PRESS MEDIAS EUR0ARABE

فُلكُ الرحيل وخِدرُ شهرزاد “في نعي خالد البقالي القاسمي”

فُلكُ الرحيل وخِدرُ شهرزاد “في نعي خالد البقالي القاسمي
جريدة رأي اليوم.

Related Posts
1 of 242

عبد الحميد البجوقي.

لم يصل نبأ رحيل خالد البقالي القاسمي كخبر عابر يمكن للعقل أن يستوعبه بهدوء، بل نزل علينا كصاعقة خاطفة شقت سماء تطوان في لحظة غفلة. بدا الأمر غير قابل للتصديق، كأن المدينة نفسها توقفت قليلًا عن التنفس وهي تسمع أن واحدًا من أكثر أصواتها هدوءًا وعمقًا قد غاب فجأة. كان الموت هذه المرة مُباغتًا إلى حد القسوة، لأن الذين يشبهون خالد يوهموننا دائمًا أنهم باقون، لا بحضورهم الجسدي فقط، بل بما يفيض منهم من معرفة وأدب وطمأنينة.
حين انتشر الخبر، شعرتُ أن شيئًا خفيًا انكسر في روح المدينة، وأن تطوان التي كانت تفتخر به وتردده في مجالس الثقافة والكتب، قد دخلت فجأة في صمت حزين يشبه صمت المكتبات القديمة بعد مُغادرة آخر القرّاء.
لم يكن خالد البقالي القاسمي يَعبُر الأمكنة كما يعبرها الناس، بل كان يترك فيها أثرًا خفيفًا يشبه الهمس، همسًا لا يعلو، لكنه يبقى طويلًا في الروح. يدخل المجالس كما يدخل الضوء من نافذة قديمة في تطوان، هادئًا، رصينًا، ومُحمّلًا بأسرار الكتب والأسئلة الكبرى..
تعرفتُ على خالد أول مرة في تلك القراءة المخصصة لروايتي “المشي على الريح”. يومها كانت تطوان كعادتها، تنصت إلى أبنائها النابهين بفخر خفي. جلس خالد يتحدث بصوته الخافت، كأنه لا يريد أن يوقظ شيئًا نائمًا في الكلمات، لكنه في الحقيقة كان يوقظ النص كله. وضع الرواية على مشرحة النقد بمحبة العارف وصرامة العالم، لا مُداهنة في حديثه ولا قسوة، فقط ذلك الإخلاص النادر للأدب، حين يصبح النقد نوعًا من الوفاء للحقيقة.
مُنذ ذلك اللقاء، صار الرجل بالنسبة إليّ أشبه بمسافر قديم أعرفه منذ زمن بعيد.
آخر مرة التقينا فيها كانت في ضيافة العزيز والكريم عمر أشعاش، في بيته المطل على عين بوعنان، حيث كانت تطوان تبدو من بعيد كحمامة بيضاء تستعد للتحليق فوق البحر والجبل معًا. هناك، في ذلك المساء المُشبَع بزرقة السماء وبياض المدينة ورائحة الكلام الجميل، بدا خالد أكثر صفاءً، كأن روحه كانت تتخفف من ثقل الأرض شيئًا فشيئًا..
قبلها بأيام، رافقني إلى الرباط لتأطير قراءة في أعمالي. في القطار، كان الزمن يمضي ببطء جميل. تحدثنا عن الأدب كما لو أننا نتحدث عن مصير شخصي، وعن الرواية كما لو أنها حياة أخرى مُوازية، وتحدثنا عن تطوان، تلك المدينة التي تسكن أبناءها حتى وهم يغادرونها. ثم انفتح الحديث فجأة على الوجود والموت والحياة، وكأن الرحلة القصيرة كانت تتسع لأسئلة العمر كله.
أتذكر الآن وجهه وهو يَقلب صفحات كتابي الأخير” فُلكُ النسيان”، ذلك الكتاب الهجين الذي يمزج الرحلة بالخيال الروائي. قال لي يومها، بابتسامته التي تجمع صرامة الباحث ولطف الإنسان النبيل:
“هذه ليست نصوصًا… ربما هي روايات رحلية، سأقرأها وسيكون لنا فيها كلام.”
لكن الموت، ذلك الناقد الأخير الذي لا يُمهل أحدًا، اختطفه قبل أن يفي بوعد القراءة. وحين وصلني خبر رحيله، بدت لي رحلتنا إلى الرباط وكأنها استعارة رمزية بليغة الأثر، كأن القطار لم يكن يشق السكة فقط، بل كان يشق المسافة الخفية بين الحياة والغياب. أدركتُ متأخرًا أن حديثنا عن الرحلة لم يكن سوى تمرين رقيق على الرحيل.
رَحَل خالد البقالي القاسمي، لكن بعض الناس لا يُغادرون حقًا، يبقون في نبرة صوت، في جملة نقدية دقيقة، في مقعد قطار، في مساء يُطلُّ على تطوان، وفي تلك الهيبة الهادئة التي لا تصنعها الشهرة بل يصنعها العلم والأخلاق وصفاء الروح.
أتخيله الآن، هناك في ضفة أخرى من الوجود، يواصل حديثه الهادئ نفسه، كأن الرحلة لم تنقطع، وكأن بيني وبينه مقصورة قطار معلقة بين عالمين.
أراه جالسًا قُرب نافذة واسعة تُطِلُّ على بياض لا نهائي، يحمل كتابًا ويبتسم ابتسامته الخفيفة التي تسبق الملاحظات العميقة، أقول له:
ـ هل اكتملت الرحلة يا خالد؟
يُجيبني بصوته الهامس:
ـ لا شيء يكتمل… نحن فقط نُغيّر الجهات والأماكن..
ثم يبتسم تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا، ويقول كمن يُكمل حديثًا لم ينقطع:
ـ أتذكر قراءتك لكتابي “داخل خدر شهرزاد ـ نحو إزاحة الستارة عن عالم الرواية ـ ” كنتَ ترى أن الرواية ليست حكاية فقط، بل شكل آخر لمواجهة العدم…
أخفض رأسي قليلًا، كأنني أستعيد تلك الصفحات التي كتبتها عنه بمحبة القارئ وامتنان الصديق. أتذكر كيف بدا لي يومها ناقدًا يحفر داخل النصوص لا ليفككها ببرود المناهج، بل ليُنصت إلى رجفتها الإنسانية العميقة. قلتُ له في تلك القراءة إن الروائيين، حين يبلغون أقصى الصدق، لا يملكون سوى عريهم أمام العالم، وها أنا أكتشف الآن أن النقاد الحقيقيين أيضًا يرحلون بالعري نفسه، تاركين وراءهم أسئلتهم فقط.
ينظر إليّ خالد بصمته المضيء، ثم يقول:
ـ الكتب لا تنتهي يا صديقي… نحن فقط نتركها مفتوحة لمن سيأتي بعدنا.
فيعبرني ذلك الحزن النبيل الذي لا يُشبه البكاء، وأدرك أن بعض القراءات لم تكن سوى طريقة مؤجلة لوداع أصحابها.
يسود صمت شفيف يُشبه سلام الأرواح المطمئنة، قبل أن يعود ليسألني عن الكتاب الذي وعد بقراءته، وعن المدن التي لم نزرها بعد، وعن الروايات التي لا تزال تبحث عن كتّابها. فأدرك وسط ذلك الخيال الحزين، أن الذين يشبهونه لا يموتون تمامًا، بل يواصلون حياتهم فينا، في أسئلتنا، وفي ذلك الحوار السري الممتد بين القلب والذاكرة.
سيبقى خالد، لأنه خالد ولأن أمثاله لا تنتهي رحلتهم..
لروحك السلام والطمأنينة في جنة الخُلد مع الشهداء والصالحين.