش مع الصمت وتحويله من عدو إلى حليف هو تحول جذري يمكن أن يعيد للإنسان اتصاله بحقيقته وتفرده.

فهل حان الوقت لنتعلم أن ننصت، حتى لو كان ما نسمعه موجعاً؟ لعل في استعادة القدرة على تحمل الصمت، استعادةٌ لذواتنا الضائعة.