خاص إلى باشا وزارة الداخلية بمنطقة سبتة المحتلة
رسالة للتاريخ
من مواطن مغربي من الفنيدق – كاستيخوس
إلى السيد باشا منطقة باب سبتة السيد حاتم البقالي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أولاً: النظرة التاريخية.. من هم أهل سبتة؟
السيد الباشا، لعلك لا تعلم، أو لعل وزارة الداخلية لم تطلعكم كما يجب على تاريخ المنطقة التي عُينتم فيها. وهذا خطأ .
منذ قرون، ومنذ احتلال البرتغاليين لسبتة المحتلة وتسليمها للإسبان، شهدت “ثغر سبتة” وجوداً عربياً مغربياً أمازيغياً راسخاً. والآثار شاهدة: قصور، حمامات، أبواب، وأسماء علماء ومؤرخين سبتاويين كتبوا التاريخ. كلها تؤكد على الهوية المغربية الأمازيغية العربية في سبتة منذ مئات السنين.
ومنذ الاستقلال، حرص ملوك المغرب على الروابط المتينة مع سكان سبتة المغاربة. من محمد الخامس إلى محمد السادس نصره الله.
و تجدني هنا أذكرك بموقف صيف السنة الماضية لن ننساه : شباب سبتاويون، رغم جنسيتهم الإسبانية ورغم الامتيازات التي توفرها لهم إسبانيا من تغطية صحية وشغل الخ ، التقوا مع جلالة الملك في عرض بشواطئ سبتة و اقتربوا منه و هم يهتفون فرحيين وصاحوا بأعلى صوتهم: *”عاش الملك، عاش الملك”*.
هذا الموقف قال لي الكثير. كانوا يمكن أن ينسوا، لكنهم لم ينسوا. رغم إهانات “معبر الذل” ورغم الإغراءات الإسبانية بل عمل الاسبان لسنوات من اجل طمس الهوية المغربية الامازيغية الاسلامية للمدينة و لأهلها الذين يهانون الآن .
في عهد المرحوم الحسن الثاني، كان لسكان سبتة مكانة خاصة. كانوا يُستدعون لحضور حفل الولاء في مراكش أو الرباط أو الدار البيضاء. يخرجون من سبتة المحتلة بلباسهم التقليدي المغربي كأنهم عرسان، وجهتهم القصر الملكي العامر. لكي يؤدوا الولاء مثلهم مثل اهلهم في باقي المدن المغرببة ؛ و كان على رأسهم المناضل “محمد علي الزيلاشي ” رحمة الله عليه، وغيره من الشرفاء الذين لن أذكر أسماءهم احتراماً.
هذه المكانة و هاته الحضوة جعلت المسؤولين يخصصون لهم معبارا خاصا بباب سبتة و كنا نحن نقول لماذا هذا التميز ؟ و طبعا هذا كان بأمر من جهات عليا، أيام كان العمال يُعينون في تطوان ثم المضيق الفنيدق.
ولا زلت أتذكر، وعايشت ذلك، أيام الخليفة “بوطوبة”. كنت أجد في مكتبه “علية قوم سبتة”، ومعهم إسبان من سبتة في مراكز حساسة: صحفيون، حرس مدني، شرطة وطنية، رجال سياسة. و كنت أتعجب كيف لرجل بعلم محدود أن يحظى بكل هذا الاحترام و هذا التدبير المحكم للعلاقة بين مغاربة سبتة و محيطهم ؛ والجواب: كانت هناك تعليمات صريحة من وزارة الداخلية بربط أواصر المحبة والاحترام مع سكان سبتة، مغاربة ويهوداً، و الذين كانوا يعتزون بجنسيتهم المغربية.
ثانياً: الواقع اليوم.. إهانة وكرامة مهدرة .
السيد الباشا، لكن اليوم أرى العكس تماماً.
أصبح سكان سبتة يعانون من تصرفات عنصرية، مذلة، حاطة من كرامة الإنسان، من طرف بعض العناصر العاملة بمعبر باب سبتة خلال مرورهم من العبر سواء دخولا أو خروجا .
ولكي أكون صريحاً و واضحا وضوح القمر في ليلة ظلماء: “أنا ضد التهريب انا ضد التهريب منذ ان فتحت عيني . وأحيي كل مسؤول وطني حر يحارب ما يضر ببلده واقتصاده وأمنه.
لكن ما دفعني لكتابة هذه الرسالة هو ما يحدث في حق مواطنين من سكان سبتة. ذنبهم الوحيد أنهم من أبناء هذه المدينة. ما يحدث يندى له الجبين. كلمات تجريحية، معاملة سيئة، واحتقار. وأنت تعلم هذا بوسائلك وبأعينك التي تعمل معك بحكم مسؤوليتك هناك .
فإذا كنت تعلم وسكتّت، فتلك كارثة. لأنك المسؤول الإداري الأول، وعلى رأس هرم السلطة في المعبر.
وإذا كنت لا تعلم، فتلك مصيبة أعظم. وأنا لا أعتقد ذلك.
ثالثاً: عن الشكايات وتكميم الأفواه .
السيد الباشا، تعلم جيداً أنك رفعت شكاية ضدي لدى القضاء فقط لأنني ذكرتك بالمسؤولية الملقاة على عاتقك. استشطت غضباً – وأعرف من حرضك – لأنني كتبت تدوينة قلت فيها: عوض أن تشمر على سواعدك في وقت كان المعبر مهدداً بهجوم من مهاجرين سريين إفارقة جنوب الصحراء، وكنت أنت فرحاً بلعبك مقابلة في كرة القدم المصغرة و هذا الحادث لم اختلقه او اكذب عليك فيه فهو موثق بالصوت والصورة ؛ في الوقت ذاته كان السيد العامل يصول ويجول لمنع الكارثة… فضلت أنت ومن معك رفع شكاية ضدي “الحيط القصير”.
السيد الباشا، أنت تعلم وأنا أعلم ومعنا بعض المسؤولين، أنه بعد تلك الشكاية تم استدعاؤك من وزارة الداخلية لتبليغك بأمر يخصك ويخص مسارك المهني ، فعلها تكون لك فيها حكمة أو نصيحة .
أقولها لك كما قلتها لغيرك : صدري مكشوف لتلقي الضربات، ورأسي مرفوع لشحذ الهمم الغيورة على المنطقة . لست الأول ولن تكون الأخير الذي يختار أسلوب الشكايات لتكميم الأفواه. ولكن: تجدني هنا لا اقول غير ما قاله عز وجل في كتابه “ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين” صدق الله العظيم.
وما أعتز به أن القضاء في بلادنا بخير. لا يفرق بين أمير وغفير. فهل فهمتها؟
رابعاً: أمامك خياران
السيد الباشا، أنت الآن بين أمرين أحلاهما مر:
1. إما : أن تتفاعل إيجاباً مع ما وصلتك من معلومات من خلال هذه الرسالة وتصدر تعليمات وتوصيات للأجهزة بأن احترام المواطن ليس امتيازاً، بل حق دستوري. لا فرق بين مغربي سبتة ومغربي الداخل.
2. أو : أن تلجأ إلى وسائل أخرى تعلمها جيداً.
لقد ذكرتك في البداية بالمكانة التي يحظى بها سكان سبتة لدى جلالة الملك، وبمحطات المناضلين السبتاويين الذين رسخوا الهوية المغربية الإسلامية رغم كل الإغراءات.
الآن، عليك أن تلجأ إلى صوت الضمير المهني الحر، وصوت العقل الرزين، ووطنيتك التي لا أشكك فيها.
اترك بصمتك في هذه المرحلة كما تركها السيد الباشا السابق *السيد عبد الواحد الرحماني*، الذي عرفناه: حكيماً، متبصراً، رزيناً، حليماً وشجاعاً.
ومعلومة أخيرة ومهمة جداً لم اذكرها و كان علي ذكرها في رسالتي السابقة إلى السيد العامل و السيد باشا الفنيدق :
“أمن واستقرار المنطقة لم يأتِ من فراغ. جاء بمجهودات جبارة لمواطنين لا زالوا في الظل . لولاهم ؛ لكانت المنطقة على فوهة بركان وتحولت إلى أحداث الحسيمة ثانية في الوقت الذي تزامن ذلك مع ما عرفته الحسيمة الصامدة، ومع وفاة نساء “الحمالات” في المعبر، مسحوقبن بين الارجل ؛ وكنا على شفا فوضى عارمة في المنطقة . فلولا تدخل مواطنين معروفين بوطنيتهم وحبهم لمنطقتهم، لحدثت الكارثة.
ابحثوا عنهم. لأنكم عندما عُينتم وجدتم الأمن مستتباً والمنطقة تلملم جراحها التي لم تندمل بعد.
تقبلوا تحيات مواطن لا يحركه إلا حب الوطن وغيرته على أهله و منطقته .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التوقيع مواطن من الفنيدق – كاستيخوس .
احمد بيوزان
الفنيدق، 7 يوليوز 2026