قال علي بوعبيد، المدير العام لمؤسسة “عبد الرحيم بوعبيد” ونجل أحد أبرز قادة اليسار المغربي، إن نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 لا تعكس إرادة الشعب المغربي، إذ لا تمثل نسبة المغاربة الذين بلغوا سن الاقتراع، ولا نسبة الناخبين المسجلين في المدن الذين من المفترض أن يشاركوا في الاستحقاقات.
وأضاف بوعبيد، في تدوينة مطولة نشرها على حسابه الشخصي بفايسبوك، أنه لم يتوجه إلى مراكز الاقتراع سوى 6 ملايين ناخب من أصل 27 مليون ناخب مؤهل؛ أي أن 78% من المغاربة لم يعبروا عن إرادتهم، متسائلا: “فهل يعقل أن يُمثَّل شعب بأقل من ربع سكانه الذين بلغوا سن الاقتراع؟”.
واعتبر أن ما نشهده في الواقع هو نتاج متعهد لنموذج مصمم بعناية، يحافظ على استمراريته بلا هوادة، على حساب بعض التعديلات السطحية التي تبقي على منطقه الأساسي، المتمثل في إعادة انتخاب الثلاثة الأوائل مع تغيير ترتيبهم فقط، مؤكدا أنه لا يمكن لمثل هذا النموذج أن يتيح إلا شكلا مختزلا ومشوها من المشاركة: “مختزلا، لأنه يُبقى عند مستوى متحكم به كميا ونوعيا؛ ومشوه، لأن أحزاب الأعيان لم تربح أو تخسر شيئا قط إلا ما لا يكون لها ديمقراطيا في انتخابات نزيهة”.
وزاد: “في نهاية المطاف، تطفو على السطح آليات هندسة نموذجنا السياسي، وهي تكشف عن شيء واحد: النفور الفطري الذي تكنه النخب المهيمنة للديمقراطية، ويكفي النظر إلى مجمل الأدوات التي وضعت للحفاظ على تمثيل الأمة عند مستوى، إن لم يكن متدنيا إلى حد مثير للسخرية، فإنه يبقى منخفضا بما يكفي كميا من خلال المشاركة، وهو ما يعني تجريد النخب السياسية من ادعاء شرعية من شأنها التشكيك في خيارات الدولة”.
وأبرز بوعبيد أن هناك حقيقتين مهمتين تلفتان الانتباه؛ أولاهما أن تراجع حزب “التجمع الوطني للأحرار” وصعود حزب “الأصالة والمعاصرة” ليسا حدثين سياسيين بأي حال من الأحوال، فقاعدتهما الانتخابية ليست سياسية وتخضع لمعايير أخرى معروفة للجميع. وعلاوة على ذلك، فإن تراجع حزب “الأحرار” نسبي فقط لنتيجة تم تضخيمها بشكل مصطنع في الأصل، وإذا كان هناك تصويت عقابي ضده، فإنه لم يأت من الناخبين بقدر ما جاء من الدولة التي تخلت عنه بعدما رأته محورا للسخط الاجتماعي، تاركة إياه يواجه مصيره بنفسه بموارده الهائلة أصلا.
وسجل أنه لا يمكن ربط عودة حزب “العدالة والتنمية” إلى المشهد الانتخابي بالتصويت العقابي، بل إنها على الأرجح تشير، وبشكل أبسط، إلى “أن الدولة قد خففت قبضتها إلى حد ما، ولكن ضمن حدود محكمة.. وباختصار فهذا يعني أن الدولة مهتمة بالانتخابات أكثر من اهتمام المواطنين بها”.
وأكمل بالقول: “في نهاية المطاف، تبقى انتخابات 2026 عالقة في نموذج رجعي يكرس نفسه بنفسه، فغياب لعبة سياسية حقيقية يفسح المجال لمصالح شخصية ضيقة، وقبل كل شيء لمصالح الدولة؛ وهي الحفاظ على واجهة سياسية مزيفة بدعم فعال من شريحة مهيمنة من الطبقة السياسية، تتحدث بلغة الديمقراطية دون أن تقر بمنطقها الكامن رغم أنه مكرس في الدستور”.
وختم تدوينته بالقول: “يبقى أن نرى ما إذا كانت الأحزاب القليلة التي تطمح لتمثيل المجتمع أمام السلطة ستسعى إلى تمييز نفسها عن الأحزاب الأخرى، لأن مسؤولية هذه الأحزاب هي توضيح وإعادة تشكيل المشهد السياسي بين أغلبية ومعارضة، وهذا أمر بالغ الأهمية لإظهار الخط الفاصل للمغاربة بين أحزاب تمثل الديمقراطيين الحقيقيين وغيرهم، وهذا في حد ذاته سيكون انتصارا”.