تكشف قراءة أولية في الخريطة الجغرافية للبرلمان المغربي المنبثق عن انتخابات 23 شتنبر 2026 عن مفارقة لافتة بين البنية السكانية للمغرب وطبيعة الدوائر التي جاء منها النواب، إذ تشير تقديرات أُنجزت استنادا إلى تصنيف الدوائر التي فازت فيها الأحزاب إلى أن 222 نائبا من أصل 395، أي نحو 56.2 في المائة، ينحدرون من دوائر يغلب عليها الطابع القروي، مقابل 173 نائبا، أو 43.8 في المائة، عن المدن والحواضر.
وهذه الأرقام ليست إحصاءات رسمية لوزارة الداخلية، وإنما تقديرات تستند إلى تصنيف الدوائر الانتخابية بحسب طابعها الحضري أو القروي، مع اعتماد نتائج الأحزاب المعلنة عقب اقتراع 23 شتنبر.
وتبرز المفارقة عند مقارنة هذه الخريطة بالتركيبة الديمغرافية للمغرب. فبحسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ عدد سكان المملكة 36.83 مليون نسمة، يعيش منهم نحو 23.11 مليون شخص في الوسط الحضري، مقابل 13.72 مليون في الوسط القروي. وبذلك بلغت نسبة التمدن 62.8 في المائة، مقابل نحو 37.2 في المائة لسكان القرى والبوادي.
وبلغة الأرقام، يبدو الاتجاه معكوسا بين السكان والتمثيل النيابي؛ المدن التي تضم نحو 63 في المائة من السكان لا تمثل، وفق هذا التقدير، سوى نحو 44 في المائة من أعضاء مجلس النواب، بينما تمثل الدوائر ذات الطابع القروي نحو 56 في المائة من النواب رغم أن الوسط القروي لا يضم سوى نحو 37 في المائة من السكان.
مفارقة صارخة عند الأحزاب
وتزداد المفارقة وضوحا عند النظر إلى الهوية السياسية والفكرية التي تقدم بها بعض الأحزاب نفسها تاريخيا. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تبنى منذ تأسيسه خطابا حداثيا، تصدر الانتخابات بـ97 مقعدا، لكن تقديرات توزيع منتخبيه تشير إلى أن 63 منهم جاؤوا من القرى والبوادي مقابل 34 من المدن والحواضر.
والأمر نفسه يظهر، بدرجة أقل، لدى التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي ارتبط خطابه الاقتصادي بالدفاع عن الاستثمار والمقاولة والقطاع الخاص، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 من نوابه الـ66 جاؤوا من دوائر قروية، مقابل 26 من دوائر حضرية.
في الاتجاه المعاكس، يقدم حزب العدالة والتنمية، ذو المرجعية الإسلامية المحافظة، صورة مختلفة، إذ جاء 43 من نوابه الـ54، بحسب التصنيف نفسه، من المدن والحواضر، مقابل 11 فقط من الدوائر القروية.
ويظهر الحضور الحضري للحزب بصورة خاصة في أكبر التجمعات السكانية والاقتصادية. وفي الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية وأكبر حواضر البلاد، أظهرت النتائج المتاحة تقدما مهما للحزب في عدد من الدوائر، فيما حصل أيضا على مقعد في اللائحة الجهوية للدار البيضاء-سطات. وأظهرت النتائج المنشورة مثلا فوزه في عين الشق والفداء-مرس السلطان وتصدره دائرة الدار البيضاء-أنفا.