PRESS MEDIAS EUR0ARABE

عادل بنونة يفضح المزيد من الفضائح

قضية مقالع الحجر بإقليم تطوان لم تعد مجرد ملف ” اقتصادي ” مرتبط بتوفير مواد البناء اللازمة للمشاريع الكبرى، بل تحولت إلى إحدى أكثر القضايا البيئية والحقوقية إلحاحاً بالمنطقة، بعدما أصبحت آثار الاستغلال المكثف للموارد الحجرية واضحة على المشهد الطبيعي والبيئي للعديد من الجماعات الترابية، خاصة بجماعات الزينات – بن قريش – صدينة – الملاليين …
فمن يقترب اليوم من هاته الجماعات القروية يلاحظ بسهولة التحولات العميقة التي طالت التضاريس الجبلية، لقد تغيرت ملامح أجزاء واسعة من المرتفعات التي شكلت لعقود طويلة جزءاً من «الهوية الطبيعية والبصرية » لإقليم تطوان. ولم تعد آثار المقالع مجرد حفر معزولة أو أنشطة صناعية محدودة الأثر، بل تحولت في بعض المواقع إلى ندوب مفتوحة على سفوح الجبال، تعكس حجم الضغط المتزايد الذي تتعرض له الموارد الطبيعية بالإقليم وكأن المدينة تحولت لجرح مفتوح ينزف من كثرة الاستغلال .
وتكتسي هذه التحولات خطورة خاصة بالنظر إلى أن إقليم تطوان يتميز بمنظومة بيئية هشة ومترابطة تجمع بين الجبال والساحل والسهول الزراعية والموارد المائية، ما يجعل أي اختلال بيئي ناتج عن الاستغلال غير المتوازن للموارد قابلاً للامتداد إلى مجالات أوسع من الموقع المستغل نفسه.
وتشير العديد من التقارير البيئية والحقوقية والرقابية إلى وجود إشكالات متكررة تتعلق بمدى احترام بعض المقالع لدفاتر التحملات والالتزامات البيئية المفروضة قانوناً. كما أثيرت تساؤلات بشأن فعالية الأبحاث العمومية المتعلقة بدراسات التأثير على البيئة، ومدى أخذ ملاحظات الساكنة المحلية المتضررة بعين الاعتبار عند منح أو تجديد التراخيص.
ومن بين أكثر المؤشرات إثارة للقلق ما يتعلق بتراجع الغطاء النباتي المحيط ببعض المقالع، وغياب أو ضعف إجراءات التشجير وإقامة الأحزمة الخضراء الكفيلة بالحد من انتشار الغبار وتخفيف الأثر البصري والبيئي لأنشطة الاستخراج. ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق بمناطق قريبة من التجمعات السكنية أو الأراضي الفلاحية أو الموارد المائية.
كما تحذر العديد من التقارير من المخاطر المحتملة التي قد تطال الفرشة المائية والينابيع والآبار نتيجة التفجيرات المتكررة وأشغال الحفر العميق، خاصة في المناطق التي تعتمد فيها الساكنة المحلية على الموارد المائية الطبيعية في أنشطتها الفلاحية واليومية. فالماء ليس مجرد مورد اقتصادي، بل حق دستوري وركيزة أساسية للأمن البيئي والغذائي للمنطقة.
أما على المستوى الصحي، فإن الغبار الناتج عن عمليات الاستخراج والنقل يشكل مصدر قلق دائم للسكان المجاورين للمقالع. فالجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء ترتبط، وفق العديد من الدراسات الدولية، بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والحساسية المزمنة، وهو ما يجعل الحق في بيئة سليمة وحق المواطنين في الصحة في صلب النقاش العمومي حول هذا القطاع بالإقليم .
وتطرح هذه الوضعية سؤالاً آخر لا يقل أهمية والذي يتمثل في :
– ما هو الأثر التنموي الحقيقي للمقالع على الجماعات التي تحتضنها بالإقليم ؟
فالتنمية لا تقاس فقط بحجم الثروات المستخرجة أو الأرباح المحققة لشركات بعينها ، بل أيضاً بمدى انعكاسها على تحسين ظروف عيش الساكنة المحلية، وخلق فرص الشغل، وتمويل البنيات الأساسية، وتعويض الخسائر البيئية التي يسببها الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة إذا استحضرنا أن دستور المملكة لسنة 2011 لم يتعامل مع البيئة باعتبارها قضية ثانوية، بل جعلها حقاً دستورياً. فالفصل 31 يضمن الحق في بيئة سليمة، والفصل 35 يربط ممارسة الأنشطة الاقتصادية بضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة، بينما يكرس الفصل 154 مبادئ الشفافية والجودة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المرافق والشأن العام.
كما أن القانون الإطار رقم 99-12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، والقانون رقم 27-13 المتعلق بالمقالع، يفرضان التزامات واضحة تتعلق بالاستغلال العقلاني للموارد الطبيعية، وإعادة تأهيل المواقع المستغلة، والحد من الأضرار البيئية، وضمان المراقبة المستمرة لأنشطة الاستخراج.
وعلى المستوى الدولي، فإن المغرب ملتزم بمبادئ إعلان ” ريو ” للبيئة والتنمية وبأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وخاصة الهدف 11 المتعلق بالمدن المستدامة والهدف 15 المتعلق بحماية النظم الإيكولوجية البرية ووقف تدهور الأراضي وفقدان التنوع البيولوجي.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحاجة إلى مواد البناء أو في أهمية المشاريع التنموية، بل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وواجب حماية المجال الطبيعي بالإقليم ، فالتنمية التي تُشوّه الجبال، وتُضعف الموارد المائية، وتُراكم الأضرار البيئية دون خطط فعالة لإعادة التأهيل، تتحول من رافعة للتقدم إلى عبء على الأجيال المقبلة.
لقد أصبحت جبال تطوان شاهداً على معادلة صعبة بين الاستثمار والحفاظ على البيئة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: – هل ستنجح المؤسسات العمومية والسلطات الإقليمية في فرض احترام القانون وإعادة الاعتبار للحكامة البيئية، أم ستستمر مدينة تطوان ومعها جبالها وسكان القرى المجاورة للمقالع في دفع ثمن تنمية تُقاس بالأطنان المستخرجة أكثر مما تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان والطبيعة معاً؟
عادل بنونة رئيس فريق المصباح بجماعة تطوان.