الشاشات وحدها لا تكفي.. رحلة البحث عن علاقات حقيقية

رانيا ضياء

لاحظت مؤخراً تهافت الناس وإقبالهم الشديد على شراء كتب العلاقات التي تملأ أرفف المكتبات، بل تتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في معارض الكتاب سنوياً. وبدأت أيضاً في الظهور موجات من الكتب يكتبها أطباء متخصصون لتبسيط معلومات الطب النفسي عن أنواع الشخصيات وأفضل طرق التعامل بين الناس مع بعضهم البعض، وهذا يدل على تعطّشهم لعلاقات تواصل صحية ومريحة، وأن هذا الإقبال الشديد يعكس وجود خلل في العلاقات داخل المجتمع يحتاج إلى تصحيح.

انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة، وأدت إلى زيادة الفرص في إقامة علاقات سريعة وسهلة لا تحتاج إلى مجهود، وبوجود آلاف الصفحات والمنتديات التي يشترك فيها الكثيرون ويتبادلون التعليقات وإبداء الآراء في جميع المواضيع المطروحة تقريباً، وتهافت المشاهير للدعاية لأنفسهم والتواصل مع جماهيرهم يومياً، وظهرت شخصيات مشهورة على السوشيال ميديا (البلوجرز)، وأضافت تلك التطبيقات الجديدة إمكانية التواصل بين الشعوب المختلفة رغم المسافات البعيدة التي تحتاج إلى ساعات طيران للقاء والتواصل الجسدي.

بالرغم من هذا الانتشار الكبير لوسائل التواصل، فإن الطلب على كتب العلاقات ازداد بقوة، ليعكس لنا أن هناك تعطشاً كبيراً للعلاقات الصحية، التي بين البشر وجهاً لوجه، لا من وراء الشاشات.

إن الاحتياج إلى التواصل الحقيقي والجسدي يزداد، والتباعد بين العائلات والجيران، وعدم التفاهم، والصمت المطبق داخل الأسرة الواحدة، بدأت تظهر آثاره النفسية على الجيل الجديد من حيث صعوبة التواصل واقتصار الحديث على رسالة نصية، تعبر عن مشاعر أحدهما للآخر، والتهاني بالعيد والمناسبات برسائل موحدة جامدة لا تحمل مشاعر. وأحياناً الوقوع في براثن شخصيات مزيفة ملونة تختبئ وراء الشاشات وتنتهز سهولة التعرف عبر مواقع التواصل.

وهذا ما يؤكد نظرية ماسلو وهو عالم نفس أمريكي، حول الدافعية الإنسانية، التي حاول فيها أن يفسر طبيعة الدوافع التي تحرك للسلوك الإنساني وتشكله. يؤكد ماسلو في النظرية أن الاحتياج الثالث في هرم الاحتياجات الإنسانية هو الاحتياج إلى الحب والانتماء، ويقول إن الإنسان يحتاج الى الألفة والعلاقة الحميمية مع شخص آخر، وإلى أن يكون عضواً في عائلة، وإلى بيئة أو إطار اجتماعي مثل الصداقة أو الحب، أو أي شكل من أشكال النشاطات الاجتماعية.

نجد أن التواصل عبر الشاشات ساهم في صعوبة التواصل الحقيقي، بل يأخذنا إلى التعرف على أشخاص مزيفين أو التورط في علاقات في السر محفوفة بالأكاذيب، حيث يستطيع الشخص أياً مَن كان أن ينتحل شخصيات مختلفة.

أخيراً، فإن ذلك أوجد فراغاً داخلي من عدم الشعور بالحب والانتماء، والاحتياج إلى علاقات صحية قائمة على الوضوح والتعاون والتفاهم، وهذا يدل على ضرورة العودة إلى حياتنا القديمة القائمة على تواصل العائلة والأرحام والبيت الواحد وزيارات الجمَع والآحاد، وزيارات الجيران وتبادل التهاني وجهاً لوجه، ولنعترف بأن الرسائل النصية لا تكفي أبداً للتواصل الحقيقي.