بعد الكوفيــد وبعد الجائحــة وما تلاهــــا!

 

إلى السيد رئيس جمعية هيئات الحامين بالمغرب والســادة النقبــاء

أولا: في الجائحة القضائية وملابساتها وآثارها علينا وعلى مهنتنا

تلقت المحاماة ومكاتب المحامين أكثر من غيرها من المهن الأخرى أقوى الضربات و اقسى نكبة في التاريخ من جراء جائحة الكورونتفيروس، وبالخصوص بعد إغلاق المحاكم والتحجير عليها بقرارات انفرادية من قبل السلطة القضائية بعيدة عن أي تقدير للهيئات وللمجالس وللنقباء ، الذين لم يطلب رأيهم ولا موقفهم .
فبنفوذ واستقواء اوقَفُوا نشاط ‹› القصور›› وعَلقوا جلساتها وأقفلوا أبوابها و انسحب اغلب موظفيها وقضاتها إلى حال سبيلهم، فحُرم المتقاضون دون سابق علم أو إعلام من حقهم الدستوري في العدالة التي لا يمكن تكفينها ولا التصرف فيها من قبل أي احد مهما كانت الأسباب حتى ولو كان المغرب يعيش حالة استثناء بقرار من الملك طبقا للدستور…، وكان ذلك القرار المرتجل كما يعرف الجميع قد اتخذ قبل صدور مرسوم 293 بإعلان حالة الطوارئ يوم 24 مارس 2020 ، مما يطرح أكثر من سؤال عن مشروعية القرار ومسؤولية مصدريه بسبب ما لحق بالمتقاضين وبالمحامين من اخْطر الاضرار وما أصاب القطاع برمته من سكتة قلبية وعقلية لا يدري احد ما هي تبعاتها.
وفي النهاية خلف قرارهم بإغلاق المحاكم والجلسات، ومهما تكن النوايا الحسنة التي أملتها، جائحة مهنية تمثلت أساسا في فرض الغياب القسري للمحامين عن الجلسات، تبعه إغلاق جبري لغالبية مكاتبهم حيث ألقى بهم في أحضان البطالة و المجهول بين عشية وضحاها ومعهم كُتابهم وزملاؤهم، وجها لوحه مع انتكاسة اقتصادية ومادية وإنسانية ونفسية، يفرض علينا تاريخ مهمتنا غداً فتح مسار قراءتها ودراستها والتعليق عليها باللغة التي تعطينا استنتاجات وتجعلنا نحدد أساليب معالجتها والتصدي لها باعتبارها سابقة غير عادية لأن التاريخ لم يعرف قبل سَد المحاكم وقاعاتها.
من المؤكد أن الوباء الذي انتشر عبر الوطن وضرب المواطنين أمر رهيب كان من الضروري أن يتصدى له الجميع سلطة ومؤسسات ومواطنين بكل الحزم و الجدية والانضباط، لان هذا الخطر لا يقبل التردد او المزايدة ، غير أن واقع الأزمة لم يكن أن يعالج بالضرورة بأسلوب يضرب قطاعا مهنيا كبيرا وأساسيا كاملا ويخنقه و ينشر الجائحة في مؤسسة العدالة ومرفق القضاء بإخلاء المحاكم و تعطيل اكبر جهاز من أجهزة الدولة والمجتمع و الذي لا يمكن الاستغناء عن وجوده إن في زمن السلم او زمن الحرب أو زمن الكورونافيروس، بالشكل الذي اختارته السلطة القضائية والتي تعاملت مع قوة الجائحة بإعلان «حالة استثناء» في «قصور العدالة والقضاء».
لم يفكر أصحاب قرار إغلاق المحاكم وتعليق الجلسات في آثار قرارهم أو في تقديرها حق تقدير، فان كان من المَشْرُوع التأهب للعدوى لمنع انتشارها داخل المحاكم ومرافقها وبين قضاتها وموظفيها وروادها من كل الفئات، فقد كان لابد من الإبقاء على قدر من الخدمات القضائية والإدارية داخلها في المجالات التي لا تفرض وجود المتقاضين أو تفرض ازدحامهم ولا ازدحام المحامين ولا حضورهم بالكثافة مثل قضايا تجارية وإدارية وغيرهما.
أَلَم يكن من الممكن للسلطة القضائية أن تتدارس مع هيئات المحامين مخططا بديلا عن إغلاق المحاكم يُبقي على نشاطها في حدود معقولة وضرورية على الأقل في قضايا لا يتطلب حضورا الأطراف من غير تلك التي وردت في رسالة 16 مارس مثلا؟
ألمْ يكن بوسع جمعية هيئات المحامين بالمغرب وكل الهيئات و النقباء، وهم من عبر منذ البداية بحسن وطني عن دعم وتضامن كامل وتفاعل مع تدابير اليقظة ضد الوباء، أن يبادروا غداة فرض توقيف المحاكم بما يعوض الفراغ ويرفع الحيرة عن المحامين، وحتى لا يكون الاستسلام بسهولة لقرار فوقي ولو أملته ظروف استثنائية يقدرها الجميع؟؟
أو ليس في الأوضاع الصعبة و ظروف الأزمات التي يعرفها الجميع، كان المحامون نساء ورجالا هم من ينبه ومن يفصح ومن يرفع الأوراق البيضاء ثم الحمراء أمام كل انزلاق؟
إننا نعتقد أن سؤال اللامشروعية مطروح اتجاه الإجراءات التي اتخذت يوم 16 مارس 2020 والتي دعت المسؤولين القضائيين إلى توقيف العمل بالمحاكم، ونفس الشيء بالنسبة للمنشور الصادر في 14 ابريل 2020 الذي توجه للمسؤولين أنفسهم لدعوة قضاة المحاكم إلى تحرير مشاريع الأحكام في انتظار رفع حالة الطوارئ، لأن مضامينهما تثير نقاشا دستوريا جديا يتعلق بمبدأي استقلال القضاء وما يجسده من حصانة ومن صلاحيات تعود أساسا للقضاة دون رقيب يصعب قبول بديل عنها في اعتقادنا وهو لا ريب نفس اقتناع المسؤولين القضائيين.
ولا نشك أن للجمعية وللهيئات كل القدرة على مناقشة هذه التوجهات مع السيد الرئيس المنتدب للسلطة القضائية لإقناعه بالتراجع عنهما، ولماذا التفكير كذلك في مسطرة الطعن فيهما قضائيا عند الاقتضاء لأننا كمحامين نتوجه للقضاء للتظلم من أحكام القضاء، وهذا في حد ذاته الأسلوب الحضاري الذي تتميز به دولة القانون .
ثانيا: المهام المنتظرة باستعجال من جمعيتنا ومن هيئاتنا

أمام ما سبق، ونظرا لثقل الجائحة الصحية على المحامين وعلى المحاماة وعلى القضاء،
ونظرا لقرار الحكومة باستمرار الحذر الصحي لمدة ثلاثة أسابيع ابتداء من يوم العشرين من ماي الجاري، وهو ما سيزيد آلاما أخرى للوضع الميت الذي يملا واقع المحاماة وحياة المحامين.
فإننا ندعو جمعيتنا ونقباءنا ان يتخذوا مواقف واضحة وعملية، وأن يستنفروا قواهم من أعماقها وهم من يرى القلق يسود أوساط الزملاء حول ماذا سيؤول إليه الوضع، بعد أن يقفوا بانتباه وحزم وباستعجال ليحللوا بموضوعية طبعا كل ما خلفته القرارات الإدارية القضائية على قطاع القضاء والمحاماة من آثار وصعاب وان يفتحوا نقاشا واضحا شفافا بينهم إما على شكل لقاء مهنى وطني عام، أو أن يستمعوا لأصوات المحاميات والمحامين من خلال استقراء الراي وجمع معطيات من واقعهم ومن داخل تجربة الجائحة المهنية التي طالتهم لأكثر من شهرين إلى اليوم.
وندعوهم ان يهيؤوا الأجوبة والمخططات التي تُرجع الأنفاس للمحاماة وللمحامين من جديد وترجع لهم مواقعهم وحرمتهم بعد ان تم تجاوزهم من قبل المسؤولين في السلطة القضائية بشكل مرفوض وغير مسموح به أدى إلى ما أدى إليه من كوارث على مهنتنا.
ونعتقد أن لكم بالجمعية و بالهيئات مسؤوليات لابد أن تتحملوها من الناحية المهنية والإجرائية نترك لكم تحديد الاولويات بينها ومخطط تطبيقها لأنها مرتبطة بمستقبلنا كلنا، ومنها ما يلي :
* لابد لجمعيتنا أولا وقبل كل شيء أن تنتقل من رد الفعل للفعل والمبادرة، فبعد ثلاثة أشهر من الجائحة لم تتحرك المؤسسات بالشكل المفروض و صرنا نتحمل الضربات دون أن ندافع عن أنفسنا، ومن هنا نقترح عليكم كأول خطوة ،التعجيل بوضع تقييم أولي للجائحة على المهنة وعلى المحامين، ثم وضع مخطط جديد للمستقبل يجيب حقيقة عن انتظارا تنا فيما بعد الجائحة وبعد النكسة المهنية والقضائية التي عاشها المحامون ، واستخلاص الدروس من تعامل المسؤولين مع الهيئات ومع أوضاع المهنة لدرجة تأثرت فيها مع الأسف على مقومات ناضل في سبيلها أجيال من مختلف الأعمار في مهنتنا وعلى رأسها المحاكمة العادلة والأمن القضائي واحترام الدفاع. ونقترح ان يقوم المخطط المهني المقترح للمستقبل على أربعة مقومات وهي : تصور نموذج اجتماعي وطنيا للمحامين بعد أن تأكد بفعل الكوفيد أن حالتنا تعاني من هشاشة خطيرة وأن قطاعنا بين القطاعات في النسيج الاجتماعي الذي خرج مبكرا للبطالة وأغلق المكاتب وفُرِضَ عليه التوقف الاضطراري، تصور جديد برؤية مستقبلية لقانون المحاماة ولموقعها – (وكما سيأتي لاحقا في هذه الورقة-)، و ثالثا فتح المحاماة والهيئات على محيط واسع من المؤسسات والقطاعات في إطار شراكات ترفع إقبال مستهلكي القانون على المحامين و على خبرتهم ( كما سيأتي بتفضيل بعده)، وأخيرا الإعداد العلمي لمرحلة الرقمنة المهنية والقضائية بما تقتضيه من تعبئة شاملة مدروسة وإمكانيات.
* ندعو جمعيتنا وهيئاتنا لأن تقول كلمتها وتعبر عن إرادة المحامين كلهم بخصوص قضايا وطنية أساسية ولأن تكون السباقة في ذلك، إذ دورها أساسي في قضايا حقوق الإنسان وما يطالها من انتهاكات، وهي لذلك عضو في المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولها معهد لحقوق الإنسان. فهذه المواقع لا تسمح لها بالغياب أو بالاختفاء، فإلى جانب القضية الوطنية وهي ملف الصحراء المغربية، هناك قضايا وطنية مصيرية كذلك ومن بينها قضية الحريات وحقوق الإنسان، قضية احترام الحياة الخاصة والشهير وترويح الادعاءات، قضية حرية الرأي والتعبير، قضية أوضاع السجون والسجناء وقت الجائحة، قضية القبض واعتقال عشرات المئات من المواطنين التي أضافت الاختناق للسجون، فهذه وغيرها كلها قضايا وإحداث لها أهميتها في ظرف الحجر الصحي كانت تدعو جمعيتنا وهي لسان حال الهيئات والمحامين، إلى التنبيه لمخاطرها باستفسار المسؤولين حولها وإخبار جمهور المحامين لرفع اللبس ومعرفة الحقيقة، لكي لانترك المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه وحدها تطرح الموضوع نيابة عنا كمحامين وكهيئات.
* على جمعتنا وهيئاتنا، فتح مفاوضات مع السلطة القضائية والحكومية من اجل تأسيس لجنة تقنية تنكب على دراسة سبل إعادة تنظيم الهياكل القضائية والمهنية في مجال العدالة الذكية والانخراط المشترك في نظام المعرفة المعلوماتية وتقنية جمع المعطيات وتخزينها والحفاظ على السرية تبعا لخصوصيات المحاماة، مع مقاربة استعمال التوقيع الذكي الالكتروني… وذلك للسير بالتصورات الضرورية بشكل متوازن و متوازي بين مكونات العدالة كلها سعيا للتحديث المهني، لكن مع الحذر والانتباه من السقوط في تجاوز أو طمس الوجود المعنوي والمسطري والقانوني للعنصر البشري الذي له قيمته ومكانته المتمثل في القاضي و في المحامي، وحتى لا نخلق منهما روبــوات تذوب تحت سلطة الآليات الإلكترونية والرقمية، وحتى نحافظ للمحامي و لبذلته الاستمرار في الوجود القوي والمعنوي والقانوني داخل المحاكم وبقاعاتها و لتبقى للمرافعات و لصوت المحامي هيبته ليُسمع من الجميع وليبقى فوق الآلة وفوق الفيديو وفوق التكنولوجيا.
* على الجمعية والهيئات، التشبث بتقديم رؤيتهم للمسؤولين وعقد اجتماع موسع وتنسيقي بينها وبين رئاسة السلطة القضائية ووزارة العدل ورئاسة النيابة العامة، ومع المسؤولين بالمحاكم، وأمامكم بضعة اسابيع فقط لرفع الكَوْفَــنة، وعرض تصوركم الذي لابد من إعداده، حول ما سبق الحصار بسبب الكوفيد، وما سيكون عليه الحال بعد رفع الحجر والعودة للعمل العادي، وان تلِحُون عليهم و تدعو نهم باستعجال، من أجل:
– توفير الطاقات البشرية والمادية الكافيىة لانطلاق المحاكم بعد توقف طويل.
– تأجيل العطل الصيفية للقضاة وكتاب لضبط بالمحاكم لشهر شتنبر لمحاولة التغلب عن المخلفات من الجلسات ومن المداولات ومن تحرير الاحكام…
– الاتفاق على مسالك وسبل انطلاق العمل بالمحاكم بمختلف شعبها ومستوياتها
– الاتفاق على منهجية تنظيم عقد الجلسات وتوزيع القاعات واشتغال الهيئات
– الاتفاق على مساطر تدارك المخلفات وتنظيم المداولات وتحرير وطبع الاحكام
– الاتفاق على منهجية تنشيط مساطر التبليغ والتنفيذ.
– الاتفاق على مسطرة نقل السجناء للمحاكم وعلى منهجية التعاطي مع المئات من الملفات والجلسات الجنحية والجنائية وزيارات المحامين للمعتقلين للتخابر معهم
– تسريع الأبحاث التمهيدية في الشكايات التي تقدم بها المحامون والتي أحيلت على الضابطة وعُطلت خلال فترة الحذر لدى الشرطة القضائية والامر بإرجاعها منجزة وتامة في آجال قريبة.
– تمكين المحامين من المخابرة مع موكليهم قبل انعقاد الجلسات بالمحاكم في انتظار فتح زيارات المحامين من قبل المديرية العامة للسجون
* على الجمعية وعلى الهيئات التفكير بشجاعة ومسؤولية في اسباب فشل نظامنا القضائي وضعف مكوناته التي ظهرت معالمها بمجرد أول امتحان شاق وصعب وقف أمامه، فعجز عن ضمان الأمن القضائي للمجتمع، وفضل الخروج من الحلبة بسرعة ودون إعداد جيد تاركا الاضطراب والخوف وراءه واضعا الحَد للجلسات ولحيويتها، دون تدبير محكم يُبقِى على نشاط قضاتها مع ضمان السلامة الضرورية لهم ولكل موظف معهم، فأقدم على اتخاذ حلول أحادية منذ 16 مارس وقبل صدور مرسوم إعلان الطوارئ وكأن المحاكم مثلها مثل المسارح والملاعب يمكن إغلاقها دون أي أثر لا على الحياة القضائية وعلى المتقاضين وعلى مكانة القضاء نفسه الذي لا يمكنه السقوط حتى ولو سقطت كل السلط وكل المؤسسات في الدولة ولو كان الوقت وقت حرب، فالعدالة حقوق و ـأمن ومواطنة وهي الراسمال الذي يحافظ على الإنسان ويضمن الاستقرار والاطمئنان والتنمية.
* على جمعيتنا ونقبائنا، مسؤولية التفكير فيما جرى للمهنة وللمحامين جراء إغلاق جل المحاكم، ومختلف الآثار التي ترتبت عن تسريح القضاة وتهجير المحامين بعد تجميد المحاكم، سواء على حياتهم، ومكاتبهم، وأسرهم، ومع زبنائهم، ومع ملفاتهم، ومع مستخدمي مكاتبهم، ومع هيئاتهم وبينهم وبين بعضهم…. والوقوف على الآثار والاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي اجتاحت المحامين بسبب الوباء والكوفيد أولا وثانيا بسبب ما اتخذ من ترتيبات من قبل السلطة القضائية دون علم احد أو استشارة الطرف الأساسي في قطاع العدالة وهم المحامون ونقباؤهمـ لتكون هذه الدراسة وثيقة للمرافعة اتجاه المسؤولين واتجاه الدولة.
* على الجمعية والهيئات القيام في أجل قريب بإجراء دراسة ميدانية في شكل استفتاء عبر استمارة لجمع المعطيات حول: عدد المكاتب التي أغلقت نهائيا بداية من تاريخ الحذر الصحي، عدد المكاتب التي اشتغلت بنصف إمكانياتها وإدارتها ومساعديها، عدد المساعدين والمتمرنين الذي توقفوا عن مزاولة مهامهم بالمكاتب ، عدد المستخدمين الذين توقفوا عن العمل من جراء إغلاق المكاتب، عدد المكاتب التي عجزت عن أداء تكاليف المكاتب ، عدد المحامين الذين يفكرون في مغادرة المهنة بسبب الجائحة القضائية، وبسبب الصعوبات التي يتوقعونها وطبيعتها عند بداية رفع الحذر الصحي و الرجوع للعمل بالمحاكم…(في فرنسا مثلا 27300 محامي يفكرون في المغادرة لعمل آخر من بين 70000 الف محامي) وتقدير الخسارة المهنية التي لحقت بهم.
* على الجمعية والنقباء مسؤولية التفكير في المستقبل أي في رجوع جديد برؤية وتصورات جديدة للمكاتب وللمحاكم وللممارسة، و البحث عن موقع المحاماة في المجتمع وفي علاقاتها مع الجهاز القضائي وعلاقاتها مع النيابة العامة ، يقوم هذا الإعداد في اعتقادنا على تأسيس علاقات مهنية – مهنية قوامها قانون مهني بمنطلقات وبمقومات أخرى تضع المحاماة في مجالها الأساسي متميز عن قطاعات المجتمع المنتجة الأخرى، مع ما يفرضه الأمر من تعاقد مع الدولة ومع قطاعات ومؤسسات اساسية لتحصين دور المحامين الذي يعرف الجميع ضرورته في التعاملات القانونية المتعددة التي تفرضها ثقافة التبادل وسوق القانون، ووقف اجتياح مهن أخرى على اختصاصاتها وعلى مكاسبها مما يؤدى إلى حصار المحامين تحت ضغط جهات غير منظمة ولا علاقة لها بما يقوم به المحامون من مهام وادوار.
* على جمعيتنا وهيئتنا ان تعمل مع وزارة العدل بكل استعجال على دراسة جديدة لمشروع قانون المهنة ، و إعادة النظر في بعض مقتضياته على ضوء ما حصل من مستجدات لم تكن واردة أمام الهيئات، وعلى ضوء ما حصل من ترتيبا ت تقنية عبر الجلسات عن بُعد، حتى ولو كانت مؤقتة، لكنها تضعنا مهنيا أمام تحديات جديدة مع محيطنا ومع أطراف قضائية متعددة، والنظر بعمق من اجل إعادة التفكير في نمط انتخابي وتمثيلي مهني لمؤسسات الهيئة ومنهجية اختيارها والتصويت عليها، والنظر كذلك فيما يُبْقـــىِ للهيئات استقلالها وللجمعية أدوارها باعتبارها تاريخ وشعور ووجدان وغنى لا يمكن السماح فيه، مع التفكير في وضع نظام الشراكات الوسائطية والمهنية بين الهيئات وبين متدخلين في العمل القضائي والمهني، والتنصيص في باب من القانون على ان الدولة تخصص نمطا للوضع الجبائي بمقتضى قانون المالية يأخذ بمعايير وخصوصيات المهنة، ونظام قروض مضمونة بضمانات الدولة، وتوسيع مجال حصانة أقوى للمحامين ولمكاتبهم، ومنح الهيئات صلاحيات واسعة على مؤسسات التكوين ومنح صلاحيات للنقيب وللمجالس للاعتراف للمحامي بالتخصص بعد اخذ رأي النقباء و هيئة علمية مهنية وقانونية وذلك حماية للمتقاضين ولكي لا يُنْسِب كل محامي لنفسه ما أراد من تخصص دون مقاييس مهنية وعلمية، بالشفافية مع الجمهور ومع المتعاملين مع مكاتبنا، وليكون التنافس المهني في المجال القانوني مبني كذلك على الأخلاق المهنية وقيم المحاماة الصادقة،
* على جمعيتنا وهيئتنا أن تضع برنامجا لرقمية الهيئات والمكاتب والتفاوض مع وزارة العدل قبل أن تنجز الوزارة برنامجها، وذلك في إطار هيئة تنسيق تقنية مشتركة تدرس حاجيات المحامين والهيئات وتستشرف مستقبل التطورات المترتبة عن الاستعمال الموسع للذكاء الاصطناعي وللتواصل عن بعد وتبادل الوثائق بين المكاتب والمحاكم وعقد الجلسات غير
الزجرية عن بعد والاستعداد للتعايش إيجابيا مع ما ستفرضه العدالة الرقمية من تحديات علينا، فإما أن نكون من صانعي هذه المتغيرات وإما أن تُفرض علينا ويفرض علينا استهلاكها ونحن غير مستعدين لها لا بشريا ولا ثقافيا ولا مسطريا.
على جمعيتنا أن تتجند لخلق اتفاقيات جماعية استراتيجية هيكلية باسمها موسعة مع عدد من القطاعات التي يرتبط معها المحامون عادة في مهامهم ومنها:
* اتفاقية مع اتصالات المغرب لتخفيض ثمن الاشتراك في الإنترنت ولرفع صبيب المكاتب على المستوى الوطني كله لتسهيل الولوج والإسراع به، كما هو حال عدد من القطاعات.
* واتفاقية مع وكالة التنمية الرقمية المحدثة بقانون 2017.8.30 لكي تضع لهيئتنا نظاما رقميا يلبي حاجياتها وحاجيات المحامين تحسبا لما قد تقرره السلطة القضائية في الموضوع وحتى لا نجد أنفسنا متأخرين عن مواكبة العدالة والمحاكم الرقمية،
* واتفاقية مع البنك المغربي للتجارة الخارجية من أجل تزويد المحاميات والمحاميين ببطاقة اداء مهنية خاصة بأداء التكاليف المالية التي تتحملها المكاتب ولتكون قوائمها ذات حجية لا يمكن لإدارة الضرائب المنازعة فيها،
* اتفاقية مع المحافظة العقارية للاستفادة من مفتاح الولوج عن بُعد…
على هيئتنا ان تفتح ملف الضرائب بسرعة قبل فوات الأوان للدفاع عن مقترحاتنا التي تأخرت هيئات المحامين و جمعيتنا في السنة الماضية من طرحها مبكرا علما بان السنة المالية المقبلة 2021 سترى جحيم رفع الضرائب لجمع الأموال لتسوية حالة الخزينة والديون الداخلية والخارجية، مما يفرض على هيئتنا مع كل الهيئات أن تجمع العدة والزاد للتفاوض بغية وضع اتفاقيات جديدة حماية للمحامين ومكاتبهم المتضررة، ولمَ لا الإعفاء من المخلفات الجبائية للشباب اقل من عشر سنوات عن سنة الجائحة على الأقل، مع الدفاع عن تخفيضات منها تخفيض نسب الضريبة على الدخل و تنزيل نسبة الضريبة على القيمة المضافة إلى نسبة 5 في المائة للمحامين و اعادة النظر في وضعية الشركات المهنية جبائيا لتشجيع تأسيس الشركات وتقوية القدرات للعمل الجماعي وللمكاتب المشتركة…
تنظيم اجتماع مع وزارة المالية من اجل اقناعها اتخاذ تدابير استثنائية لبقية السنة الجبائية الجارية تقضي بالزيادة في نسبة الدخل المعفى من الضريبة على الدخل.
الاتصال بالمندوبية السامية للتخطيط والاتفاق معها على القيام بدراسة شاملة لقطاع المحاماة على الصعيد الوطني وضبط مخلفات الأزمة عليها وعلى المكاتب، لان المحاماة من اهم قطاعات المهنية التي تقدم الخدمات القانونية الاستراتيجية للمرتفقين ولعدد كبير من المؤسسات في قطاعات التامين والأبناك والمرافق العمومية ولذوي الهشاشة الاجتماعية وما سوى ذلك، خصوصا وان المندوبية كشفت ان قطاع الخدمات هو الأكثر تضررا من الكوفيد حيث ضاع منه أكثر من 245000. منصب شغل أي 17.5 من إجمالي عدد المشتغلين، وبهذه الدراسة ستتمكن هيئاتنا من التوفر على سلاح قوي وموضوعي للتأثير و للترافع لدى المخاطبين ولدى المصلح العمومية لبحث الدعم للمهنة والنهوض بها و بالمحامين، وستتمكن بالتالي من تحديد الأولويات بوضوح .
* على جمعتينا وهيئاتنا الشروع في مفاوضات مع الحكومة من اجل فتح المجال لالتحاق بعض الهيئات باعتبارها هيئات منتخبة لدخول مجلس المستشارين استقبالا لتتمكن مهنتنا من القيام بأدوارها في عمق المؤسسة التشريعية والعمل على تحصين مقومات دولة القانون وذلك بتنسيق مع جمعية هيئات المحامين لان هذا الخيار سيقوى من فعاليه الهيئات وسيخول لها مركزا مهما للتأثير في اهم المشاريع التي تدخل في اختصاصاتها كفاعل في مجال العدالة.
* على جمعيتنا وهيئاتنا، وأكثر من اي وقت سابق، تأسيس منصة وطنية معلوما تبة رقميةـ تفوض للإشراف عليها مؤسسة خبيرة في العلوم الرقمية وإدارة المؤسسات والمكاتب، تحدد مهامها في دفتر للتحملات يعمل لوضع منظومة متعددة الأدوار، يستفيد منها كل المحامين بالمغرب، وتختار لهم المنضدات الضرورية، ومنهجية تبادل المعلومة والوثائق بين المكاتب والهيئات، وبين المكاتب والمحاكم، وبين المكاتب والمؤسسات، فضلا عن تنظيم أكثر تطورا لإدارة هيئاتنا إدارة ذكية لتستطيع تقديم خدماتها لعموم المحامين عن بُعد .
* على جمعيتنا وهيئاتنا ولوج عالم اقتصاد المعرفة، اعتبارا أن المعرفة أصبحت اليوم عنصرا استراتيجيا في ضمان حماية القطاعات في الإنتاج وفي الخدمات ومن المنافسة وفي السياسات الاقتصادية بصفة عامة، بل وفي تنظيم الحياة وتوفير أسباب السعادة، اعتبارا ان التنمية وبنائها مرتبطة بمؤشرين وهما اقتصاد المعرفة واستعمال التكنولوجية.
* على جمعيتنا وهيئاتنا، بناء القدرات والاهتمام بالعنصر البشري على المستوى الوطني وعلى مستوى برنامج موحد للاستفادة من منهجية موحدة، من خلال الاهتمام بعملية التكوين المستمر والتعجيل بإحداث معاهد التكوين التي لا ترغب عدة جهات في وجوده اضعافا للقدرات المهنية للمحامين وضخ صفوفها بالآلاف من الشباب الذين هم في حاجة للرعاية المهنية من المستوى العالي .
ثالثا: مهامنا كمحاميات ومحامين اليوم وفي المستقبل، بين الممكن والواجب:

علينا أولا كمحامين أن نتحمل مسؤولياتنا اتجاه التزام قانوني مهني أساسي وأولي، وهو إعادة أخلاق المهنة لمكانها في قمة حياتنا المهنية اليومية وفي علاقاتنا بمؤسساتنا وبيننا وبين موكلينا، فقد انحرفت بالبعض منا الطريق فسقطوا في فخ الانحراف وشوهوا سمعتهم بكامل الأسف، ومن هنا لا يمكن أن يبقى في المهنة مكان للسمسرة وللفساد وللعبث بقانونها وأعرافها ولا يمكن تتعايش المحاماة مع من لا يقدر مبادئها ومن يسئ إليها وإلى مؤسساتها.
علينا كمحاميات ومحامين أن نقوي علاقات التعاون المؤسساتي والمهني مع القضاء تحت مظلة مواثيق الشرف وعلاقات الأخلاق ومحاربة الأيادي الملوثة من هنا ومن هناك التي تعبث بالقيم وبالمُثل والتي تخالف قواعد الشرف والسلوك كما نصت عليها قواعد بنغالور للسلوك القضائي لسنة 2001 ومبادئ الميثاق العالمي للقضاة لسنة 1999 و غيرهما.
علينا كمحاميات وكمحامين واجب مهني أساسي وهو أن نَلتف داخل هيئتنا حول نقبائنا ومجالسنا صفًا متماسكًا ليشعروا أن آلاف المحامين معهم بالاقتراح والنصح والتنبيه والنقد الإيجابي بانضباط لقواعد أخلاق المهنة دون مزايدات ولا تحَاملات.
علينا ان نشد على سواعدنا ونتآزر بعضنا مع بعض وخلق ر وابط متينة بيننا وأكثر من اي وقت، وأن نترفع عن ممارسة الضربات من الخلف بيننا.
علينا نسيان حساسياتنا الضيقة التي تشق صفوفنا وتضيع وقتنا ولا تساعد شبابنا على الفهم الصحيح لأدوارهم اليوم وغدا والتأمل في مساراتهم، يستعملها أحيانا حسادنا والحاقدين على مهنتنا لبث الفُرقة بيننا.
علينا ان نلتفت لبعضنا ولمن منا لحقه الضعف وترتبت عليه الآثار السلبية للحذر والكَوْفنة والإغلاق والابتعاد عن الممارسة بقسوة وألم، وتمتين التضامن المهني بيننا حتى لا يتم الانحراف من بعضنا جريا وراء ما ضاع، او السقوط في ممارسات قد تخل بالسلوك والانضباط في ظل الازدحام والسبق نحو المصالح باي ثمن….
علينا أن نضع خلافاتنا جانبا ونتجند لاقتراح الحلول لما سنلاقيه ونواجهه من مشاكل واختلالات في عملنا بالمحاكم وبغيرها في المستقبل القريب.
علينا ان نقدم كل المقترحات للنقباء وللمجالس لما نراه إيجابيا للنهوض بأعباء المهنة لتسهيل التواصل بيننا مع هيئتنا ومؤسساتها لبناء مستقبل جديد.
علينا طبعا أن نحافظ على علاقات شفافة ومُحكمة وجيدة ومرنة مع زبناء مكاتبنا ونرفع من درجات الانصات إليهم ونُصحهم بعد ان ذاقوا مرارة الجائحة ولاقوه من جراء اغلاق المحاكم والمكاتب من ضياع فرص عديدة منهم وعليهم.
وأخيرا نرجو من السيد رئيس الجمعية الدعوة لاجتماع استثنائي لندوة الرؤساء و النقباء بٌعَيْد رفع حالة الطوارئ للتداول وتوسيع المناقشة في كل ما يهم مهنتنا ومصير كل الزميلات والزملاء وكذا مستقبل العدالة.
هذه، بعض الاقتراحات نتمنى أن تجدوا فيها ما يفيدكم ويساعدكم على إبداع ما يحتاجه مستقبل المهمة ومستقل المحامين بعد الرجوع من عالم الجائحة الصحية و رفع الحجر، والأكيد أن لديكم ولدى النقباء ما هو أهم وأفيد.
نرجو أن تتقبلوا السيد الرئيس والسادة النقباء كل التقدير والاعتبار.
* الموقعــــــون: النقيب عبد الرحمان بنعمرو – النقيب عبد العزيز بنزاكور – النقيب عبد الرحيم الجامعي – النقيب محمد مصطفى الريسوني – النقيب ادريس شاطر – النقيب ادريس أبو الفضل – النقيب الطيب الساسي