هكذا يتجاهل القادة السياسيون توقعات ومخاطر الكوارث المستقبلية

غالبًا ما يتم وسم الكوارث بأنها أحداث تأتي من فراغ، لكن معظم الكوارث كانت متوقعة على الأقل من قبل البعض، يعرف مدراء الكوارث والباحثون ما هي أكبر المخاطر ويمكنهم تخيل كيفية التعامل معها. ويرجع هذا جزئيًا إلى أن عديدين، كما يمكن أن تلاحظوا، يجيدون فعلًا تخيل الأشياء السيئة التي ستحدث بتفاصيل مؤلمة. ولكن الأهم من هذا هو أن هناك أعدادا كبيرة من الأشخاص الذين يدرسون علم الزلازل وعلم الأوبئة والأرصاد الجوية وعلم الاجتماع والمجالات الأخرى التي تتعامل مع المخاطر والكوارث. ويظهر غالبا كيف تم تصور الكارثة ونمذجتها بدقة مذهلة قبل وقت طويل من وقوعها. خذ مثلا إعصار بام، وهو تمرين محاكاة تم إجراؤه في “نيو أورليانز” قبل عام تقريبًا من إعصار كاترينا، الذي تضمن معظم المشكلات التي قد تسببها العاصفة الحقيقية، أو مشروع 2016 من قبل “تكساس تريبيون” و”برو بوبليك” وكيف تنبآ بالدمار الذي سيسببه إعصار “هارفي” عام 2017، أو زلزال “بالو” عام 2018.

الأمر نفسه حدث مع الأوبئة. لقد عرف العلماء منذ قرن على الأقل، منذ جائحة الأنفلونزا الإسبانية عام 1918، مخاطر المرض في عالم معولم حيث يمكن للفيروس أن يقفز من سوق قرية صغيرة إلى مدن كبرى متصلة (Métropolis) على الجانب الآخر من العالم في غضون أيام. وذكّر تفشي مرض السارس وإنفلونزا الخنازير الحكومات والمنظمات غير الحكومية والشركات بوجوب تحديث خططها لإدارة الأوبئة والتغلب عليها. وأجرت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية سلسلة من التمارين حول سيناريو الوباء في وقت سابق من عام 2019.

لذا، إذا كنا نعرف ما يدعو إلى القلق، فلماذا تبدو استجابة العديد من البلدان سيئة للغاية في التعامل مع الكوارث؟

الجواب الأول المهم هو أن العديد من هذه التنبؤات تساعد عمليا في مواجه الكوارث، خاصة في البلدان التي تأخذها على محمل الجد، فالخبرة المكتسبة من فيروس السارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وأنفلونزا الخنازير جعلت دول شرق آسيا بشكل عام أكثر قدرة على مواجهة فيروس كورونا المستجد. فقد أظهرت توقعات إعصار “بام” وعيًا بما سيُحدثه من مخاطر في نيو أورليانز، بل وسلطت الضوء على مكامن المشاكل التي لم يفكر فيها المسؤولون، مثل صعوبة إجلاء الأشخاص الذين لا يملكون سيارات. لم يتم تجاهلها بالكامل؛ إذ وجد تقرير مجلس الشيوخ عن كاترينا أنه على الرغم من أن الخطط التي يتم تطويرها من خلال إعصار “بام” لم تنته في الوقت المناسب لكاترينا، “أخذ بعض المسؤولين المبادرة لاستخدام المفاهيم التي تم تطويرها في المسودات، بنجاح ممزوج”. المشكلة ليست في معرفة ما يجب فعله، وإنما في الفعل ذاته والاستعداد لدفع تكلفة ذلك قبل فوات الأوان.

إن المشكلة غالبا، كما يوضح مثال إعصار كاترينا، تكمن في التدخل الناجع في الوقت المناسب. لأنه في الوقت الذي نعرف الكثير عن الكوارث المحتملة: أين ستحدث؟ وماذا ستخلف؟ وما هي الكوارث التي ستكون أكثر تأثيرا من غيرها؟ فإننا لا نعرف متى ستقع.

نتوقع الكوارث وفق احتمالات غير مفهومة أو نطاقات غامضة على مدى عقود أو حتى قرون، مثل “فيضانات 500 سنة”. وقد دفع عدم اليقين هذا صانعي القرار إلى تأجيل الاستعداد للكوارث، التي أظهرت الدراسات أن لها عائدًا كبيرًا على الاستثمار في توفير الوقت والمال أثناء الاستجابات الناجعة. يمكن للقادة أن يأملوا بعقلانية إلى حد ما أن الكارثة المتوقعة ستضرب خلال فترة ولاية شخص آخر فيوجهون الميزانيات المرصودة لها نحو أهداف أكثر وضوحًا.

ومع ذلك، لا يتعلق الأمر فقط بالأموال. فبالنسبة للعديد من الكوارث، يعني الإعداد الفعال اتخاذ قرارات لا تحظى بشعبية: إخبار الناس بأنهم لا يستطيعون البناء أو العيش في سهول الفيضانات أو على الساحل، وإعطاء الأولوية للأراضي الرطبة على الصناعة، وتقييد التنقل… أخبرني مدير الطوارئ من كيسنوما باليابان، حيث تسبب النفط المتسرب من خزانات الوقود بالميناء في حريق جد مدمر في أعقاب كارثة تسونامي عام 2011، بأن الأمر لم يقتصر فقط على تجاهل اختصاصاته الولائية في هذا الخطر، بل واصلت خزانات النفط عملها بمحاذاة ساحل اليابان. ورغم معرفتها بحجم خطورة ذلك، ظلت الحكومة مترددة في تقييد هذا النشاط الاقتصادي.

هذا أسطع وأصدق مثال عن الكوارث المتوقعة وتغير المناخ. نعلم ما يتعين علينا القيام به، أو ما يتحتم علينا التوقف عن فعله لمواجهة التهديد، ومع ذلك فإننا نتظاهر بأن هذه ليست مشكلتنا، وأنه يمكن تركها إلى وقت لاحق، ويمكن أن يقوم شخص آخر-سواء في بلد آخر أو جيل قادم-بالتغييرات الضرورية ودفع تكاليفها بالدولار أو بالقلق وغياب الراحة. تظهر إحدى الدراسات أن دولارًا واحدًا يتم إنفاقه على التأهب للمخاطر يخفف ما متوسطه 15 دولارًا من الأضرار لاحقًا-لكن الناخبين سيكافئون الإنفاق على التخفيف من حدة الكوارث بعد وقوعها وليس على الاستعداد للكوارث قبل حدوثها.

حدث هذا مع موجة تلو أخرى من جائحة” كوفيد 19″، فحتى بعد رؤيتها تتفشى في مكان آخر، ورغم الاستيعاب العقلاني الذي تحتاجه الدول للتصرف قبل أن تشعر بالتأثير، ما يزال هناك تأخر وتردد.

إن ممانعتنا في الإيمان بالكوارث تزداد سوءا من خلال الطريقة التي نتعامل بها مع كل كارثة، بعد وقوعها، على أنها الكارثة الوحيدة. التقارير الحكومية والمقالات الإعلامية على حد سواء مرصعة بكلمات غير مسبوقة ولا يمكن تصورها. يفترض أن الغرض من هذه التقارير هو التعلم من الأخطاء (ونادراً ما تحقق النجاح المتوخى) لضمان معالجة الكوارث المستقبلية بشكل أكثر نجاعة. ولكن، مثل تمارين المحاكاة والاحتمالات، نادرًا ما يتم إعطاء تلك الدروس الموثقة بعناية التمويل أو الاهتمام السياسي ليتم تطبيقها. بعد وقوع الكارثة، من المرجح أن يتنفس الناس الصعداء ويعودوا إلى الحياة الطبيعية، وينسون أولئك الذين ما تزال حياتهم تتأثر بالعواقب. ورغم ذلك وجد مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث أن “القبول العام للحد من مخاطر الكوارث وتخطيط الانتعاش يبلغ ذروته بعد الكارثة”. هذه هي النافذة القصيرة عندما نكون مقتنعين بأن الاضطراب المدمر ممكن ويمكن أن يحدث لنا. نحن نعلم أن الكوارث ستقع، بل نعرف حتى كيف وأين ستقع. فدعونا نطالب قادتنا السياسيين بالبدء في استخدام هذه المعرفة بشكل جيد.

*مالكا أولدر Malka Older باحثة بمركز سوسيولوجيا المنظمات مؤلفة لثلاثية مرموقة من قصص الخيال العلمي المثيرة، بدءًا من “ديمقراطية المعلومة” (Infomocracy)، اشتغلت كباحثة في التكنولوجيا والمخاطر في مجلس كارنيجي للشؤون الدولية، واهتمت بقضايا الكوارث والتنمية والديمقراطية