أنيس بلافريج يكتب: المغرب ينحاز إلى الجانب الخطأ من التاريخ
من الواضح اليوم أن المغرب بتوقيعه على “اتفاقية أبراهام” في عام 2020 قد انحاز إلى الجانب الخطأ من التاريخ، مع المستعمرين الصهاينة الذين ارتكبوا الإبادة الجماعية هم وحلفائهم، ضد العدالة وحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في الاستقلال.
وهذا لا يمكن إلا أن يضعف ويقوض موقفنا في ملف الصحراء، لأننا لا يمكن أن نكون مع القانون الذي يبرر شرعيتنا في الصحراء وننتهك هذا القانون نفسه في فلسطين.
كيف استطاع المغرب، الذي كان في الطليعة عند تحرير الشعوب الإفريقية ضد السياسة الفرنسية للاستيعاب والمساند لمجموعة أكرا في عام 1958، والتي أدت إلى مؤتمر الدار البيضاء في عام 1960، وهو المغرب الحاضر في اجتماع مجموعة باندونغ في عام 1955، والتي كانت المنبع لبروز حركة عدم الانحياز، كيف لهذا المغرب الذي دافع بحماس عن القضية الفلسطينية، وهو الذي حظر، بمجرد استقلاله في عام 1956، كل الأنشطة الصهيونية في المغرب، بما في ذلك أنشطة الوكالة اليهودية، ومنها ترحيل مواطنينا اليهود إلى “إسرائيل”، كيف لهذا المغرب الذي أصدر قانونا (1) لتجريد أي مواطن مغربي يجند في الجيش الصهيوني من جنسيته المغربية، كيف أصبح المغرب يتنكر اليوم لكل المبادئ التأسيسية لاستقلاله ومنها عدم الانحياز ولسياسته الخارجية المناهضة للاستعمار للصهيونية؟
لقد حصل تطور بطيء منذ بداية عام 1960، في أعقاب تفكك حزب الاستقلال، الفاعل الرئيسي في السياسة المناهضة للاستعمار منذ عام 1944، وأعقبه الموت المفاجئ للملك محمد الخامس في فبراير 1961.
من الواضح أن الأنشطة الصهيونية قد تطورت في المغرب بعد هذين الحدثين.
لقد استعاد جهاز الموساد ثم الوكالة اليهودية مكانتهما، وأعقب ذلك رحيل جماعي ومنظم لمغاربة الديانة اليهودية تحت إشراف سري من السلطات المغربية.
فقد المغرب ما يقرب من 3% من سكانه من عام 1961 إلى عام 1967 ، لصالح الدولة التي احتلت فلسطين، والتي حشدت هؤلاء القادمين الجدد إليها بالقرب من الحدود المصرية والأردنية واللبنانية ليكونوا هدفا للمدافع عند أية مواجهة عسكرية.
هذا القرار للملك الجديد (الحسن الثاني) أنداك كانت له أهمية استراتيجية لتعزيز الكيان الصهيوني الفتي، الذي يبحث عن موارد بشرية يهودية، يمكن استغلالها حسب الرغبة.
وهكذا بدأ العهد “الجديد” السابق تحت مباركة صهيونية قوية ولكن متحفظة. لكن ذلك لم يمنع الملك من إظهار مواقف مؤيدة للفلسطينيين والعرب، ومن عقد المؤتمر الإسلامي في الرباط في عام 1969، بعد محاولة حرق المسجد الأقصى، واحتضان مؤتمريْ القمة العربية في الدار البيضاء في عام 1965 وفاس في عام 1982، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، ومن إرسال وحدات من القوات المسلحة الملكية إلى مصر وسوريا في عام 1973.
أظهر النظام انحيازا إلى مشاعر الشعب المغربي، المدافع المتحمس عن القضية الفلسطينية، مما منحه كل الفسحة لقمع الناشطين من أجل القضية الفلسطينية والتقدم الاجتماعي.
وراء الكواليس، تطورت العلاقات مع الكيان الصهيوني وشملت التعاون بين المخابرات في البلديْن وتبادل المعلومات حول المعارضة، وكان أبرز وجوه هذا التعاون هو اغتيال المهدي بن بركة في أكتوبر 1965.
ماذا كانت نتيجة هذا التعاون السري مع المخابرات الإسرائيلية؟
وقعت محاولتان انقلابيتان عسكريتان في عامي 1971 و 1972 دون أن يفلح جهاز الموساد في رصدهما.
كما يُقال إن الهزيمة العربية في يونيو 1967 ترجع إلى المعلومات التي نقلها “الطرف” المغربي إلى العدو الإسرائيلي.
وقد خيم جو من انعدام الثقة في العلاقات بين المغرب والدول العربية، لدرجة أن الوحدات المغربية المرسلة إلى الجبهتين السورية والمصرية أبلغت بالقرارات العسكرية في اللحظة الأخيرة.
وبشكل عام، استندت سياسة السلام التي دعا إليها المغرب تجاه الكيان الصهيوني، ولقاءات الملك الحسن الثاني مع شمعون بيريز منذ عام 1986 ومع قادة صهاينة آخرين، إلى الرؤية الملكية للتحالف بين “أموال النفط العربية” و”التكنولوجيا الإسرائيلية” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط والسماح لإسرائيل بالاندماج فيه.
وماذا عن فلسطين؟
لقد استغلت “إسرائيل” ذلك لتحييد دولتيْن عربيتيْن على الجبهة هما مصر والأردن اللتيْن وقعتا معها معاهدات سلام، ثم احتلال لبنان عام 1982، لأنه كان قاعدة خلفية للمقاومة الفلسطينية، التي اضطرت بعد ذلك إلى الذهاب إلى المنفى في تونس واليمن وتشكيل النواة الأولى لـ “حزب الله” في لبنان.
بعد فشل عملية اتفاق أوسلو، حيث لم يحصل الفلسطينيون سوى على 22% من بلادهم من أجل إقامة الدولة الجديدة ، انسجاما مع ما يسمى “حل الدولتين”، لم يعد من الممكن تصور السلام مع الصهاينة.
ثم جاء “طوفان الأقصى” انطلاقا من يوم 7 أكتوبر2023 ليوضح، المخاطر والرهانات..
كشفت “إسرائيل” للعالم وجهها الحقيقي وأهدافها وهو الوجه الذي حدده الآباء المؤسسون، بمن فيهم بن غوريون، الذي زعم أنه رجل اشتراكي: استعمار كل فلسطين، وطرد سكانها العرب إلى ما وراء الحدود إن لم يكن إبادتهم جميعا، وإقامة “سلام” مع الدول العربية، سلام الهيمنة والتحكّم ، لأن الأهداف الصهيونية لا تتوقف عند فلسطين.
هذا الرأي ليس فقط رأي اليمين المتطرف الصهيوني بل هو رأي مجموعة واسعة من الطبقة السياسية. صوت الكنيست مؤخرا، اليمين واليسار على حد سواء، بأغلبية كبيرة، على رفض إقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين.
إلى القادة العرب الذين يرددون على شعوبهم خطاب الوهم و”حل الدولتين” و”دعم الشعب الفلسطيني”، نقول: مع من تريدون صنع السلام؟ مع أولئك الذين يستعمرون كل فلسطين ويريدون إبادة أهلها أو طردهم؟
في هذه الحالة، “السلام” الذي تبحثون عنه هو سلام بن غوريون. يجب عليكم الإعلان عن ذلك بوضوح!
للأسف، هذا هو الطريق الذي سلكه المغرب، بتوقيع “اتفاقيات أبراهام” والتحالف العسكري مع العدو الصهيوني.
وفي خضم الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة، تستمر علاقات المغرب مع إسرائيل وقد أعيد افتتاح مكتب الاتصال الصهيوني في الرباط في شهر غشت من هذا العام.
وهذا يؤدي إلى تفاقم الفجوة بين السلطة والشعب إلى حد كبير.
وخلافا لما يروج له بعض الموظفين الحكوميين المتحمسين وبعض المثقفين المأجورين، فإن الشعب المغربي مرتبط بشكل أساسي بقيم الإسلام والعروبة وكذلك بالدعم الثابت للقضية الفلسطينية.
كانت الأسر الحاكمة الأمازيغية هي التي نشرت الإسلام في المغرب ومعه اللغة العربية، والسكان في المغرب هم أساسا من الأمازيغ مع روافد عربية وأفريقية من جنوب الصحراء وأندلسية والجميع يشكل شعبا واحدا مسلما مع وجود أقلية تعتنق الديانة اليهودية.
لقد تحدى هذا الشعب الاستعمار وانتصر عليه عندما أراد هذا الأخير تقسيمه بين الأمازيغي والعربي مستعملا “الظهير البربري”. في نظر فرنسا، الأمازيغ ليسوا مسلمين حقيقيين. وبالتالي يمكن تنصيرهم وإبعادهم عن سلطة السلطان القانونية.
من خلال نشر الأفكار العرقية والعنصرية، تزعم “إسرائيل” أن الشعب المغربي ليس عربيا، وأن مكوناته اليهودية الأمازيغية من شأنها إبعاد البلاد كلها عن التوجهات والقناعات العربية والإسلامية.
وأدت الأنماط نفسها إلى تفكك السودان وإقامة جمهورية كردية في العراق.
يقف المغرب عند مفترق الطرق.
ما هو الموقع الذي يريد أن يكون لديه في عالم الغد؟
هل يريد أن يظل تحت الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، حتى لو كان ذلك يعني فقدان استقلاله ورؤية مساحة المناورة السياسية والاقتصادية لديه تتقلص وتتقلص؟
هذا الخيار يعني أن تواجه السلطة مقاومة شعبية واسعة وحتمية لمحاربة غياب المساواة الاجتماعية والتعسف والفساد وغياب الديمقراطية والاستعمار الصهيوني الجديد الزاحف.
أم أنه يريد حماية استقلاله ومساحة معينة للمناورة تسمح له بالدفاع بشكل أفضل عن مصالحه في عالم متعدد الأقطاب حيث الهيمنة الأمريكية في تراجع كامل؟
ويتطلب هذا الخيار الشجاع تعزيز الجبهة الداخلية من خلال سياسة اجتماعية وإرساء الحريات والفصل بين السلطات وتأسيس قضاء مستقل.
هذه هي الإصلاحات التي التزم السلطان محمد الخامس وحزب الاستقلال بتنفيذها منذ الاستقلال عام 1956 والتي ظلت حبرا على ورق.
إذا أنجِزت هذه الإصلاحات، ستصبح خطة الحكم الذاتي الداخلي للصحراء ذات مصداقية وقابلة للتطبيق بسهولة وسيُطوى بشكل نهائي النزاع حول مغربية الصحراء.
كل العناصر تدفع نحو اعتماد هذا الخيار الأخير.
إن الاضطرابات العالمية الكبرى الحالية، مثل صعود الصين، التي ستصبح قريبا أكبر اقتصاد في العالم، وجر دول الـ “بريكس” وراءها، وإنشاء بنك استثماري وتنموي يعتمد عليها، والتخلي عن دور الدولار في التجارة العالمية، وفشل “الناتو” في أوكرانيا في مواجهة روسيا، ومأزق إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وهو ما يشكل، في الواقع، هزيمة استراتيجية لسياستهم في الشرق الأوسط، كل هذا يجب أخذه بعين الاعتبار لتشجيع المغرب على تغيير مساره والاستجابة بشكل إيجابي لنداءات وصرخات التحركات الواسعة للشعب المغربي.
ـــ
(1) ظهير 1-58-250
18 غشت 2024
الترجمة من الفرنسية إلى العربية : موقع “لكم”