“اقتصاد الكراهية” و إنتاج خطاب يقوم على الاحتقار والإذلال

حذّر الفيلسوف الكندي آلان دونو من أن العالم الرقمي لم يخترع الكراهية، بل صار أداة هائلة لتضخيمها وتعميمها، مؤكداً أن ما يعيشه الفضاء العام اليوم هو نتاج “اقتصاد للكراهية” تشكّل تدريجياً منذ عقود، بحيث غدت علاقات الهيمنة والازدراء تُمارَس ضمن بنى مؤسسية معترف بها من دون أن تُسمّى بأسمائها الحقيقية.

جاء ذلك في مداخلة ألقاها دونو عن بُعد ضمن فعاليات مهرجان ثويزا، في جلسة نقاشية اليوم السبت 25 يوليوز 2026، تناول فيها إشكالية الحب والكراهية في زمن الرقمنة، منطلقاً من فرضية مركزية مفادها أن الرقمنة، بكل ما تحمله من بنى تحتية وإمكانات مرتبطة بالمعلوماتية الجماهيرية، ليست في جوهرها مصدراً لظواهر جديدة، بل هي، من وجهة نظر الممارسات الاجتماعية والعادات السائدة، عامل تضخيم لظواهر كانت قائمة أصلاً قبل ظهورها.

 

استهل الفيلسوف مداخلته بالتذكير بأنه انكبّ منذ زمن طويل على دراسة عبارة تختصر، بحسبه، روح العصر الراهن، وهي عبارة “إقامة اقتصاد للكراهية”. وأوضح أن هذه العبارة تحمل معنيين متلازمين: فمن جهة، يعني الاقتصاد هنا ممارسة علاقات هيمنة واحتقار وكراهية داخل بنية مُنظَّمة ومعترف بها اجتماعياً، لكنها علاقات لا تُفصح عن اسمها الحقيقي؛ ومن جهة أخرى، يعني الأمر بناء اقتصاد عالمي واسع، وإن كان يتراجع في السنوات الأخيرة، يقوم أساساً على الكراهية والهيمنة والإرهاب والعنف والتصنيف الطبقي والاحتقار والتراتبية، من دون أن يُقرّ بذلك أو يُصرّح به أو يُظهره على حقيقته. وقال في هذا السياق: “الأمر يتعلق بخلق اقتصاد عالمي واسع يقوم على الكراهية والهيمنة والإرهاب والعنف والاحتقار والتراتبية، لكنه اقتصاد لا يُقرّ بذلك ولا يُصرّح به ولا يُظهره”.

استعمار إفريقيا وإقامة “اقتصاد الكراهية”

ولتوضيح فكرته، استحضر دونو تجربة استعمار إفريقيا، معتبراً أنه يمكن، على امتداد قرن ونصف القرن، رصد انتقال من نمط استعماري إمبريالي معلن، قائم على الهيمنة والتراتبية والتفوق العرقي، إلى نمط آخر أكثر التباساً. ففي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تمكنت شعوب مسلّحة ومتفوقة تقنياً وعسكرياً، بفضل هذه الأفضلية، من فرض سيطرتها بسرعة على أقاليم أجنبية واستعباد سكانها، غالباً لأغراض استغلال رأسمالي، سواء تعلق الأمر بالمطاط أو المواد الغذائية أو مختلف مصادر الطاقة.

وقد جرى ذلك، بحسب دونو، بأسلوب يمكن وصفه بالاحتقار أو التعالي، إذ كان يوجد دوماً من يبرر الأمر بدعوى التبشير أو التمدين، على اعتبار أن الأوروبيين، الذين بلغوا مرحلة متقدمة من التطور التاريخي، كانوا يمنّون بنوع من الرأفة على الشعوب “المتخلفة” حين يقبلون التنازل والاهتمام بها لإطلاعها على فضائل الحضارة والتقنية. غير أن هذا الخطاب، كما شدد المتحدث، لم يكن يخدع كثيرين، إلا من كان مستغرقاً بالكامل في هذا الوهم، إذ سرعان ما كان يتبين أن الأمر لا يعدو أن يكون علاقة كراهية واحتقار ولا مبالاة تجاه الشعوب المُهيمَن عليها.

غير أن المنعطف الحاسم، بحسب دونو، حدث بعد الحرب العالمية الثانية، مع بروز خطاب جديد حول المساعدة من أجل التنمية، والتنمية المستدامة، والتنمية الاجتماعية والبشرية، وحول الصداقة التي تربط الغرب بإفريقيا، وإلغاء الديون، والدعم والمساندة. وقد بلغ الأمر، بحسب تعبيره، حد الإيحاء بوجود نوع من الحب في هذه العلاقة. وقال في هذا الصدد: “في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت الإيديولوجيا تقوم، في جوهرها، على الادعاء، تحت غطاء من الطيبة والسخاء، بأن إصلاحاً قد حدث، وأن الغرب بات ينظر إلى إفريقيا بوصفها قارة مكوّنة من شركاء أنداد، وأن الأمر بات يتعلق بشراكة وتبادل”.

وأضاف أن هذا هو بالتحديد ما يعنيه “إقامة اقتصاد للكراهية”: فطوال تلك الفترة، كانت العلاقات تُبنى على مستوى الديون والاستثمار وحوكمة المؤسسات والثقافة المقاولاتية، وكانت المعايير والتنظيمات والبروتوكولات والمناهج المتبعة تُصاغ بحيث يعمل الفعل ذاته بطريقة موضوعية ومجرّدة من الذات، من دون حاجة إلى أن يحمل الوزير أو المستثمر أو الخبير الاستشاري الغربي أي عاطفة أو موقف أخلاقي صريح يقرّ بعلاقة هيمنة مرجوّة أو فعلية. وفي هذا الإطار قال دونو بوضوح: “كان يكفي ترك الآلية تكره من تلقاء نفسها”، أي أن يتصرف النظام وفق منطق هيمنة وكراهية بنيوية، من دون أن يحمل أحد هذا الشعور شخصياً.

وأشار المتحدث إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، وما رافقها من تجزئة في أنماط التواصل، تظل مع ذلك موجَّهة ومضبوطة عن بعد من قبل شركات متعددة الجنسيات كبرى، قادرة على التتبع والمراقبة والتحفيز وتحديد الحدود المسموح بها. واعتبر أن هذه الظاهرة لم تفعل سوى مضاعفة النمط الذي حاول وصفه، أي تحويل الكراهية إلى آلية تعمل من تلقاء ذاتها ضمن بنية اقتصادية واجتماعية كاملة.

علة الصورة المعاصرة

وفي الشق الثاني من مداخلته، انتقل دونو إلى تشخيص ما وصفه بأنه العلة الأساسية التي تعاني منها الصورة المعاصرة، أي الشاشات والأشكال الجديدة للتبادل والتواصل والتعبير، بما فيها التعبير عن العواطف. وقال بصريح العبارة: “ما تعانيه هذه الصورة اليوم هو غياب التطهير”، في إشارة إلى مفهوم “الكاثارسيس” الأرسطي. وأوضح أن الصورة التي تروّجها الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي اليوم، بحكم الطرائق البنيوية لنقل الصور، لا تتيح للمرء الانعتاق من الموقف أو التجرد عنه في محاولة لفهم ما يعيشه، بل على العكس من ذلك، تُعلي من شأن استعدادات وجدانية كثيراً ما تكون غير متروّية، أو منحازة سلفاً لموقف معين.

ولتفسير هذه الفكرة، ضرب دونو مثال الرياضة، معتبراً أنها تحوّلت إلى نموذج تُحتذى به الممارسة العامة والنقاش الجماهيري ومعالجة المعلومة، حتى في الشأن السياسي والجيوسياسي. ولاحظ أن الخطاب الرياضي يُكثر من الحديث عن رياضي أو فريق “يهزم” أو “يهيمن” أو “يفوز” أو “يسيء معاملة” أو “يُذلّ” أو “يُقصي” رياضياً أو فريقاً آخر، وأن النقاش السياسي بات يعتمد المفردات نفسها والانفعالات ذاتها حين تعرضه شبكات التواصل الاجتماعي، بحيث يشعر المرء أنه أمام البنية نفسها والمفردات نفسها والاندفاع الانفعالي عينه، أياً كان الطرف الذي يناصره الفرد داخل ما تصنعه الخوارزميات من غرف مغلقة وفقاعات صدى.

وقال دونو موضحاً: “سيُقال لنا إن بطلنا كمّم فم خصمه، وأذلّه، وأطاح به أرضاً”، مضيفاً أن ما يُعرض في هذا السياق ليس سوى انعكاس لأنماط الخطاب الرياضي نفسها، وهو ما أسماه “رَيْضَنة” النقاش العام، أي إخضاعه لبنية أقرب إلى الشغف الرياضي منها إلى التفكير الفكري أو السياسي القائم على مواقف ومبادئ ومُثُل. وأوضح أن هذا لا يقتصر على الفاعلين السياسيين أنفسهم، بل يشمل بالخصوص طريقة تعامل عدد كبير من مستخدمي الإنترنت مع تصريحاتهم، إذ يجري اقتطاع مقاطع منها وتركيبها وتفكيكها ونشرها في شكل مكثف ومُختزل.

وشدد الفيلسوف على أن مفهوم “الكاثارسيس” أو “التطهير” يبقى مفهوماً مركّباً وملتبساً، بالنظر إلى أنه لا يظهر في تراث أرسطو إلا بشكل عابر، في كتاب “فن الشعر” الذي هو أقرب إلى مجموعة ملاحظات حول التراجيديا، ثم يتكرر بشكل عابر أيضاً في صفحات كتاب “السياسة”. وبيّن أن الجمع بين هاتين الإشارتين، وفهم الطريقة التي يُستحضر بها المفهوم ضمنياً في مواضع أخرى من فكر أرسطو، يقود إلى إدراك أن التطهير لحظة جمالية بامتياز، تحدث حين يشهد المرء عرضاً مسرحياً أو تراجيدياً أو عملاً موسيقياً أو أغنية أو حواراً مسرحياً، فيختبر انفعالاً يريحه من عواطفه ويطهّره منها، إذ يتحرر منها بمجرد اختبارها، ثم يتخلص منها ويُفرغها، بحسب المعنى الحرفي للكلمة اليونانية “كاثارسيس”. واعتبر أن هذا الأمر يمكن أن يُوصف اليوم بنوع من “التنفيس الجمالي”.

ريضنة النقاش السياسي

وأشار دونو إلى أن مدرسة كاملة من المفكرين، من بينهم عالم الاجتماع نوربرت إلياس وإدغار موران وغيرهما، دأبت على تقديم الرياضة بوصفها لحظة جماعية أشبه بقداس كبير يجتمع فيه الناس في نوع من الشراكة، بل من الحب أيضاً. واستشهد بمثال شخصي، إذ قال إن أحد فرق الرياضة الاحترافية في بلده كان يُلقَّب بـ”أحبّائنا”، في إشارة إلى حب الفرنسيين لمنتخب “الأزرق”.

وفي هذا الإطار، بحسب دونو، يجري تصوير الأمر على أنه تفريغ للكراهية تجاه الخصم على أمل انتصار الفريق المحبوب، بمعنى أنه، بما أن الأمر يدور في لعبة محصلتها صفر، فإن الخصم سيُسحق ويُكمَّم فمه ويُطاح به أرضاً إذا سارت الأمور على ما يرام، وهي كلها استعارات حربية معروفة، لكنها حرب مصطنعة ومحاكاة يمكن للمرء أن يخوضها من دون عواقب.

غير أن دونو رفض هذا الطرح جملة وتفصيلاً، معتبراً أن الرياضة، خلافاً لما يُروَّج له، لا تتيح هذه اللحظة التطهيرية على الإطلاق. وأوضح أن التطهير عند أرسطو يحدث حين يقع شخص عادي، أي شخص ليس قديساً ولا شريراً بالمطلق، بل شخص عادي له نقاط قوته وضعفه، ضحية خطأ أو التباس، فينجرف بجهل هو من طبيعة الحال الإنسانية، من دون أن يدرك بوضوح إلى أين يمضي، إلى سلسلة من الأحداث تقوده حتماً إلى السقوط. وقال موضحاً: “فكرة التراجيديا، حين تكون تطهيرية حقاً، تتمثل في أن تجعلنا نتقاسم لبرهة من الزمن تيه هذا الشخص، إذ يخطئ فجأة ونخطئ معه”.

وأضاف أن هناك بُعداً فكرياً لا يمكن اختزاله في التطهير، لأنه يحدث تحديداً حين يدرك الجمهور أنه أخطأ مع البطل، ويفهم أن البطل سلك طريقاً خاطئاً، وافتقد إلى الاعتدال والتبصر والوضوح فيما آل إليه أمره. وفي تلك اللحظة تحديداً يحدث التطهير، لأن المتلقي يفهم لماذا ضحك أو بكى، ويدرك أسباب تيه الشخصية وأخطائها، فينتقل بذلك، في مرحلة ثانية، إلى تبني موقف فكري ومعرفي ملائم إزاء الأشياء. وخلص إلى القول: “التطهير ليس مجرد ظاهرة وجدانية أو نفسية، إنه ظاهرة فكرية أيضاً”، مؤكداً أن الرياضة لا تتيح هذه اللحظة، إذ إن مباراة تجمع، على سبيل المثال، منتخبي فرنسا والجزائر قد تكون مشحونة بالانفعال، لكن أحداً لا يشرح سبب هذا الشحن، بل يكتفى بالقول إن المباراة “مشحونة” و”مهمة للغاية” من دون تفسير.

ولتعزيز أطروحته، استعاد الفيلسوف الكندي واقعة تاريخية شهيرة، هي ما عُرف بـ”حرب كرة القدم” التي اندلعت بين السلفادور والهندوراس في نهاية القرن العشرين، إثر سلسلة مباريات ذهاباً وإياباً في إطار التصفيات المؤهلة لإحدى البطولات، وأحال في هذا السياق إلى كتاب الصحافي البولندي ريشارد كابوشتينسكي المعنون “حرب كرة القدم”. وروى دونو تفاصيل الواقعة، إذ إن منتخب الهندوراس تعرّض، خلال إقامته في فندقه، لمضايقات من جانب أنصار المنتخب السلفادوري، ما جعله يخوض المباراة من دون نوم ووسط تخويف داخل الملعب، فخسر المباراة وعاد فريقه فوراً إلى بلاده، وهو ما خلّف صدمة كبيرة في السلفادور.

وأضاف أن وسائل الإعلام روّجت وقتها لخبر انتحار امرأة سلفادورية تأثراً بالهزيمة، وهو ما ضخّمته وسائل الإعلام إلى حد اعتبار منتخب الهندوراس مسؤولاً بشكل ما عن هذا الانتحار، بل جرى تصويره في صورة أقرب إلى “القتلة”. وترتب على ذلك أن استقبال منتخب الهندوراس في مباراة الإياب على أرض السلفادور اتسم بعداء أشد، من دون أن تبذل قوات الأمن جهداً يُذكر للحيلولة دون ذلك، فتدهورت الأمور داخل الملعب أيضاً، وانتهى الأمر بمواجهات مسلحة على الحدود بين البلدين، خلّفت قتلى ونازحين فقدوا أراضيهم.

واستخلص دونو من هذه الواقعة أن الرياضة لم تفلح في “تفريغ الخلاف”، بل الأصح أنه لم يكن مجرد خلاف، وإنما نزاع جيوسياسي كامل، لم يُفرَّغ لأن التطهير لم يحدث، إذ لم تُتَح تلك اللحظة التي يُفهم فيها فكرياً ما يجري، ولم يكن هناك سوى الكراهية التي جرى تمجيدها، والتي اختلطت بما بدا حباً، هو في جوهره حب متعصب للفريق يقابله كراهية للآخر. وأوضح أن الصحافي كابوشتينسكي بيّن في كتابه ما هو نقيض التطهير الحقيقي، أي الكراهية أو ضرب من الحب الوطني الهذياني الأعمى.

وكشف دونو، مستنداً إلى قراءته التاريخية، أن جذور الأزمة الحقيقية كانت اجتماعية واقتصادية بامتياز: ففي السلفادور، كانت هناك أوليغارشية من عدد محدود من العائلات تستحوذ على معظم الأراضي الصالحة للزراعة وتحتكرها، في استمرار لنمط تشكّل الرأسمالية التاريخي القائم على ممارسات زراعية استحواذية، وهو ما دفع فلاحين سلفادوريين، في بلد صغير المساحة، إلى النزوح نحو الهندوراس بحثاً عن أراضٍ يزرعونها ويعيشون منها، في وقت كانت فيه شركات أمريكية متعددة الجنسيات تستحوذ بدورها على أراضٍ واسعة في الهندوراس الأكبر مساحة. وهكذا وجد فلاحو البلدين أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضاً، بينما كان الطرفان الحقيقيان المسؤولان عن الأزمة هما الشركات متعددة الجنسيات والقوى المالية والأوليغارشيات المستحوذة على الأراضي. وقال دونو في هذا الصدد: “متى فهمنا ذلك، أمكننا أن نفهم لماذا تنفجر الأمور بمناسبة مواجهة رياضية”، مؤكداً أن الكراهية التي رافقت تلك المواجهة الرياضية إنما نتجت عن كون الرياضة لم تتح إمكانية التطهير.

وربط الفيلسوف بين هذا المثال التاريخي وما يجري اليوم من “رَيْضَنة” للنقاش السياسي، أي اتخاذ موقف منحاز لطرف بعينه، سواء أدرك بعض الأكثر دراية أسباب انحيازهم، أم اكتفى آخرون، وربما في لحظة معينة أكثرهم، بالانخراط الوجداني المحض في مساندة “فريق” سياسي معين من دون تفكير، وهو ما يقود، بحسب تعبيره، إلى هذا النوع من الانزلاق.

وختم دونو مداخلته بخلاصة جامعة، إذ قال: “نعيش عصراً نُقيم فيه اقتصاداً للكراهية، اقتصاداً كارهاً، لكننا نُبقي على هذا الطابع الكاره عبر ترك الآلية تكره من تلقاء نفسها”، مضيفاً أن الصورة المقابلة لهذا الاقتصاد، والمضخَّمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا تتيح فهم الظواهر، بل لا تفعل سوى تمجيد علاقات الكراهية المنتشرة على هذا النحو. واختتم مداخلته بتوجيه الشكر إلى الحضور على حسن إصغائهم.