بداية أقول إننا إذا نظرنا إلى الحروب المالية وما يتعلق بتمويل الحروب العسكرية فإننا سنلحظ أنها في الغالب الاعم كانت تتعلق بحظر الأموال بتهمة الإرهاب، أو كانت تستخدم في حالات محددة مثل برنامج إيران النووي لكن استهداف بلد بحجم روسيا وقوتها هو أمر غير مسبوق. ومن نافلة القول أيضا إنه وبعد هذه الأسابيع يبدو واضحا أن الحرب بداية هي تحول عميق في الاقتصاد العالمي.. فنحن إذا ما نظرنا إلى أن معظم العالم يبدو متحدا في إدانة الحرب في أوكرانيا فإنه ولاشك لذلك تداعيات مهمة على المستقبل المالي الدولي مع استجابة الدول حول العالم للخطوة المثيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها بداية الحرب بتجميد احتياطيات روسيا من العملات الأجنبية.

المراقبون يجمعون على أن تمويل هذه الحرب يبدو أنه يسير عبر قنوات تجارية ومالية متشابكة حيث يظهر في الطرف الآخر بوضوح إدراك القطاع المالي والمستثمرين للمخاطر المرتبطة بالتطور غير المؤكد للصراع وهو ما يؤثر على تدفقات رأس المال إلى بلدان الأسواق الناشئة والبلدان النامية بشدة بسبب توقعات المستثمرين للمخاطر.

وهنا يرد التساؤل، هل كان لبعض الخطوات الاقتصادية التي اتخذتها أوكرانيا سببا في إطالة أمد الحرب؟ الاجابة بوضوح.. نعم.. فعلى سبيل المثال ومنذ أولى ساعات النزاع فتحت الحكومة الأوكرانية العناوين والمحفظات الخاصة بالعملات المشفّرة مما أتاح لها تلقي هذه العملات اللامركزية بشكل مباشر حيث بإمكان أي شخص يمتلك عمليات مشفّرة أن يرسلها إلى هذه العناوين وبالتالي تدفقت على الحكومة العملات المشفرّة من شتى الأنواع من بيتكوين وغيرها.

على الجانب الروسي يبدو أن الوضع شهد تغييرات حتى ولو كانت ظاهرية فقد استعاد الروبل معظم مكاسبه التي فقدها في الأيام التي تلت إعلان العقوبات لأول مرة وبالتالي فإن انتعاش الاقتصاد الروسي يعكس إلى حد كبير الضوابط الصارمة على رأس المال وزيادات أسعار الفائدة التي كشفت عنها روسيا استجابة للعقوبات، بالرغم من أن تأثير العقوبات في النهاية سيكون حادا على الاقتصاد الروسي، بغض النظر عن التحسن الذي شهدته عملة الروبل فقد كان تجميد أصول البنك المركزي الروسي مفاجأة بالنسبة للكثيرين ويبدو أن الأمر كان كذلك لبوتن أيضا فالعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي فرضتها دول العالم على موسكو تضع بوتن أمام حتمية تحمل معاناة اقتصادية كبيرة من أجل تحقيق هدفه التاريخي المتمثل في سحق أوكرانيا مما سيضطر الغرب ومعه الولايات المتحدة إلى عزل بلاده تماما عن الاقتصاد العالمي وحرمانها من الإيرادات التي تحتاجها لتمويل الحرب.

ورغم كل ذلك هناك بعض الدلائل المبدئية على أن روسيا قد تجد طرقًا للالتفاف حول العقوبات والنظام المالي الأميركي القائم على الدولار حيث تحدثت بعض الأوساط الهندية أنه من المحتمل أن توفر الهند بابًا خلفيًّا للمدفوعات لروسيا؛ حيث يقول المسؤولون الهنود إن الحكومة والبنك المركزي قد بحثا إبرام اتفاق للتبادل التجاري بالعملات المحلية أي الروبية والروبل، وهي آلية استخدمتها البلدان خلال حقبة الاتحاد السوفياتي، التي تضمنت تجارة المقايضة التي تشمل النفط والسلع الأخرى لكن هذا لن يمنع من ان الاقتصاد الروسي سيعاني من بعض الضربات الخطيرة نتيجة للعقوبات الغربية لكن السيولة النقدية لدى موسكو لن تنفد بالسرعة الكافية لإنقاذ أوكرانيا، ومع الأخذ في الاعتبار أن معظم المعدات العسكرية الروسية تنتج محليًا وباستخدام مواد خام محلية فقد تتمكن موسكو من تغطية هذه التكاليف بالروبل، حتى إن اضطرت لطبع النقود والمخاطرة بالتعايش مع تضخم مكون من رقمين لفترة أطول.

الولايات المتحدة سيبقى لها الأثر الأكبر في استمرار هذه الحرب حيث تم تمويل المساعدات باستخدام سلطة السحب الرئاسي التي يمكن بموجبها للرئيس الأميركي أن يأذن بنقل مواد وخدمات من المخزونات الأميركية دون موافقة الكونغرس، للتعامل مع حالات الطوارئ.. وقد تابعت هنا في واشنطن التقارير التي نقلتها واشنطن بوست عن مسؤولين من أن البنتاغون يتطلع إلى تزويد كييف بطائرات مروحية من طراز “إم 17” (M17)، وعربات همفي (Humvee) المدرعة. وأضافت الصحيفة أن الخطط الأولية لهذه المساعدات تشمل مسيَّرات وسترات واقية للاستخدام في حال وقوع هجوم كيمياوي أو بيولوجي أو نووي، وأن البيت الأبيض قدّم أكثر من 1.7 مليار دولار من المساعدات الأمنية لأوكرانيا منذ بدء الحرب الروسية عليها في 24 فبراير/شباط.. كما استضافت وزارة الدفاع الأميركية مسؤولي أكبر 8 شركات لتصنيع الأسلحة الأميركية، لمناقشة قدرة الصناعات الدفاعية على تلبية احتياجات أوكرانيا من الأسلحة إذا استمرت الحرب مع روسيا سنوات.. ولا ننسى هنا أن وزارة الدفاع الأميركية قد أشارت إلى أنها تسلم هي وحلفاؤها أكثر النظم فائدة لأوكرانيا، ولا سيما نظامي جافلين المضاد للدبابات وصواريخ ستينغر المضادة للطائرات.

في حرب أوكرانيا جن جنون الاقتصاد العالمي بداية من الخشية أن تكون الحرب بداية تحول عميق في الاقتصاد العالمي وصولا إلى الاعتقاد المتجدد بأن هيمنة الدولار يمكن أن تتضاءل، على الرغم من أنه من المرجح أن يظل العملة العالمية الأساسية. وكذلك، فإن مدة الحرب وانتشارها وشدتها ستحدد حجم الآثار المترتبة على الأسواق الناشئة نتيجة لها، وجميع هذه العوامل ستؤثر بلا شك على تمويلات تلك الحرب المجنونة على كل الصعد وعلى موازين القوى التي تتبدل كل ساعة.