تحديات متعددة تواجه القطاع الأمني في الدول المغاربية

رغم اختلاف أولويات وحاجيات البلدان المغاربية في إصلاح القطاع الأمنيّ، باختلاف سياقاتها المؤسّساتيّة، إلا أنّها تشترك في الحاجة إلى “درسين” على الأقلّ؛ أوّلُهُما، وفق ورقة للمعهد المغربي لتحليل السياسات، ضرورة هذا الإصلاح للترويج للصورة الجديدة للأجهزة الأمنية، لتأكيد التحول من النظام القديم وصورة كبح الحريات وانتهاك حقوق الإنسان المرتبطة به. وثانيهِما، الانتباه إلى أنّ هذا الإصلاح سيواجه لا محالة مقاومة من النّخب الأمنية في الأنظمة القديمة، بفعل الثقافة الموروثة من الاستبداد، وعدم إيمانها بفوائد الإصلاح، واعتبارها المجال الأمنيّ محظورا، ولا يمكن فصله عن الحياة السياسية حتى يخضع للسّلطة المدنية.

التحوّل نحو الديمقراطية رهين بالإصلاح

تذكّر ورقة المعهد المغربي لتحليل السياسات، أعدّها الأكاديمي المتخصّص في الدبلوماسية والدراسات الأمنية ابراهيم اسعيدي، باختلاف الأولويات والاحتياجات في كل بلد من البلدان المغاربية؛ فقد “كان الجيش في الجزائر هو الركيزة الأساسية للنظام. أما في تونس فقد كان دوره السياسي مهمّشا للغاية. وفي ليبيا، في عهد القذافي، كان الجيش مهمّشا لصالح الحرس الثوري. وفي المغرب، تغيّرت طبيعة دور الجيش من الطبيعة السياسية إلى طبيعة غير سياسية”.

ومع “عدم التجانس بين البلدان المغاربية من حيث الثقافة والسياق وظروف تنفيذ إصلاح القطاع الأمني”، والاختلاف الكبير في أولويات هذا الإصلاح والاحتياجات له، رغم أوجه التّشابه، تقول الورقة إنّ “طريقة هذا الإصلاح يجب أن تتوافق مع ظروف كلّ دولة، مع مراعاة التّجارب الإقليمية والدّولية”.

وتذكّر ورقة الباحث ابراهيم اسعيدي بما يمثله إصلاح القطاع الأمني من مصدر قلق رئيسي للمشهد الحالي للتحول السياسي نحو الديمقراطية في البلدان المغاربية، وما يكتسيه من أهمية خاصة بالنظر إلى الأدوار الأساسية والتاريخية لهذه الأجهزة في الحفاظ على الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

ويرى الباحث أن الإصلاحات الأمنية والمبادرات المختلفة التي أطلقتها هذه الدول ما زالت تقتصر حتى الآن على مكافحة الإرهاب، ومع ذلك، فمازالت الخطوات نحو الحكامة الأمنية الرشيدة فيما يتصل بالمساءلة والشفافية والرقابة الديمقراطية أقل وضوحًا.

وتُقدّم الورقة إصلاح القطاع الأمني بوصفه “عنصرا أساسيا في تعزيز الديمقراطية، ودعم التنمية، ومنع نشوب النزاعات والنجاح في بناء السلام بعد انتهاء الصراع”، مضيفة أنّ الفكرة الأساسية التي تدعم هذا الإصلاح تكمن في “ضرورة ضبط الخدمات الأمنية، وخضوعها للمساءلة أمام السلطات المدنية المنتخبة على أساس الديمقراطية، مع ضرورة تقديمها وفقًا لمبدأ سيادة القانون”.

كما تبيّن أنّ إصلاح القطاع الأمني يشمل مفهومين مشتركين، هما: الأمن والحكامة. ثمّ تزيد مفصّلة بالقول: “شهد المفهومان كلاهُما تغيرًا في العقود الأخيرة (…) فمفهوم الأمن لم يعد يُفهم باعتباره يتمحور حول الدولة أو يتصل بالتهديدات العسكرية فقط، بل صار يشمل القضايا غير العسكرية التي تؤثر على الدول والأفراد والشعوب. أما الحكامة فتتصل بطرق تلبية إدارة المؤسسات والقضايا الأمنية لاحتياجات المواطنين والدولة، وتضم الحكامة الرشيدة جميع الجهات الأمنية المشاركة في عملية صنع القرار، ليس فقط بمجرد الرجوع إلى القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الاستخبارات، ولكن بالرجوع أيضا إلى المؤسسات الدستورية والسياسية التي من المتوقع أن ترشدهم وتشرف عليهم”.

وتبرز الورقة ما تشكّله الاحتجاجات السياسية التي اندلعت في المنطقة العربية في عام 2011 من حدث فريد مهّد الطريق أمام التحولات السياسية الديمقراطية بالمنطقة، “سعيًا لوضع عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع”، وهو ما ترى فيه حدثا تاريخيا أتاح “فرصة لإصلاح القطاع الأمني باعتباره جزءًا لا يتجزأ من العملية الديمقراطية”، قبل أن يزيد الباحث قائلا: “الواقع أنّ الربيع العربي كان مدفوعًا بالاستياء واسع الانتشار من قوات الأمن؛ حيث كان الكثيرون ينظرون إليها على أنها أدوات قمع. ومع ذلك، وبالرغم من أهمية إصلاح القطاع الأمني، فلا يزال النقاش العام والأكاديمي حول هذا الإصلاح في البلدان المغاربية أمرا ناشئًا ومركّزًا على الدور القمعي لهذه الأجهزة.

وتذكر الورقة أنّ إصلاح القطاع الأمني في البلدان المغاربية يواجه تحديات كبرى تتجلى في عدة مستويات؛ أوّلها “الترويج لصورة جديدة للأنظمة الأمنية”، وهو ما يتطلّب “تحويل التصورات المرسومة عن الأجهزة الأمنية من أجهزة تعتمد على الإكراه إلى أجهزة مسؤولة وشفافة ومهنية”، بعدما شُكّلت هذه القطاعات الأمنية في الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا قبل “الربيع” لـ”ضمان انضباط الشعوب أمنيًا”، مع تركيز الشرطة “على مراقبة الأنشطة السياسية أكثر من تركيزها على تطبيق القانون”، وتجسّس وكالات المخابرات على المواطنين.

وتتوقّف الورقة عند معيق “النخب الأمنية للنظام القديم”، وتقدّمها على أنّها “لا تؤمن بجدوى الإصلاح، وترى أن الأمور الأمنية غير قابلة للنقاش، وتتعامل بحذر مع أي شكل من أشكال الإصلاح الديمقراطي؛ لأن الديمقراطية ستضعف تأثيرها ومزاياها في نهاية المطاف”.

ويضيف الكاتب شارحا: “الثقافة الموروثة من الأنظمة الاستبدادية تبدو عائقًا أمام أي إصلاح حقيقي للقطاع الأمني”، وهو ما يجب معه أن ينصبَّ التركيز على إعادة تأسيس الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات وإعادة تشكيلها، على أن تكون هذه القوى الأمنية الثلاثة في بؤرة إصلاح القطاع الأمني المتجه نحو الديمقراطية، الذي يجب أن يرتكز هدفه الأساسي على إنشاء قطاع أمني مهني ومحترف في ظل حكم ديمقراطي، مع تفويض دقيق واستخدام مناسب للموارد؛ علما أنّه “دون هذه التوجّهات إلى الإصلاح، سيكون من الصعب تحقيق الانتقال الديمقراطي الموحد في البلدان المغاربية”.

تجارب مغاربية

تذكّر الورقة بالتّأثير الكبير للقوات المسلحة على السياسات في الجزائر، وتضيف أنّ هذا النّفوذ يُبَرَّر عند النخبة العسكرية الجزائرية بإرث حرب الاستقلال، وهو ما استمرّ مع حرب التحرير، علما أنّ “العلاقات المدنية العسكرية في الجزائر كانت ولا تزال متأثرة بتحول الجيش الجزائري من قوى ثورية إلى قوى مسؤولة عن إعادة الإعمار بعد الاستقلال”، لتبدأ سيادة الجيش وتدخله في المجال السياسي بانقلاب عسكري في عام 1965.

وتجزم ورقة المعهد المغربي لتحليل السياسات بأنّ “فصل الجيش عن السياسة الجزائرية” شرط مسبق لنجاح إصلاح القطاع الأمني؛ لأنّ من غير الواقعي للغاية “تعزيز الإصلاحات الأمنية دون تقليص النفوذ الهائل للجيش في الحياة السياسية”؛ وهي “مهمة غير يسيرة لبلد يمر بمرحلة انتقالية من نظام استبدادي يحكمه الجيش إلى نظام ديمقراطي”، دون أن يكون ذلك مستحيلا؛ فـ”الثمن الواجب دفعه هو تعزيز التوافق بين المدنيين والعسكريين للتّوصّل إلى مجموعة محددة من ضمانات الخروج، لمنع الجيش من إعاقة التحول الديمقراطي”.

وتتميّز تونس، وفق الورقة، بأنّ للإصلاح العسكري أهمية محدودة على المدى القصير، نظرا لعدم تدخّل الجيش في الثورة ورفضه أوامر الرئيس الأسبق بن علي بإطلاق النّار على المتظاهرين وكبحهم، فيما يتمثّل التحدي الرئيسي لإصلاح القطاع الأمني منذ سقوط بن علي في: “استعادة الجهاز الأمني الداخلي والقضاء”.

وتضيف الورقة أنّ التركيز الأكبر في تونس ينصبّ على “مفهوم إصلاح الشرطة داخل الجمهور، لأن النظام القديم كان شديد القمع، وبالتالي اعتمد اعتمادًا كبيرًا على جهاز الأمن الداخلي، وعليه فأثناء الانتفاضة الشعبية اتخذت الشرطة جانب النظام ضد المتظاهرين، واتُهمت بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان”، كما كانت “أجهزة المخابرات من بين النخبة الأمنية المتميزة كنظام وصي تتوافق مصالحه مع مصالح الشرطة”.

ويقتضي الإصلاح الأمني تركيزا على إصلاح جهاز الأمن الداخلي للبلاد عبر التّشريعات القائمة على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتنفيذ آليات الحكامة الرشيدة، و”الترويج لثقافة أمنية جديدة تقوم على سيادة القانون والتعليم الديمقراطي”؛ وهو ما “سيساعد على تطهير الأجهزة الأمنية من الداخل، ودفع العناصر المواتية للنظام القديم، التي تحاول عرقلة النظام، لتغيير سلوكها”، مع ضرورة أن تسير “كل هذه العوامل جنبًا إلى جنب مع إصلاح المنظومة القضائية، والتحول الهيكلي لوزارة الداخلية التي تسيطر على غالبية الأجهزة الأمنية التونسية”؛ لأنها في واقع الأمر “أساس الصرح الأمني بأكمله في البلاد، ويظهر تحولها على أسس ديمقراطية، وآليات خاضعة للمساءلة، تحديًا حاسمًا أمام إصلاح القطاع الأمني”.

ويجب النّظر إلى إصلاح القطاع الأمني في المغرب، وفق الورقة ذاتها، على أنه “جزء من العملية الأكبر لإرساء سيادة القانون، التي لا تعد مهمة سهلة لأن الإصلاح الأمني مرتبط ارتباطًا كبيرًا بإصلاحات أخرى في النظام السياسي العام”، رغم وجود عقبات كبرى تمنع من تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، خاصّة “المصالح الاقتصادية والمالية وفساد المسؤولين من قوات الأمن”.

وتوصي الورقة بضرورة “تعديل الدستور من أجل التوزيع الديمقراطي للاختصاصات والسلطات؛ لأن القطاع الأمني في المغرب لا يُعدُّ ضمن السياسات العامة التي تعكس عملية صنع قرار واضحة وتحليلًا للقرارات الحكومية”؛ فـ”رئيس الحكومة لا يملك سيطرة فعلية على القوات المسلحة أو على أجهزة المخابرات، (…) والبرلمان لا يمارس أي رقابة تُذكر على الأجهزة الأمنية، وخاصة أجهزة المخابرات والقوات المسلحة”.

بينما تختلف الحالة الليبية اختلافًا تامًا عن البلدان المغاربية الأخرى، وفق ورقة المعهد المغربي لتحليل السياسات، نظرًا لاستمرارية الحرب الأهلية؛ وعدم احتكار الحكومة الليبية الاستخدام المشروع للقوة الذي هو أساس سيادة الدولة، وعدم امتلاكِها “السيطرة الكاملة على أراضيها”، واضطرارها لـ”تقاسم السلطة الأمنية مع قوات المتمردين”، علما أنّ بعض الجماعات الثورية “ترفض الالتحاق بالجيش الوطني أو تسليم أسلحتها”، ولم تقاتل عند التمرّد على نظام القذافي تحت راية واحدة، مع استمرار بعضها في “احتلال مدنهم أو مناطقهم الخاصة، دون أن يدينوا بالولاء للسلطة السياسية الجديدة في طرابلس”، بل وتواصل بعض الميليشيات نموها في مختلف أنحاء البلاد، وتتابع تنفيذ أجنداتِها الخاصة.

وتحتاج ليبيا “إعادة بناء القطاع الأمني الليبي من البداية”، وتتطلّب الحاجة إلى الأمن الفوري “استراتيجية قوية لنزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم”، مع إمكان “دمج المقاتلين السابقين في الجيش الوطني وقوات الشرطة في نهاية المطاف تحت حكم الحكومة المركزية، وبالتالي تصبح تابعة للشعب”، مع العلم أنّ من بين ما يعيق استراتيجية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، “الافتقار إلى الخبرة التاريخية في بلد حكمه معمر القذافي لمدة 42 عامًا دون هيكلة للدولة، والطبيعة المتداعية للأجهزة الأمنية الموروثة من النظام الجديد، والتفتت الاجتماعي للمجتمع الليبي الذي يمكن رؤيته بأشكال مختلفة، ولاسيما في التّنافسات القبلية والإقليمية”.

ورغم عدم تهديد ليبيا خارجيا من جيرانها، ممّا يعني عدم حاجتها إلى “قوة كبرى للدفاع الإقليمي”، يظَلُّ “إنشاء جيش وطني موحد تحت سيطرة مدنية شرطا أساسيا لتعزيز قوة الدولة الليبية”، وفق المصدر البحثيّ نفسه، مع الحاجة الماسّة إلى تحسين مستوى شفافية الشرطة الليبية، ومستوى التدريب، والحصول على معدات جديدة، مع منح جميع أفراد المجتمع الليبي إمكان الوصول إلى قوات الشرطة، لتحقيق التنوع القبلي والعرقي والثقافي لجميع المناطق التي تخدمها، إلى جانب “عدم نسيان إصلاح أجهزة المخابرات”؛ لأن “الهياكل الاستخبارية الموروثة من نظام القذافي، مثل منظمة الأمن الخارجي الليبي، بحاجة إلى إصلاح شامل نحو السيطرة المدنية الديمقراطية الفعالة وإنفاذ حقوق الإنسان”.