الشقاء باسم التنمية؛ الإنسان بين مطرقة الإنتاجية وسندان الاحتراق..

ذ/ محمد العمارتي إلى الشبكة الأوروعربية للصحافة والسياحة

الشقاء باسم التنمية؛ الإنسان بين مطرقة الإنتاجية وسندان الاحتراق..

إن هوس الإنتاجية الذي يجتاح عالمنا المعاصر ليس مجرد خيار شخصي خاطئ، بل هو نتاج منظومات عمل تفتقر أحياناً للبعد الإنساني، مما يحول “الحق في العمل” إلى “استلاب للحق في الحياة”. من الناحية الحقوقية، تؤكد المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الرابعة والعشرين، أن “لكل شخص الحق في الراحة وفي أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية مؤداها الأجر”. إن الشعور بالذنب الذي ينتاب الشباب عند التوقف عن العمل هو في جوهره انتهاك لسيادة الفرد على وقته؛ إذ لا يمكن جني ثمار التنمية إذا كانت الوسيلة هي “جني التهلكة” وإلحاق الضرر بالصحة العامة، وهو ما يتعارض مع واجبات الدولة والمنشآت في ضمان بيئة عمل آمنة وصحية تمنع “الاحتراق الوظيفي” الذي أصبح وباءً قانونياً وطبياً يستوجب التعويض والمراجعة.

على المستوى القانوني والتشريعي، لابد من تفعيل مبدأ “الحق في الفصل الرقمي” وهو المفهوم الحديث الذي يمنع المشغلين من مطاردة الموظفين بالمكالمات والرسائل خارج أوقات الدوام الرسمي. إن استمرار الضغط المهني عبر الهواتف الذكية بعد العودة إلى البيت يعد اقتحاماً غير مشروع للحرمة الشخصية والحق في الخصوصية، وتحويل “البيت” من ملاذ للراحة إلى “ملحق للمكتب” بلا أجر إضافي. إن القانون يجب أن يكون هو الحصن الذي يرمم ذوات الشباب، عبر فرض توازن صارم بين الراتب والحفاظ على الكرامة الجسدية، فالمعادلة التي تنتهي بخسارة المال عند الطبيب هي في جوهرها “إثراء بلا سبب” للمنظومات الإنتاجية على حساب رأسمالنا البشري. لذا، فالنداء الموجه للشباب اليوم هو أن يعوا حقوقهم القانونية قبل فوات الأوان، فالمحيط لن يكون أرضاً خصبة للإنتاج إلا إذا كانت جذوره ضاربة في أرض “الراحة النفسية” والعدالة التشريعية التي تضع الإنسان فوق الآلة.