مستشار المعارضة بنونة يكتب

بقلم المستشار و الناشط السياسي عادل بنونة

 

أزمة مضيق هرمز هي ليست مجرد مواجهة عسكرية أو نزاع جيوسياسي عابر، بل تشكل إنذاراً جديداً للعالم بأسره بأن الاقتصاد العالمي أصبح رهينة للممرات البحرية الاستراتيجية وللتوازنات السياسية الدولية. فقد أثبتت الأزمة أن أي اضطراب في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية قادر على إرباك الأسواق، ورفع أسعار النفط، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وإعادة تشكيل السياسات النقدية والاستثمارية للدول.
وبالنسبة لبلدنا المغرب، فإن تداعيات هذه الأزمة لم تكن بعيدة، رغم عدم انخراطه المباشر فيها. فالمملكة تعتمد بشكل كبير على استيراد حاجياتها من الطاقة، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، وأسعار المواد الأساسية، والتوازنات المالية للدولة، والقدرة الشرائية للمواطنين ( ارتفاع مهول في أسعار المحروقات والسلع والخدمات الأساسية…)
لقد كشفت أزمة مضيق هرمز مرة أخرى هشاشة الاقتصادات التي تعتمد بشكل مفرط على الخارج في تأمين احتياجاتها الحيوية، وأكدت أن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري والسياسي. كما أبرزت أن الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية في مجال الأمن الطاقي والسيادة الغذائية والتصنيع المحلي هي الأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات العالمية.
ورغم أن إعادة فتح المضيق تمثل انفراجاً مرحلياً يخفف الضغوط على الاقتصاد العالمي، فإن المغرب لا ينبغي أن يتعامل معها باعتبارها نهاية للأزمة، بل فرصة لإعادة التفكير في أولوياته الاقتصادية. فالرهان الحقيقي ليس انتظار استقرار الأسواق الدولية، وإنما بناء اقتصاد أقل تبعية وأكثر قدرة على إنتاج الثروة داخلياً.
ويفرض هذا الواقع تسريع الانتقال الطاقي عبر الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، بما يقلص فاتورة استيراد المحروقات ويعزز السيادة الطاقية للمملكة. كما يقتضي إعادة الاعتبار للقطاع الصناعي المنتج، ودعم الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والابتكار.
وفي المجال الفلاحي، تؤكد الأزمات الدولية أن تحقيق الأمن الغذائي لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية، وهو ما يتطلب مراجعة السياسات الفلاحية بما يضمن ترشيد استعمال الموارد المائية، وتشجيع الزراعات الاستراتيجية، وتحقيق توازن بين الإنتاج الموجه للتصدير والإنتاج المخصص للسوق الوطنية.
ومن جهة أخرى، فإن التحولات الجيوسياسية العالمية قد تمنح المغرب فرصة تاريخية لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة مع سعي العديد من الشركات العالمية إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقريبها من الأسواق الأوروبية والإفريقية. ويملك بلدنا المغرب مؤهلات مهمة في هذا المجال، بفضل موقعه الجغرافي، واستقراره المؤسساتي، واتفاقياته التجارية، ومشاريعه الكبرى في البنيات التحتية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، وشبكة الطرق السيارة، والقطار فائق السرعة، إضافة إلى مشاريع الموانئ الجديدة، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط.
غير أن استقطاب الاستثمار الأجنبي لا ينبغي أن يكون هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لبناء اقتصاد وطني قوي. فالمطلوب هو استثمارات تنقل التكنولوجيا، وتخلق مناصب شغل ذات جودة، وتساهم في رفع نسبة الإدماج الصناعي، وتعزز تنافسية المقاولات المغربية، بدل الاكتفاء باستثمارات تعتمد على الامتيازات الضريبية أو اليد العاملة منخفضة التكلفة كما هو سائد اليوم في مجموعة من المدن كطنجة القنيطرة والدار البيضاء.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، تزداد أهمية النقاش حول النموذج التنموي والاقتصادي الذي ستتبناه الحكومة القادمة. فالرهانات المطروحة لم تعد تقتصر على تحقيق نسب نمو ظرفية، بل أصبحت مرتبطة بإيجاد حلول مستدامة لمعضلات البطالة، وارتفاع المديونية، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف الإنتاجية، وتحديات تمويل منظومة الحماية الاجتماعية.
إن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بوضع تعاقد اقتصادي جديد، يقوم على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد يرتكز على الإنتاج والتصدير والابتكار. كما ستكون مطالبة بإصلاح المنظومة الجبائية بما يحقق العدالة الضريبية، وتحسين مناخ الأعمال، ومحاربة اقتصاد الريع والاحتكار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الحكامة والشفافية في تدبير المال العام.
وفي السياق ذاته، لا يمكن الحديث عن نموذج اقتصادي جديد دون إصلاح عميق لمنظومة التعليم والتكوين المهني وربطها بحاجيات سوق الشغل، ودون الاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره الثروة الحقيقية لأي دولة تسعى إلى تحقيق تنمية مستدامة.
كما أن تعزيز السيادة الاقتصادية يقتضي تطوير الصناعة الوطنية، ودعم البحث العلمي، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتقوية الاندماج الاقتصادي بين مختلف جهات المملكة، بما يحد من الفوارق الترابية ويضمن توزيعاً أكثر عدلاً لثمار التنمية بين الجهات .
أزمة مضيق هرمز تعلمنا أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها عدم اليقين، وأن الدول التي تنجح ليست تلك التي تنتظر استقرار الأوضاع الدولية، بل تلك التي تستعد للأسوأ وتبني اقتصاداً مرناً وقادراً على التكيف مع التحولات.
إن المغرب يمتلك اليوم فرصة تاريخية لتحويل التحديات الدولية إلى رافعة للتنمية، مستفيداً من موقعه الجيوسياسي، وشراكاته المتعددة، واستقراره السياسي، ومشاريعه الاستراتيجية. غير أن نجاح هذه الفرصة يظل رهيناً بقدرة الفاعل السياسي “المنبثق من صناديق الاقتراع”والمؤسساتي على تجاوز التدبير الظرفي نحو رؤية اقتصادية بعيدة المدى، تجعل من السيادة الاقتصادية والإنتاج الوطني والعدالة الاجتماعية والابتكار ركائز أساسية للنمو.
فما بعد فتح مضيق هرمز ليس مجرد مرحلة انخفاض في أسعار النفط أو تحسن في حركة التجارة العالمية، بل هو اختبار لقدرة الدولة المغربية على إعادة صياغة أولوياتها التنموية، وإذا استطاع المغرب استثمار هذه اللحظة التاريخية في إطلاق إصلاحات اقتصادية وهيكلية جريئة، فإن الحكومة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية المقبلة ستكون أمامها فرصة حقيقية لتدشين مرحلة جديدة، قوامها اقتصاد منتج، أكثر استقلالية، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي، وتعزيز مكانة المملكة المغربية كقوة اقتصادية صاعدة تربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي (إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لتحقيق هذه التحديات)
بنونة عادل .