وسائل الإعلام ودورها في تضليل الشعوب وتحريف الحقائق

يقول الله تعالى في محكم آياته :

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (41) المائدة

وروى البخاري في صحيحه (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ – رضى الله عنه – قَالَ ،قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالاَ الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ »

يؤدي الإعلام دوراً خطيراً في حياة الأمم، ليس في نقل الأخبار والأحداث فقط، وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام .

وإن أخلاقيات الإعلام ،تفرض على وسائل الإعلام القيام بواجباتها ووظائفها بصدق وأمانة وعدالة وموضوعية وتوازن وشمول ودقة وعدم إساءة استخدام سلطة الاعلام ،

ولكن مع وجود صراع المصالح الهائل على المستوى العالمي ،فإن هذه الأخلاقيات تغيب أحيانا ،وتُحدث بشكل متعمد أنواعا من التضليل الإعلامي

فالإعلام سلاح ذو حدين ،ولكن هذا العالم ليس عالما مثاليا ، يعمه السلام والعدالة والمحبة ، بل إن تضارب المصالح ،واختلافها وتضادها ،يجعل من التضليل الإعلامي سلاحا فعالا في الصراعات ،ويتم ذلك عبر أسلوب القوة الناعمة ،التي تؤثر ببطء ،وعلى المدى الطويل ،دون أن يلاحظها الكثيرون

ومن هنا يصبح التضليل الإعلامي الذي يمارسه الإعلام حالياً بمثابة حرب نفسية تشنّ على المتلقي لإحداث أكبر قدر من التأثير السلبي.

والتضليل أو التحريف الإعلامي ،هذا العملُ كان وما زال احترافُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فقد أخبرنا الله تعالى به في كتابه الكريم ، فقال الله تعالى عنهم :

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (75) البقرة.

وتلجأ الحكومات والأحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية في المجتمعات التي لا تحتكم إلى شريعة الله المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى ممارسة سياسة التضليل الإعلامي بما فيها من كذب وافتراء للتأثير على الرأي العام وخلق صورة ذهنية تساعدهم في تحقيق أهدافهم.

والتضليل والتحريف الإعلامي يشمل : غسيل مخ الشعب المراد تضليله، وقلب الحقائق، وتغيير القناعات، وضرب هوية الأمة، ومهاجمة الثوابت، ومولاة أعداء الأمة، والتباهي بالخيانة والعمالة، وتكذيب الصادق، وتصديق الكاذب؛  

ولا يقتصر التضليل الإعلامي على المؤسسات الحكومية الرسمية في الدول الديكتاتورية القمعية، بل لرأس المال الخاص دكتاتوريته أيضا المثيرة للجدل

فامتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها أصبحت متاحة لمن يملكون رأس المال.

والنتيجة الحتمية لذلك هي أن تُصبح محطات الإذاعة، وشبكات التلفزيون، والصحف، والمجلات، وصناعة السينما، ودور النشر ، ومواقع النت ، وغيرها مملوكةً جميعاً لمجموعة من المؤسسات المشتركة ،والتكتلات الإعلامية.

وهكذا يصبح الجهاز الإعلامي جاهزاً تماماً للاضطلاع بدور فعال وحاسم في العملية التضليلية والتحريفية  

أما القائمين على صناعة «الإفك والكذب والتضليل والتحريف والتزوير الإعلامي» ، فهم شريحة خبيثة من البشر ، الذين باعوا ضمائرهم ،من أجل جني أرباح مادية فلكية في أرقامها، واستذلوا أنفسهم لأسيادهم مقابل الثراء الفاحش، وهذا الذي حدى بأهل الصدق ، وأصحاب الرسالات الإصلاحية من التبرؤ دوما من أي منفعة مادية نظير رسالتهم السامية؛

وكان شعار كل الأنبياء قاطبة في حوارهم مع أقوامهم كما سجله القرآن الكريم في قوله تعالى :

{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109]،

وفي قوله تعالى : {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [هود:51]،

وفي قوله تعالى : {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:72]،

وفي قوله تعالى : {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سبأ:47].

وعلى النقيض من ذلك فنرى سحرة فرعون – وهم أشبه بمحترفي التزوير والكذب الإعلامي المعاصر- يطلبون الأجرَ من فرعونِ ،صاحبِ السلطان في مصر القديمة، وقد جاء طلبُ هذا الأجر في أكثرَ من مناسبة في القرآن الكريم؛ حيث يقول ربنا على لسانهم :

{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الأعراف: 113]،

وقال تعالى :{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 41].

فالإعلامَ كثيرًا ما يشكل ضغطًا رهيبًا على الرأي العام؛ ليصبح الرأيُ العام هو ما يريده الإعلامُ، لا ما يريده الشعب!! عبر آلية أو نظرية أطلقت عليها: «دوامة الصمت».

وصور ووسائل الإفك الإعلامي لا تنحصر في أسلوب معين .. إنها سياسة فضفاضة ، تحوي كل صنوف الكذب ،وغسيل الأدمغة، والمغالطات ،والتهويلات ،ولي عنق النصوص والأخبار وبتر الحقائق ،وتهويل الأخطاء ،وتضخيم الإخفاقات، والتلفيق ،والتشويه ، والتحقير والتحريف ،والفبركة ،والخداع ،والتدليس ،والتزييف ،والتعتيم ،وشيطنة الخصم، وغيرها وغيرها ، كل ذلك من أجل الوصول إلى نظريةَ وزير الإعلام النازي (جوبلز):

أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصير الكذب حقيقة في الأذهان ويصدقك الناس.

أيها المسلمون

ويكفي أن أسوق مثلا واحدا للصياغة الإعلامية المضللة والمحرفة ، وذلك لمعرفة كيف تطبخ الأخبار، وكيف تزور الحقائق ، وكيف تضلل الشعوب ، ويصبح الحق باطلا ، والباطل حقا ، والصدق كذبا ، والكذب صدقا ،….. ، فكثيرا ما تسمع مثل هذا الخبر :

«وقوع تفجير مدوي ،وأجهزة البحث الجنائي تجمع الأدلة، والنيابة تتولى التحقيقات، لمعرفة الملابسات ، واكتشاف الجناة»،

وبعدها بلحظات، تسمع الخبر، ولكن بصيغة أخرى :

«وقوع تفجير إرهابي مدوي، وجدير بالذكر أن هذه المنطقة معقل الحركات الإسلامية المتطرفة»،

ففي هذا الخبر أضاف الاعلام المضلل والمحرف جملة جديدة وهي :

(أن هذه المنطقة معقل الحركات الإسلامية المتطرفة )  

ثم بعدها بلحظات تسمع الخبر من الاعلام المضلل والمحرف بهذه الصيغة :

«وقوع تفجير مدوي، ويعتقد أن منفذه الشيخ فلان الفلاني ، والمحسوب على الجماعات الإسلامية الجهادية» ..

وهكذا كُشف الغطاء ،على أن الاسلاميين هم من نفذوا هذه التفجيرات ، وبالتالي ، يلتصق في عقول الناس أن الاسلام ، (هو الإرهاب) ، وأن من ينتسبون إلى لإسلام هم الإرهابيون .  

وتلاحظ  أيضا: أن الخبر الأول : تمت صياغته بمهنية وحيادية،

وفي الخبر الثاني : لمز للإسلام ،وارتباطه بالتطرف ،والإرهاب،

وفي الخبر الثالث : إصدار الأحكام ، وإلصاق التهم قبل توفر الأدلة.

هذا نموذج واحد مما يضلل به الاعلام الحقائق ، ويلصق به التهم ، ويستميل به عقول البشر

ويشوه به الدين ، ولينفر الناس عن  هدي رب العالمين ، ألا فلعنة الله على الظالمين .  

 

 

2   ( وسائل الإعلام وتضليل الشعوب وتحريف الحقائق )  

 يقول الله تعالى في محكم آياته : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) الأنبياء 18،

وقال الله تعالى : (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) الاسراء (81)

نعم فالباطل زهوق ، ويجب ألا نضخم من قدرة الإعلام وتأثيره على الوعي الجماهيري، وتصوير إمكاناته بأنها قدرة مطلقة لا يحدها حد ولا يصفها وصف، فالأكاذيب لا جذور لها،

لذلك ، فمهما حاول الإعلام التضليل ، سوف تكشفها النتائج الواقعية والمحصلات العملية

فالإنجازات الوهمية في الدول الفاشلة ،سيأتي عليها يوما ليكتشف الجميع أنها إخفاقات، والسجالات الفكرية العقيمة ،لابد لها من وقت تنجلي فيه الحقائق، وتبقى المحصلة الواقعية أعلى صوتا من أي تضليل وتحريف وتزوير إعلامي .

وفي النهاية ، والخلاصة ، نقول: نعم هناك تضليل إعلامي، ولكنه لا ينطلي إلا على السذج وبادي الرأي، وتبقى الثقافة الرصينة والعقيدة السليمة والهوية الصادقة حصون منيعة تتهاوى أمام أسوارها جحافل السراب الإعلامي المخرب.

قال الله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (16)، (17)  الرعد

وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (36)، (37)  الانفال