موسم “الهروب الكبير”: الشباب المغربي بين تغيير الواقع والهروب من إخفاقاته
حمزة طيبي دكتوراه في الدراسات الإنجليزية والثقافية، أستاذ التعليم العالي بالولايات المتحدة الأمريكية.
تعكس الظاهرة الأخيرة للمراهقين المغاربة الذين يتجمعون في مدينة فنيدق بنية العبور غير القانوني إلى سبتة تفاعلاً معقداً بين اليأس الاقتصادي والإحباط الاجتماعي والشعور العميق بالتهميش. هؤلاء الشباب لا يبحثون فقط عن حياة جديدة في جيب أوروبي، بل يجسدون رفضًا عميقًا لظروفهم الحالية في المغرب. تُعتبر سبتة، وهي مدينة مغربية تحت السيطرة الإسبانية، جزءًا من منطقة شنغن، مما يجعلها بوابة مغرية للغاية للعبور إلى أوروبا لأولئك المستعدين للمخاطرة بكل شيء لعبور الحدود.
في أوائل عام 2021، تدفق مئات الشباب المغاربة، ومعظمهم من المراهقين، إلى فنيدق على أمل العبور إلى سبتة. لم يكن هذا حادثاً معزولاً. ففي 15 سبتمبر 2024، بعد دعوة على شبكات التواصل الاجتماعي للهروب من البلاد عبر فنيدق، تكرر المشهد مع تدخل غير مسبوق من الشرطة، حيث سعت السلطات للحد من نزوح الشباب الذين يحاولون الفرار إلى إسبانيا. وعلى الرغم من الحشد الكبير لقوات أمن الحدود، حاولت موجات من المراهقين، مدفوعة باليأس، تسلق الأسوار والسباحة عبر المياه الغادرة التي تفصل المغرب عن أراضيه المحتلة.
كانت المشاهد في فنيدق خلال عامي 2021 و2024 لافتة للنظر: مراهقون من مختلف أنحاء المغرب يتحدون التضاريس الوعرة، ويتجنبون الدوريات الحدودية، ويخاطرون بحياتهم سعياً لفرصة مستقبل أفضل. كان لدى العديد منهم خطط للسباحة لمسافة 6 كيلومترات للوصول إلى سبتة بشكل غير قانوني. ولم تكن شعارات المتظاهرين في سبتمبر جديدة: “الناس يريدون الدخول إلى سبتة”. هذا الشعار، الذي يستحضر أصداء هتافات الربيع العربي المطالبة بالتغيير، يحمل الآن معنى مختلفاً. فبدلاً من المطالبة بإسقاط النظام أو الحكومة، يطالب هؤلاء الشباب بفرصة للهروب من إخفاقات مشهد ما بعد الربيع العربي.
أسباب هذه الهجرة معقدة ولها جذور عميقة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمغرب. على الرغم من قربه من أوروبا، لا يزال شمال المغرب مهمشًا اقتصاديًا. يأتي العديد من المراهقين الذين يحاولون الهروب من مناطق ترتفع فيها معدلات البطالة، وتندر فيها الفرص، ويكاد يكون الحراك الاجتماعي معدومًا. لقد تم قطع التجارة غير الرسمية التي كانت مزدهرة يومًا مع سبتة، والتي كانت تعتبر شريان الحياة الاقتصادي الحاسم لشعب فنيدق، وذلك كجزء من إعادة الهيكلة الاقتصادية الأخيرة في المغرب، مما أدى إلى تفاقم الفقر والاضطرابات الاجتماعية. إن إغلاق الحدود بين سبتة وفنيدق قطع شريان الحياة الاقتصادي الذي استمر لفترة طويلة، تاركًا العديد من العائلات في المنطقة تكافح من أجل تأمين لقمة العيش.
دور النظام الملكي، رغم أهميته في الحفاظ على وحدة الوطن، فقد سمح في محطات عدة من التاريخ السياسي المعاصر لبقاء هياكل السلطة كما هي، مما حال دون تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تعيد الأمل لشباب المغرب المحبطين.
بالنسبة لهؤلاء المراهقين، يتفاقم نقص الفرص الاقتصادية بشعور عميق بخيبة الأمل السياسية. على الرغم من وعود الإصلاحات الدستورية لعام 2011، التي هدفت إلى إعادة هيكلة موازين القوى في المغرب استجابة للربيع العربي، إلا أن الكثير لم يتغير في نظر شباب البلاد. كان من المفترض أن يعزز دستور ما بعد 2011 سلطة المسؤولين المنتخبين ويوفر مستوى أعلى من المساءلة. ومع ذلك، لا يزال النظام الملكي الممسك النهائي بزمام السلطة، وتمكنت النخبة السياسية الراسخة من الحفاظ على نفوذها، مما ترك الاختلالات الهيكلية التي أدت إلى احتجاجات عام 2011 على حالها. يشعر العديد من الشباب المغاربة، وخاصة أولئك الذين يعيشون في المناطق المهمشة اقتصادياً، بالغربة عن هذا الوضع السياسي الذي يرونه بعيداً عنهم وغير قابل للإصلاح وغير مستعد للتعامل مع مشاكلهم الملحة. علاوة على ذلك، على الرغم من أن النظام الملكي غالباً ما يُنظر إليه كقوة استقرار، إلا أنه يلعب دوراً غير مرئي في الحفاظ على الوضع الراهن. يواصل الملك محمد السادس العمل كسلطة سياسية وأخلاقية للبلاد. وفي حين أن تدخلات الملك في أوقات الأزمات تساعد في الحفاظ على النظام الاجتماعي، فإن ذلك غالباً ما يأتي على حساب التغيير الهيكلي العميق. دور النظام الملكي، رغم أهميته في الحفاظ على وحدة الوطن، فقد سمح في محطات عدة من التاريخ السياسي المعاصر لبقاء هياكل السلطة كما هي، مما حال دون تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تعيد الأمل لشباب المغرب المحبطين.
من جهة أخرى، كانت الحملة الانتخابية لعزيز أخنوش مليئة بالوعود النبيلة بالإصلاح وتحسين الظروف الإجتماعية لفئات عريضة مهمشة، ومع ذلك لم تتحقق أغلب هذه الوعود. أثبت جدول أعمال الرعاية الاجتماعية الذي يكرره رئيس الحكومة باستمرار في الخطب العامة أنه ليس أكثر من خطاب فارغ، دون أي تأثير ملموس على أرض الواقع. كان انتخابه في حد ذاته أكثر من رسم كاريكاتوري للديمقراطية، ملوثا بالاستخدام الواسع النطاق للأموال وبدعم لا مشروط لأفراد كثير منهم ذووا صلات بتجارة المخدرات أو التملص الضريبي أو الاختلاسات وسوء التدبير. لم تساهم نتائج انتخابات 2021 بأي شيء جوهري في العملية الديمقراطية التي أعلنت عنها الدولة منذ فترة طويلة. يكشف العدد المقلق من النواب البرلمانيين أو رؤساء الجماعات المحلية إما المسجونين حاليا أو الخاضعين للتحقيق بتهمة الفساد عن عمق سوء الإدارة وإساءة استخدام السلطة داخل إدارة الحكومة التي يرأسها عزيز أخنوش. يسلط هذا الفساد المتفشي، إلى جانب إساءة استخدام الأموال والموارد العامة، الضوء على كيفية قيادة أخنوش التي لم تضف أي قيمة حقيقية للمشهد السياسي في المغرب، عوض ذلك، زادت حكومة عزيز أخنوش من استفحال المشاكل التي وعد بحلها. لقد ساهمت الحكومة الحالية في تفاقم الأوضاع بشكل كبير، حيث شهدت البلاد ارتفاعًا غير مسبوق في مستويات الفساد الحكومي وتضارب المصالح. يُعتبر أخنوش، الذي يُعد واحدًا من أغنى رجال الأعمال في المغرب، تجسيدًا لتلك المشكلات إذ تجمعه مصالح تجارية واسعة النطاق مع شركاته الخاصة، بما في ذلك سيطرته على قطاع المحروقات، مما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح بين دوره كرئيس للحكومة ومصالحه الشخصية كمالك لمجموعة “أكوا”. في ظل قيادته، ارتفعت أسعار الغاز والمواد الغذائية بشكل كبير، الشيء الذي أثقل كاهل الطبقات المتوسطة والمهمشة وزاد من حالة الاستياء الشعبي. هذا ما جعل العديد من المغاربة يشعرون بأن الحكومة تخدم مصالح النخبة على حساب الشعب، حيث تُترك الأزمات الاجتماعية والاقتصادية دون حلول فعلية، مما يعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء ويزيد من حدة اليأس لدى الشباب الذين يرون في الهجرة حلاً أخيرًا للهروب من هذا الواقع المظلم.
يزداد الوضع سوءًا بسبب دور أوروبا في إدارة الهجرة. فقد ضخ الاتحاد الأوروبي الأموال في المغرب لتعزيز سيطرته على الحدود، واستعان بشكل فعّال بمصادر خارجية لإدارة تدفقات الهجرة إلى بلدان مثل المغرب. ومع ذلك، فإن الظروف ذاتها التي تدفع هذا النزوح ـ التفاوت الاقتصادي، والحرمان السياسي، ونقص الفرص ـ لا تزال دون معالجة. بالنسبة للشباب المغاربة الذين يتجمعون في الفنيدق، لا تمثل سبتة الخلاص الاقتصادي فحسب، بل أيضًا فرصة للكرامة والحقوق والازدهار. أصبحت بوابة شنغن، رغم تاريخها الاستعماري، رمزًا للأمل في تناقض صارخ مع الحقائق القاسية التي يواجهونها في الداخل.
لا تدعو أصوات الشباب في المغرب إلى إسقاط النظام أو الحكومة كما فعلوا خلال الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا والمغرب.. ليس هدفهم انهيار النظام السياسي، بل الهروب من إخفاقاته.. يبقى لدى شباب المغرب مطلب واحد فقط: فرصة للرحيل.
كان رد الحكومة المغربية على زيادة عدد المهاجرين في عام 2024 سريعًا وقويًا. نشرت السلطات قوات الشرطة والجيش على الحدود في عرض غير مسبوق للقوة، بهدف منع المزيد من عمليات العبور. كانت الاعتقالات الجماعية والاحتجاز والعودة القسرية للمهاجرين جزءًا من جهد أوسع لحماية الحدود ووقف تدفق المهاجرين المحتملين. ومع ذلك، ورغم تواجد الشرطة الكثيف، فإن يأس الشباب مستمر. فهم لا يرون أي مستقبل في النظام الذي تركهم وراءه، وهم على استعداد للمخاطرة بكل شيء للحصول على فرصة للعبور إلى سبتة.
ينبغي أن تدفع هذه الأزمة إلى إعادة التفكير الجاد في مستقبل الشباب المغربي. إن السياسات الاقتصادية التي تعجز عن معالجة أوجه التفاوت الإقليمي وبطالة الشباب ليست قابلة للاستمرار. والأهم من ذلك، أن الإصلاحات الدستورية التي أُجريت عام 2011، والتي كان من المفترض أن تعيد هيكلة السلطة، لم تُحقق التغيير المطلوب. فقد أخفقت سياسة التوازن الملكي، رغم قدرتها على الحفاظ على الاستقرار مقارنة مع دول عدة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية الجوهرية التي تعاني منها البلاد. وبالتالي، فإن أزمة الهجرة المستمرة تعكس فشلًا ليس في مراقبة الحدود فحسب، بل في الحكامة بشكل عام.
في السياق العالمي، يثير النزوح إلى سبتة تساؤلات ملحة حول أخلاقيات الحدود ومسؤوليات الدول الغنية. سبتة، التي تظل تحت السيطرة الإسبانية على الرغم من موقعها في الأراضي المغربية، تُعد جزءًا من نظام الهجرة الأوروبي الأوسع. تعمل الحدود، مثل تلك الفاصلة بين فنيدق وسبتة، كأدوات للرقابة، مما يعزز التفاوت العالمي بدلاً من معالجة أسبابه الأساسية. إن استعداد العديد من المراهقين المغاربة للمخاطرة بحياتهم لعبور هذه الحدود يعكس إخفاقات عميقة في السياسات المغربية والأوروبية على حد سواء.
من المفارقات أنه بينما يواجه المغرب تداعيات وعوده الفاشلة والأزمات المستمرة لشبابه، فإنه يسعى في الوقت ذاته لتحقيق طموح آخر: استضافة كأس العالم 2030 بالتعاون مع إسبانيا والبرتغال. بدلاً من معالجة القضايا الهيكلية التي تدفع الشباب للبحث عن الهروب بوسائل خطيرة، تركز الحكومة على إقناع الفيفا والعالم بأهمية إقامة نهائي كأس العالم في المغرب. في ظل هذا الواقع الصارخ، تبدو المفارقة واضحة. يسعى المغرب، الذي يعاني من أزمات داخلية ومحنة شبابه المحبط، إلى تقديم نفسه على الساحة العالمية بصورة قد تُحوّل الانتباه مؤقتًا عن مشكلاته المستمرة. إن هذا التوجه يبرز كيف أن إغراء الحصول على الهيبة الدولية قد يُهمل، في مواجهة الأزمات الاجتماعية العميقة، الحاجة الملحة للإصلاح الحقيقي والمساءلة.
ونحن نقترب أكثر من فصل الخريف هذا العام، لا تدعو أصوات الشباب في المغرب إلى إسقاط النظام أو الحكومة كما فعلوا خلال الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا والمغرب. بدلاً من ذلك، نجدهم الآن في شمال المغرب يطالبون بالدخول إلى سبتة. ليس هدفهم انهيار النظام السياسي، بل الهروب من إخفاقاته. بعد خيبة أمل الربيع العربي ومواجهة نظام عالمي لا يقدم آمالاً ملموسة، يبقى لدى شباب المغرب مطلب واحد فقط: فرصة للرحيل.