كارثة آسفي.. أين اختفى رئيس الحكومة؟

فيضانات آسفي ليست مجرّد كارثة طبيعية تحدث في كل مكان في العام، كما يحاول البعض التستر على مسؤولية الجناة في ما حدث، ولا ناتجة عن تقلبات مناخية استثنائية تفوق قدرة البشر، كما يحلو للبعض تسويقها للهروب من المحاسبة. ما جرى في هذه المدينة الساحلية هو مأساة مكتملة الأركان، أودت بحياة نحو 37 شخصاً جرفتهم السيول من قلب المدينة كما يُجرف سقط المتاع ، وكشفت، مرة أخرى وبقسوة، حجم الهشاشة التي تُدار بها حياة الناس في المغرب، وحجم اللامبالاة الرسمية تجاه مآسيهم.

قبل أسبوعين فقط، انهارت بنايتان في مدينة فاس، وخلف الحادث 22 قتيلاً. يومها، كما اليوم، تكرّر المشهد نفسه: بيانات مقتضبة، بلاغات تقنية باردة، ووعود بفتح تحقيقات قضائية. ثم… لا شيء.

المسافة بين الرباط وآسفي لا تتجاوز ساعتين ونصف بالسيارة، وأقل من ساعة بالطائرة ، مع التذكير بأن مدينة يناهز عدد سكانها نصف مليون نسمة لا تتوفر أصلاً على مطار، بعد إغلاق المطار الصغير الذي كان يربطها جواً بباقي مدن المغرب. ومع ذلك، لم يكلّف رئيس الحكومة نفسه عناء زيارة المدينة؛ لا هو، ولا أي وزير، ولا حتى أي عضو في حكومته قرر النزول إلى الميدان، والوقوف بين الأنقاض، والاستماع إلى المنكوبين، كما يحدث في الدول التي تحترم كرامة وآدمية مواطنيها، وتدرك أن المسؤولية ليست مجرد منصب، بل واجب أخلاقي وسياسي.

على العكس من ذلك، وربما إمعاناً في احتقار الضحايا وذويهم، اختار رئيس الحكومة التوجه إلى أقرب مكان من مكتبه بالمشور السعيد في العاصمة، نحو مقر البرلمان بشارع محمد الخامس في الرباط، حيث توجد أغلبيته المصطنعة التي يعرف أنها ستكتفي بترديد صدى خطابه، مكتفياً بقراءة تعزية باردة مقتضبة، وكأن الأمر يتعلق بضحايا فيضانات وقعت في بلد بعيد.

في المغرب، يُترك الناس لمصيرهم، الناطق الرسمي باسم الحكومة، سينتظر حتى موعد انعقاد مجلس الحكومة الأسبوعي يوم الخميس (لا شيء يستدعي العجلة)، ليخرج يقرأ بلاغاً محنطاً، يعدِّد فيه “الخسائر” و يعلن عن “الإجراءات” التي لن ير المواطن أثراً ملموساً لها على أرض الواقع. أما التحقيقات التي تُعلن عنها النيابة العامة، فغالباً ما تبقى مفتوحة إلى أن ينسى الرأي العام الحادث، أو تأتي مأساة أكبر تمحو التي سبقتها، فيُنسى الضحايا، ويُترك ذووهم وحدهم يواجهون الفقد والخسارة والخراب.

ما وقع في آسفي ليس قدراً أعمى، بل نتيجة مباشرة لمسؤولية بشرية واضحة: إهمال وفساد وسوء تدبير وتخطيط. فالسور الذي شُيّد لحماية السكة المتحركة التي تنقل الفوسفاط، رمز الثروة الوطنية، هو نفسه الذي حبس مياه الأمطار ومنعها من الوصول الطبيعي إلى البحر، وحوّل مجراها نحو وسط المدينة. ومع بنية تحتية مهترئة، وشوارع مهملة، تحولت الأزقة إلى أودية غاضبة، حملت معها كل ما صادفته في طريقها، بما في ذلك البشر.

هنا، لا يمكن الحديث عن “كارثة طبيعية” دون مساءلة من صنع شروطها. فالدولة، عبر إداراتها المركزية والمحلية وعبر مجالسها المنتخية التي تصنعها في انتخابات يعرف الكل كيف تتم هندستها، تعرف هشاشة هذه المدن، وتعرف مخاطر الفيضانات، وتعرف المناطق السوداء فيها، ومع ذلك تستمر في منح الرخص، وتمرير الصفقات، والتصرف في مليارات الدراهم المخصصة لما يُسمى “التنمية البشرية والمجالية”، دون أثر فعلي يحمي الإنسان.

قرار الجمعية الوطنية للمحامين بالمغرب مقاضاة الحكومة على خلفية فاجعة آسفي خطوة بالغة الأهمية، ويجب ألا يلقى المصير نفسه الذي لقيته شكايات سابقة، من بينها تلك التي رفعها محامون بعد فيضانات طاطا قبل سنتين، وانتهت إلى الإهمال والرفض. فالدستور المغربي واضح : ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهذا الربط لا يجب أن يبقى شعاراً إنشائياً، بل ممارسة فعلية تبدأ من أعلى هرم السلطة التنفيذية.

المسؤولية في فاس وآسفي ليست تقنية فقط، بل مسؤولية سياسية تتحملها الحكومة الحالية، والحكومات والمجلس المنتخبة المتعاقبة التي أدارت الشأن العام في المدينتين المنكوبتين بعقلية الترقيع وتدبير الأزمات بدل الوقاية منها. وهي أيضاً مسؤولية إدارة ترابية تحكم المدن والقرى والبوادي، تحصي أنفاس البشر والحيوان والحجر، تمنح الرخص، وتغض الطرف، وتُنتج، بالصمت أو بالتواطؤ أو بالارتشاء، هذا الواقع القاتل. أما تبادل الإتهامات عبر البيانات الحزبية التي تنتشر بعد وقوع الفاجعة فهو هروب إلى الأمام وعدم تحمل للمسؤولية.

حياة البشر أغلى من أن تُعامل بكل هذا الاحتقار واللامبالاة، والأموال المرصودة لمواجهة الكوارث، التي يصوت عليها البرلمان سنوياً، والتي تجاوزت 500 مليون درهم في ميزانية 2026، وُجدت تحديداً لمثل هذه الحالات المستعجلة، وأول ترجمة جدية لذلك هي إعلان مدينة آسفي مدينة منكوبة، وجبر أضرار الضحايا، ومحاسبة المسؤولين، لا الاكتفاء بتدبير الذاكرة الجماعية إلى أن تنسى. وكل ما عدا ذلك ليس سوى تضييع للوقت، في انتظار مأساة أخرى، أكبر وأكثر دموية… لا قدّر الله.