جريدة بريس ميديا PRESS MEDIAS
الشبكة الأوروعربية للصحافة والسياحة
الرئيس المسؤول النقيب الدكتور حسن برهون
0661.07.8323
00212.618.022.880
facebook.com/EuroArabe
جريدة بريس ميديا PRESS MEDIAS
الشبكة الأوروعربية للصحافة والسياحة
الرئيس المسؤول النقيب الدكتور حسن برهون
0661.07.8323
00212.618.022.880
facebook.com/EuroArabe
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
نظّم ماستر الفلسفة المعاصرة والعلوم المعرفية، يوم السبت 6 يونيو 2026 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، ندوة علمية تحت عنوان: «طبيعة الإدراك: من تلقي الحواس إلى بناء المعنى».
وقد أشرف السيد عميد الكلية فضيلة الدكتور جمال الدين بنحيون، وبمعيته منسق الماستر ورئيس شعبة الفلسفة وشعبة علم النفس فضيلة الدكتور المعتصم الشارف، على افتتاح أشغال هذه الندوة، مؤكّدًا في كلمته الافتتاحية أهمية البحث العلمي في مجالات الفلسفة والعلوم المعرفية، ودوره في فهم آليات الإدراك وبناء المعرفة. كما عبر عن اعتزازه بالتعاون القائم بين الشعب بالكلية.
وعرفت الندوة حضور عدد من الأساتذة الباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن الأكاديمي، حيث شكّلت مناسبة لتبادل الأفكار ومناقشة مختلف القضايا المرتبطة بطبيعة الإدراك، وعلاقة الحواس بالعمليات الذهنية، وإنتاج المعنى.
واختُتمت أشغال الندوة في أجواء علمية متميزة، عكست اهتمام المشاركين بموضوعها وأهمية النقاشات التي أُثيرت خلالها.
من الحواس إلى الحوار: نحو فهم ثالث لبناء المعنى..
لا نفهم وحدنا دائما.
نظم ماستر الفلسفة المعاصرة والعلوم المعرفية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان ندوة علمية في موضوع: «طبيعة الإدراك: من تلقي الحواس إلى بناء المعنى»، وذلك يوم السبت 6 يونيو 2026
وقد شكلت الندوة مناسبة علمية لمقاربة سؤال الإدراك من زوايا فلسفية ونفسية ومعرفية وتربوية متعددة. فالندوة لم تتوقف عند المعنى التقليدي للإدراك بوصفه تلقيا حسيا للعالم، بل فتحت النقاش حول الكيفية التي تتحول بها المعطيات الحسية إلى معنى، وكيف تتدخل الذاكرة، واللغة، والجسد، والسياق، والتفاعل الاجتماعي، في بناء ما نراه ونفهمه ونؤوله.
توزعت أشغال الندوة بين جلسة افتتاحية، وكلمات مؤسسية، وجلسة علمية ضمت مداخلات تناولت الإدراك في علاقته بالذكاءات المتعددة، والفاعلية الذاتية، والإكراه الخوارزمي، والمثلث الدلالي، والمداخلات الحسية، والوجدان، والسؤال الإبستيمولوجي حول إدراك العالم. كما تضمنت الندوة ورشة ذات امتداد تطبيقي حول تمثلات المرض وآليات بناء المعنى الصحي داخل الأسرة والمجتمع.
ملخص لمداخلة فضيلة الدكتور عبد الواحد الفقيهي
المعنى الثالث: الإدراك بوصفه علاقة وصناعة مشتركة
مقاربة فلسفية-نفسية-تربوية في بناء المعنى التشاركي
انطلقت مداخلة الدكتور الفقيهي من عنوان الندوة: «طبيعة الإدراك: من تلقي الحواس إلى بناء المعنى»، باعتباره عنوانا يفتح إمكانا مهما لتجاوز التصور الاختزالي للإدراك. فالإدراك لا يمكن فهمه بوصفه مجرد استقبال سلبي لما تقدمه الحواس، ولا بوصفه عملية ذهنية مغلقة تجري داخل عقل منفصل عن العالم. إنه، في تقديري، سيرورة مركبة تتشكل في نقطة التقاء بين الجسد، والبيئة، والتوقعات، واللغة، والآخرين.
وقد حاولت المداخلة أن تقترح انتقالا ثالثا داخل سؤال الإدراك. فإذا كان الانتقال الأول هو الانتقال من الإحساس إلى الإدراك، وكان الانتقال الثاني هو الانتقال من الإدراك إلى بناء المعنى، فإنني اقترحت التفكير في انتقال ثالث: من المعنى الذي يبنيه الفرد داخل ذهنه إلى المعنى الذي يتشكل بين الأفراد داخل العلاقة والتفاعل.
ومن هنا جاء مفهوم «المعنى الثالث» بوصفه المفهوم المركزي للمداخلة. والمقصود به ذلك المعنى الذي لا يكون موجودا بصورة مكتملة عند أي طرف قبل الحوار، ولا ينتج عن جمع ميكانيكي بين رأيين، ولا عن حل وسط بين موقفين، بل ينشأ من التفاعل الحقيقي بينهما. فالمعنى الأول هو ما أفهمه أنا من الموقف، والمعنى الثاني هو ما يفهمه الآخر، أما المعنى الثالث فهو الفهم الجديد الذي يظهر حين تدخل الزاويتان في علاقة حوارية منتجة.
وقد بينت المداخلة أن هذا المفهوم يجد سنده في عدد من المقاربات المعاصرة في الفلسفة والعلوم المعرفية، خاصة مقاربات الإدراك المتجسد والمتموضع والفاعل والممتد 4E Cognition. فهذه المقاربات ترفض اختزال الإدراك في معالجة معلومات داخل الدماغ وحده، وتؤكد أن الإنسان يفكر ويدرك من خلال جسده، وداخل بيئة، وبواسطة أفعاله، وبالاعتماد على أدوات ووسائط خارجية.
في هذا السياق، تم التوقف عند فكرة أساسية مفادها أننا لا ندرك العالم من موقع محايد. فالإنسان يدرك العالم بواسطة جسد يستطيع الاقتراب والابتعاد، والحركة والتوقف، والإمساك والتجنب، والخوف والرغبة. وهذا ما يجعل الشيء الواحد يحمل معاني عملية مختلفة بحسب علاقة الجسد به. فالسلم، مثلا، ليس هو نفسه بالنسبة إلى شخص سليم الحركة، وشخص متعب، وشخص يستعمل كرسيا متحركا. ماديا، هو السلم نفسه؛ أما إدراكيا وعمليا، فهو ليس الإمكان نفسه.
واستحضرت المداخلة هنا مفهوم الإتاحات أو إمكانات الفعل Affordances عند عالم النفس جيمس غيبسون. فالأشياء لا تظهر لنا فقط من حيث شكلها أو لونها أو حجمها، بل من حيث ما تتيحه أو تمنعه من أفعال. وهذا يسمح بنقل الفكرة إلى المجال التربوي: فالسؤال داخل القسم قد يبدو لطالب فرصة للتفكير، وقد يبدو لطالب آخر تهديدا يكشف ضعفه أمام زملائه. والخطأ قد يكون مدخلا للتعلم عند متعلم، وقد يظهر عند آخر بوصفه إهانة أو دليلا على الفشل.
بعد ذلك، توقفت المداخلة عند نماذج المعالجة التنبؤية Predictive Processing، التي تبين أن الإدراك لا يبدأ من الصفر. فالدماغ لا ينتظر المعلومات الحسية بصورة سلبية، بل يدخل الموقف محملا بتوقعات سابقة حول ما يمكن أن يحدث. وهذه التوقعات توجه الانتباه، وتؤثر في تفسير ما نراه أو نسمعه أو نعيشه. لذلك قد يدخل طالب إلى درس معين وهو يتوقع أنه لن يفهم، فينتبه بسرعة إلى مواضع الصعوبة، ويتجاهل ما استطاع فهمه، ثم يفسر أول تعثر بوصفه دليلا على عجزه. وهكذا لا تصف التوقعات الواقع فقط، بل قد تسهم في إنتاج تجربة تؤكدها.
ومن هذا المدخل انتقلت المداخلة إلى مفهوم صناعة المعنى التشاركية Participatory Sense-Making، كما بلورته هاني دي جايغر وإزيكييل دي باولو. وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه لا ينظر إلى التفاعل الاجتماعي بوصفه مجرد قناة لنقل معان جاهزة بين عقول منفصلة، بل باعتباره مجالا قد تنشأ داخله معان جديدة. فالحوار لا ينقل دائما ما نعرفه مسبقا، بل قد يجعلنا نكتشف أثناء الكلام ما لم نكن نعرف أننا نفكر فيه.
وقد تم توضيح ذلك من خلال أمثلة بسيطة: فقد يدخل الأستاذ والطالب إلى الحوار بمعنيين مختلفين حول الخطأ. يرى الطالب أن الخطأ دليل على الفشل، بينما يراه الأستاذ جوابا غير صحيح ينبغي تصحيحه. لكن من خلال الحوار، قد يظهر معنى ثالث: الخطأ ليس غيابا كاملا للفهم، بل أثر يكشف طريقة تفكير جزئية يمكن تطويرها. هذا المعنى الثالث لا يوجد جاهزا عند الطالب ولا عند الأستاذ، بل يولد من اللقاء بينهما.
كما بينت المداخلة أن القسم الدراسي لا ينبغي أن يفهم بوصفه مجموعة أذهان منفصلة، بل بوصفه نسقا من العلاقات والإيقاعات والإشارات والتوقعات المتبادلة. فطريقة جلوس الطلبة، ونوع الأسئلة المطروحة، والزمن الممنوح للتفكير، وطريقة التعامل مع الخطأ، ومناخ الثقة أو الخوف، كلها عناصر تشارك في تحديد ما يمكن أن يقال وما يصعب قوله. ومن هنا، لا يكون الصمت داخل القسم دائما دليلا على اللامبالاة، بل قد يكون أحيانا نتيجة لعلاقة تعليمية لا توفر ما يكفي من الأمان المعرفي للمحاولة.
وانطلاقا من ذلك، اقترحت المداخلة مفهوم «التعثر العلاقي في بناء المعنى». فليس كل تعثر يوجد داخل المتعلم وحده. قد يكون التعثر أحيانا نتيجة عدم توافق بين المتعلم وطريقة عرض المعرفة، أو بين خبرته واللغة المستعملة، أو بين حاجته إلى الوقت وإيقاع الدرس، أو بين رغبته في التعبير وطريقة استقبال الجماعة لمحاولاته. وهذا لا ينفي مسؤولية المتعلم، ولا يلغي أهمية الجهد الفردي، لكنه يمنعنا من تفسير كل صعوبة تعليمية كما لو كانت خاصية ثابتة داخله.
وفي هذا الإطار، برز مفهوم «الضيافة المعرفية» باعتباره شرطا تربويا لبناء المعنى. والمقصود بالضيافة المعرفية قدرة الفضاء التعليمي على استقبال الأفكار الأولية، والناقصة، والمترددة، والغريبة، لا بوصفها أجوبة نهائية صحيحة، بل بوصفها محاولات تستحق الفهم قبل التقويم. فالمدرس لا يقبل كل فكرة كما هي، لكنه لا يقتلها في لحظتها الأولى. إنه يمنحها زمنا لكي تفصح عن منطقها، ثم يساعد على مراجعتها وتطويرها.
وترتبط الضيافة المعرفية بمفهوم العدالة المعرفية أو الإبستيمية عند ميراندا فريكر. فالمتعلم قد يظلم معرفيا حين لا يعترف به بوصفه ذاتا قادرة على إنتاج معنى أو تقديم تجربة تستحق الإصغاء. وقد يقع ذلك حين يخلط الأستاذ بين ضعف التعبير وضعف التفكير، أو حين تمنح المصداقية دائما للطلبة الأكثر طلاقة، أو حين تفسر لهجة المتعلم أو تردده أو انتماؤه الاجتماعي بوصفها علامات على نقص معرفي. لذلك فإن بناء المعنى التشاركي يتطلب عدالة في توزيع المصداقية وحق الكلام.
وفي ضوء ذلك، اقترحت المداخلة النظر إلى المدرس بوصفه «مهندسا لمجال الإمكان». فالمدرس لا يخلق تعلم الطالب بطريقة مباشرة، ولا يودع المعنى داخله، لكنه يصمم الشروط التي تجعل التفكير والمشاركة والتجريب وإعادة البناء ممكنة. إنه يختار السؤال، وينظم الزمن، ويضبط طبيعة العلاقة، ويحدد كيف يستقبل الخطأ، وكيف يربط مساهمة طالب بمساهمة آخر، وكيف يحافظ على دقة المعرفة دون أن يغلق إمكانات المعنى.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يعيد تعريف وظيفة المدرس. فالأستاذ لا يكون فقط ناقلا للمعرفة، ولا مجرد مسير للنقاش، بل يصبح مسؤولا عن هندسة فضاء معرفي وأخلاقي يسمح بظهور الفهم. إن سلطته لا تتراجع حين ينصت، بل تصبح أكثر نضجا؛ لأنها لا تحتاج إلى إسكات المتعلم لكي تثبت نفسها، بل تقود المتعلم من معناه الأولي إلى معنى أكثر تركيبا واتساقا.
كما تناولت المداخلة التقويم من زاوية جديدة. فالتقويم لا ينبغي أن يكتفي بسؤال: هل أعاد الطالب إنتاج الجواب الصحيح؟ بل ينبغي أن يسأل أيضا: ما التحول الذي حدث في فهمه؟ من أين بدأ؟ وما الذي تغير؟ وهل أصبح قادرا على رؤية علاقة جديدة أو مراجعة تفسير سابق؟ فالتعلم الحقيقي لا يظهر فقط حين يمتلك المتعلم جوابا جديدا، بل حين تتغير الطريقة التي يرى بها السؤال نفسه.
وانتهت المداخلة إلى أن مفهوم «المعنى الثالث» يسمح بإعادة صياغة العلاقة بين الإدراك والتربية. فإذا كانت الحواس تضع الإنسان أمام العالم، وكان الإدراك ينظم معطياته، فإن بناء المعنى لا يكتمل دائما داخل فرد معزول. فبعض المعاني لا تظهر إلا في اللقاء، والحوار، والاختلاف، وسوء الفهم المنتج، والإصغاء المتبادل.
وعليه، فإن التربية لا تتمثل فقط في نقل معنى جاهز من عقل يعرف إلى عقل لا يعرف، بل في تنظيم لقاء بين معارف وتجارب وأسئلة مختلفة، لكي يصبح ممكنا ظهور فهم لم يكن موجودا من قبل بالصورة نفسها. ومن هنا، فإن المعنى الثالث لا يلغي المعنى الأول ولا المعنى الثاني، بل يعيد تنظيمهما داخل أفق أوسع وأكثر إنسانية.
وختمت المداخلة بالتأكيد على أن المعرفة قد توجد في الكتب، والمعلومات قد توفرها الأجهزة، والأجوبة قد تنتجها الآلات، لكن المعنى الإنساني يحتاج إلى حضور وإصغاء واختلاف وعلاقة. فالقيمة العميقة للتربية ليست أن تجعل المتعلم يرى ما يراه الأستاذ فقط، بل أن تهيئ لقاء يصبح فيه الأستاذ والمتعلم قادرين على رؤية شيء لم يكن أي منهما يراه بالطريقة نفسها قبل أن يبدأ الحوار.
PRESS MEDIAS
barhon.hassan@gmail.com
0661078323
Next Post
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.