ازدواجية صامتة ومنطق أعوج يعزز الأعراف المتوارثة
منسقة الشبكة الأوروعربية للصحافة والسياحة
رئيسة التحرير مريم العمايري إلى الشبكة الأوروعربية للصحافة والسياحة
تُعتبر الأمومة في الكثير من الأوساط الاجتماعية واجبًا مقدسًا على المرأة، بينما يُنظر إلى الأبوة على أنها اختيارية للرجل؛ فيُوصف الأب الذي يشارك في تربية الأطفال ورعايتهم بأنه “أب مثالي”، بينما تُعتبر الأم التي تقوم بالدور ذاته أنها تؤدي واجبها الطبيعي المفروض عليها. هذه النظرة الأحادية تتجاهل حقيقة أن الإنجاب والتربية والرعاية هي مسؤولية مشتركة وواجب أخلاقي وإنساني يقع على عاتق الطرفين معًا، حتى وإن اختلفت أدوارهما ؛ فالأبوة ليست تفضلاً، بل واجب وعمود أساس في بناء أسرة سوية ومجتمع متوازن.
كما يُعتبر تعليم الرجل “استثمارًا في المستقبل”، بينما يُعتبر تعليم المرأة “ترفاََ”. في حين أن دور التربية والتعليم داخل أسوار البيت يعطى لها بكل تساهل كتخلص من عبء زائد ، فكيف لإنسان جاهل أن يربي وينشئ جيلا واعيا ، إن فكرت في المقارنة مع جيل الامهات السابق الذين لم يلجوا المدرسة يوما كيف أنشؤوا جيلا واعيا وأقول جيلا واعيا وليس متعافٍ نفسيا، فأبشرك أنه لا مجال للمقارنة ، لأن في الماضي الذي انقضى كان مصدر الوعي مجتمعي تتناقله النساء فيما بينها أما اليوم فتنوعت مصادر هذا الوعي بين محتوى ساقط ونظريات فجور وخرافات وهرطقات وانحلال أخلاقي فلا بد من خلق وتقوية مناعة البنت ضد ما هو حاصل في الساحة الرقمية .
يُمنح الرجل مساحة واسعة ليكون صريحًا وحادًا في رأيه، بل يُنظر إلى ذلك كعلامة قوة وثقة، بينما تواجه المرأة التي تعبر عن رأيها بنفس الدرجة من القوة أو الصراحة اتهامات بأنها “متسلطة” أو “غير لطيفة”. لكن في الحقيقة، امتلاك الرأي والتعبير عنه بكل وضوح ، هو أبسط الحقوق الإنسانية وواجب على كل إنسان عاقل، بغض النظر عن جنسه، دون أن تُفرض على أحدهما معايير مزدوجة في التقييم والمسؤولية.
وفي تناقض صارخ، يُنظر إلى الرجل على أنه كفؤ لاتخاذ قراراته الشخصية باستقلالية، بينما تُصوَّر المرأة على أنها بحاجة دائمة لاستشارة الرجل وتوجيهه، وكأنها غير قادرة على التمييز، إلا أنه عند الخطأ، تتحمل وحدها مسؤولية قرارها وتُلام عليه.
يُمنح الرجل شرعية كاملة عندما يتخذ قرار الطلاق، فيُنظر إليه كإنسان “حر” يبحث عن راحته النفسية أو يقرر مصيره بوعي، بينما المرأة التي تقدم على الخطوة ذاتها تُوصم بأنها “متهورة” أو “غير مسؤولة”، تريد بها حرية عرجاء في طريق السفور، وكأن قدرها البيولوجي يفرض عليها التضحية حتى النهاية. المفارقة أن المجتمع يسارع إلى تذكيرنا بأن المرأة “عاطفية” في تفكيرها وقراراتها، في حين يغفل عن حقيقة أن الرجل غريزي في أفعاله، خصوصًا عندما يُورَّث سلطةً أسرية تمنحه حق إصدار الأوامر دون مساءلة، وكأن العاطفة عيب يلصق بالمرأة، بينما الغريزة امتياز يُغلف للرجل باسم القوامة أو الحكمة المزعومة. فالرجل حر في اختياراته، سواء بقي أعزبًا أو اتخذ مسارات غير تقليدية، بينما تُعتبر المرأة التي تختار عدم الزواج أو الإنجاب “غير طبيعية” أو “منحرفة”، وتُوصف ب “غير مرغوبة”.
في مجتمع لازال يعتقد أن الرجل الذي يخرج مع أصدقائه “يستمتع بحياته” ويعيش شبابه، بينما يرى المرأة التي تخرج مع صديقاتها “غير محترمة” أو تبحث عن الاهتمام وحصد الإعجاب. وفي سياق متصل، الرجل الذي يهتم بصحته هو “مهتم بحياته” ومسؤول عن جسده وعلامة على ثقته بنفسه ، و المرأة التي تتبع نظامًا غذائيًا أو تمارس الرياضة هي “مهتمة بمظهرها” رغبةََ في استدرار نظرات الآخرين .
إن هذه المعايير المزدوجة تكشف عن نظرة مجتمعية تحتاج إلى مراجعة، فواجب الإنسان أن يُحترم في اختياراته وقراراته المصيرية بغض النظر عن جنسه.