الأوروعربية للصحافة

المغربي بين مطرقة الغلاء وسندان العلمانية

علي الرباج

 

كان الاقتصاد العالمي يتعافى من تأثير جائحة COVID-19 كوفيد 19، الذي تسبب في تباطؤ كبير في النشاط الاقتصادي وأدى إلى ركود عالمي. نفذت العديد من البلدان عمليات إغلاق وقيود أخرى للسيطرة على انتشار الفيروس، والتي كان لها آثار كبيرة على صناعات مثل السفر والضيافة وتجارة التجزئة. نفذت الحكومات والبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم -ما عدا الدول العربية بتأكيد- تدابير مختلفة لدعم الاقتصاد، مثل الإنفاق التحفيزي، والإعفاءات الضريبية، ومعدلات الفائدة المنخفضة.سلط الوباء الضوء أيضًا على أهمية مرونة سلسلة التوريد، حيث كان للاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية آثار كبيرة على العديد من الصناعات، بل لقد كان وسيكون هذا الاضطراب في سلاسل التوريد العامل المؤثر على قلة السلع وارتفاع أسعارها، ولكنه ليس الملام الوحيد هنا، وسنأخذ المغرب كمثال لنوضح العوامل الأخرى التي تسبب في إفقار الطبقات المتوسطة وإغراق الكادحة في غيابات البؤس.

لا يمكن إلا لجاحد أن ينكر التطور الذي يشهده المغرب في شتى المجالات والذي يتفوق فيه على باقي بلدان المغرب العربي، فرغم كل ما يحدث على الصعيد العالمي تقدم المغرب في “المؤشرات ذات العلاقة بمناخ الأعمال، فمثلاً في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال يحتل المغرب الرتبة 53، بينما تونس (78)، موريتانيا (152)، الجزائر (157) وليبيا (178)، ونفس الأمر بالنسبة لمؤشر الحرية الاقتصادية لسنة 2022، فنجد المغرب (97)، بينما موريتانيا (119)، تونس (128)، الجزائر (167).”

(المصدر: آفاق الاستثمار الأجنبي المباشر في دول المغرب العربي وتحدياته، د. عبدالمجيد قدي،2022).

وبما أن المغرب يوصف بكونه “بلد فلاحي”، فقد حققت الفلاحة قفزت نوعية تجلت بضكل واضح في الوصول لرقم مهم للغايةلأول مرة،فقد “تجاوزت صادرات المنتجات الغذائية الزراعية والبحرية بالمغرب عتبة 80 مليار درهم سنة 2022 (حوالي 8 مليارات دولار)، وهو ما يمثل زيادة بحوالي 20% مقارنة بسنة 2021، حيث بلغت قيمة هذه الصادرات حوالي 68 مليار درهم (حوالي 6.7 مليارات دولار)”(المصدر: [1]

وهذا مؤشر لو قرأته من فوق هو هدف كل دول العالم، فالرفع من قيمة الصادرات وتخفيض الواردات هو المطلب الأكثر الإلحاح بالنسبة لصناع القرار، فكيف إذا كانت دولة تعتمد على الفلاحة، وهي ترى أرقامها في تصاعد لا يتقهقر، إلا أن الذي يعيض الواقع المغربي يراه من منظور آخر.

اليوم مع ما تعرفه البلاد من تضخم أتى على مدخرات الناس وقلص أجورهم الزهيد في الأصل، وجد المغاربة أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع الخضار والفواكه، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأرقام الرسمية عن ارتفاع صادرات الخضر،”فقد بلغت الصادرات نحو 1.6 ملايين طن، بنمو يقدر بـ13 في المائة. وتصدرت الطماطم قائمة التصدير بحوالي 670 ألف طن. فيما سجلت صادرات الفواكه الحمراء أكثر من 125 ألف طن، بنمو 18 في المائة.[2]

 

إذا كانت الأرقام تتحدث عن تصدير مرتفع شهدت الطماطم، فقد يخيل للقارئ أن سعرها في المغرب لا يتعدى الفلس، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فمنذ مدة تتجاوز الشهر وسعر الكيلو الواحد يترنح بين 10 و12 درهم، أي ما يعادل دولاراً ودولاراً وسينتن، وهو رقم جد مرتفع في المغرب إذا لم يكن سعره يتحاوز قبل أعوام 5 دراهم على أعلى تقدير، وغالبا ما ينزل دون هذا في ذروة زراعتها.

أن تفهم أن جل ما ينتجه المغرب من مزروعات يوجه للتصدير، ويبقى للمغاربة الفتات يتقاسمونه وهم 40 مليون!

وباختصار ودون لغة خشب وبلغة واضحة “المغرب يزرع ليأكل غيره”، أو كما يقول المثل المغاربي “خبز الدار ياكلو البراني”.

وفي هذا الصدد قد صرح الاتحاد الوطني لجمعيات أسواق الخضر والفواكه بما نصه:

“أن نسبة المنتجات الفلاحية التي تمرّ على أسواق الجملة للخضر والفواكه في المغرب لا تتجاوز 28% من إجمالي المنتَج الوطني، متسائلا عن مصير الـ72% المتبقّية وعن الكيفية التي يتم بها ترويجها داخل المجال الترابي لعمالات المملكة وأقاليمها[3].

والجواب واضح -ذكرناه سابقا- “النسبة الأكبر توجه نحو الخارج!”

وحسب موقع وزارة الفلاحة المغربية فإن “الإنتاج النهائي للحبوب الرئيسية لموسم 2021-2022 يقدر بـ 34 مليون قنطار، بانخفاض بنسبة 67٪ مقارنة بالموسم السابق الذي سجل أداءً استثنائيا قدره 103,2 مليون قنطار.

بلغت مساحة الحبوب المزروعة لهذا الموسم 3,6 مليون هكتار مقارنة بـ 4,35 مليون هكتار خلال الموسم السابق[4].

ونرى بوضوح أنه في الوقت الذي يرتفع إنتاج البواكر والحوامض والفواكه الحمراء، يتناقص إنتاج الحبوب سنة بعد أخرى، والسؤال الذي يطرح نفسه “هل الطماطم والفواكه الحمراء أهم من الحبوب؟”، الجواب “لا”، لكن كل ما في الأمر أن الفلاحة في المغرب أضحت اليوم بيد البرجوازية والمستثمرين والإقطاعيين الكبار، وهؤلاء لا يهمهم الأمن الغذائي للبلاد ولا توفير الطعام للشعب، بقدر ما تهمهم الأرباح التي يجنونها من زراعة معدة للتصدير لا للسوق الداخلية.

 

إن الاتكال على مثل هذه فلاحة والتخلي عن الزراعات الأساسية يضع مستقبلنا الغذائي بل واستقرارنا الأمني الذي لطالما افتخرنا به وضربتا به الأمثال على كف عفريت، والمتابع للشأن الداخلي للمغرب يلاحظ أن المجتمع المغربي بكل فئات قد ضاق ذرعا بالسياسات الحكومية التي لا تخدم إلا البرجوازيين، فتخفض عنهم وعن شركاتهم الضرائب عوض أن ترفعها ليساهموا في الازمة، وترفع الضرائب عن الشعب وتتقشف في الخدمات الاجتماعية عوض تحسينها وهي تظن أنها تسير وفق سياسة اقتصادية حكيمة، وهذا كلها بالطبع في إطار نظرية تطبيقها للنيوليبرالية أو الريغانية (نسبة لريغان الرئيس الأميركي المعروف بسياساته الليبرالية التي خدمت الأغنياء)، فلا يعقل أن يضاعف البعض ثروته بينما معظم الشعب يئن تحت وطأة التضخم!

كل هذا يبين بوضوح أن مسألة ارتفاع الأسعار لا علاقة له بالحرب الروسية ولا بموجة البرد كما أحب أحد المسؤولين أن يبرر، إنما التصدير هو السبب الحقيقي، فاليوم المغرب لا يصدر لأروبا وحسب كما السابق بل فتحت أمامه أبواب بلاد الغرب الإفريقي، وهذا هو السر في الغلاء، والدليل على ذلك هو انخفاض تدريجي في أسعار الخضر مباشرة بعد تقليص هذه الصادرات كما ذكرت جريدة محلية:

“في خطوة تأتي لإعادة التوازن إلى السوق الداخلية، قرر المغرب حظر صادرات بعض أنواع الخضروات لتأمين حاجيات السوق الوطنية، في ظل موجة الغلاء التي تشهدها معظم المنتجات الفلاحية.

وحسب مصدر حكومي مطلع فقد أوقف المغرب عملية تصدير البطاطس والبصل والطماطم عبر معبر “الكركرات”، أكبر نقطة حدودية برية من حيث النشاط التجاري تجاه غرب إفريقيا.[5]“(

هناك محاولات للتخفيف من وطأة الغلاء على الأسر، وهذا يذكر فيشكره ولا يمكن إلا دعمه، ولكننا نرى أن هذه الخطوات هي بمثابة تناول حبة مهدئة للألم الناتج عن الورم، والأصل هو إزالة الورم بشكل نهائي، والورم يُمثل بشكل واضح في السياسة النيوبرالية والانفتاح على الأسواق بشكل مبالغ فيه، ودعم المستثمرين الكبار وهي السياسية التي انتهجها المغرب منذ مدة عوض دعم الفئات الشعبية، وكذا التعويل على القطاع الخاص الذي يقوده غالبا أفراد لا هم له سوى تحقيق الربح ولو على حساب الوطن والمواطنين، والدليل على أن هذه الحكومة لا تعي حقيقة المشاكل، هو استمرار ارتفاع الأسعار في رمضان، وكذا تقرير بنك المغرب الأخير، الذي أشار إلى أن التضخم سيصل إلى 5.5% عكس ما قالته الحكومة(2%)، وكما وصرحت المندوبية السامية للتخطيط بكون ارتفاع الأسعار سيرافقنا لسنتين على الأقل.

لقد راجت مؤخرا أخبار عن تعديل حكومي مرتقب، وهذا أمر بديهي ولا عجب، فقد فشل وزراء كثر عن تسيير وزاراتهم، ولا بد من تغييرهم؛ وهذا ما سيحدث قريبا، ولكن السؤال “هل الإشكال في شخص الوزير أم هو إشكال بنيوي لاقتصاد يتحكم فيه أفراد بعضهم بمناصب سياسية؟

– الحريات الفردية للجوعى!

ومن آفات هذا الزمن سيطرت الأقليات على الدول، مع أن الديمقراطية ليست سوى حكم الأغلبية، وحين نقول سيطرت فلا نقصد في المجال السياسي وحسب، وإنما يتفرع ذلك ليصل إلى كل شبر من حياة الناس.

ففي الوقت الذي يعتبر فيه المغرب ومصر دول أخرى بلدان إسلامية، تتفجر في كل أسبوع تقريبا فضيحة قانون جديد ينادي بعلمنة المجتمع، وإطلاق اليد لكل تسيب أخلاقي، فهذا يقول بحرية الشواذ والآخر يرى ضروري الاعتراف بالملحدين وإعطاءهم مقعدا تشريعيا، والآخر يقول بإشاعة الزنا وهكذا دواليك.

 

ومن العجب العجاب أن كل هذه الدول تقبع شريحة واسعة من مجتمعها عند الحضيض، وخاصة اليوم ونحن نعيش تضخما لا مثيل له ولم نعهده في تاريخنا الطويل اللهم أيام الاحتلال الفرنسي، أو ما عرف تاريخيا ب”عام البون 1945”.

فإذا كان هذا هو الوضع فمن أين أتى هؤلاء بكل تلك الجسارة حتى يُحدثوا أناسا لا تحد لقمة عيشها عن الحريات الفردية؟

يقول المثل المغربي “اش خصك العريان، الخاتم امولاي”

وهذا يصدق على هؤلاء، فعوض أن تناقش الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، يتسابقون على الرمي بكرات النار على شكل حرجات إعلامية، وهم بذلك يلعبون الدورين، فمن جهة يعملون كمسكن للمجتمع، فجر الناس لنقاش أفخاذ النساء وعوراتهن، سينسيهم ولا بد أفخاذ الدجاج وبيضه، وسيقلب النقاش وسيوجهه حيث يريد بعض المسؤولين، ولهذا تكثر مثل هذه الخرجات أيام الأزمات، ومن جهة أخرى يعمل العلمانيون تحت شعار “وقت الأزمة هو أفضل أوقات القوانين” الذي جاءت به مدرسة شيكاغو وعراب النيوبرالية “ملتون فريدمان”، بهدف استغلال وضعية الصدمة التي يعيش تحت المغاربة، لتمرير قوانين تخدم أجندتهم الموجهة لتدمير هذا المجتمع ونخره من الداخل.

ولهذا ليس عليك العجب من هذه الشطحات العلماني في هذا الوقت بالذات، وليس عليك العجب من اللامبالاة التي يتميز بها الشعب المغربي تجاه قوانين تهدد وجوده، فالأول لديه مشروع والثاني لديه موضوع أهم من هويته ودينه وتاريخ وطنه التليد هو بطنه!

وختاما، نقول نستنتج ما يلي:

– الغد ليس كاليوم ولن يكون كالأمس، ولن تجد الدول التي تعول على الغرب سوى التراب لتأكله، فالعالم بعد كوفيد يمشي بمبدأ “ما حك جلدك إلا ظفرك”؛

– التعويل على السياسيين والبرجوازيين اللاوطنيين وكبار الإقطاعيين، بات مغامرة محفوفة بالمخاطر، فلتتداركوا الموقف قبل فوات الآوان، فليس عاقل منا يريد أن تصل بنا الأوضاع إلا أن نشحت الخبز.

– المبررات الساذجة والغبية لم تعد تنطلي على الشعب، فليدرك السياسي أن الواقع تغير والمعلومات باتت متاحة للجميع، فلا تكذب.

– الشعوب هي الأصل وهي من يجب أن يكون محل اهتمامكم لا إرضاء الخارج أو خدمة المصالح الشخصية.

– إذا لم يظهر قادة سياسيون وإعلاميون يقفون في وجه العلمانيين فالمغرب سيتحول لبلد علماني صرف.

ــــــــــــــــــــــــ

[1]  https://www.aljazeera.net/ebusiness/2023/1/17/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9

[2]  https://www.hespress.com/%D9%85%D8%B9%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D8%AA%D8%AA-1053370.html#comments_section.

 

[3]  المصدر: https://agadir24.info/%D8%B5%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%BA-%D8%AA%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5-%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B6/

[4]  https://www.agriculture.gov.ma/ar/actualites/mwsm-alhbwb-2021-2022-alhsylt-alnhayyt-llmhswl-34-mlywn-qntar

[5]  https://www.hespress.com/%E2%80%AA%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%A7%D9%83%D9%87-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A-1122706.html/amp

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.