رواية تحكي تجربة السجن ومراجعة الذات بحثا عن ضوء الخلاص
“سيرة الرماد” رواية خديجة المروازي تحكي تجربة السجن ومراجعة الذات بحثا عن ضوء الخلاص
ماذا يعني الكتابة عن عمل روائي مضى على صدوره زهاء ربع قرن؟ قد تكون المناسبة شرط، كما يقال، والمناسبة هنا هي ترجمة رواية “سيرة الرماد” لصاحبتها خديجة المروازي إلى اللغة الإنجليزية، واختيارها ضمن قائمة الأعمال الروائية المرشحة لجائزة معتبرة.
“سيرة الرماد” رواية خيالية عن السجن ترويها ليلى ومولين، بطلا الرواية والساردان الرئيسيان فيها، كلاهما عاش تجربة السجن بسبب أنشطتهما السياسية خلال ما عرف بـ “سنوات الجمر الرصاص” في مغرب السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي عندما كانت الدولة تعتبر القمع الشديد أداة للحكم والتحكم والضبط.
الرواية صدرت أول مرة عام 2000، وحظيت وقتها بمواكبة نقدية مهمة، لكن صدروها آنذاك صادف انفجارا في نشر كتابات وسرديات يمكن تصنيفها ضمن أدب السجون، وبعضها سير ذاتية ومحكيات وشهادات لأشخاص عاشوا تجربة السجن الأليمة، في حين أن رواية المروزاي خيالية تستمد قصصها من شهادات من الحياة الواقعية المكتوبة والشفوية، المنشورة والمحكية التي كانت متداولة في وقت صدور الرواية، وأيضا من تجارب الكاتبة نفسها، وهي فاعلة حقوقية مشهود لها بدفاعها عن المعتقلين السياسيين الذين كانت تزورهم داخل معتقلاتهم في إطار عملها الحقوقي للدفاع عن حقوقهم داخل المعتقل ومناصرتهم من خلال إسماع أصواتهم خارجه.
الرواية كتبت بضمير الأنا الراوي والأنا الراوية، حيث يتناوب على السرد كل من مولين وليلي، يحكيان، كل من منظوره، عن تجاربهما مع السجن والتعذيب، والمحاكمات، والنقاشات التي لا تنتهي بين الرفاق، ولحظات الإحباط عند انكسار الأحلام واكتشاف هشاشة اليقينيات التي بنيا عليها قناعاتهما.
وعلى مدى 198 صفحة ينتقل بنا ملين وليلى يحكيان تجاربهما ما بين الماضي والحاضر، ومن خلال طريقة سردهما المنسابة تتعدد شخصيات الرواية وتتداخل قصصها تسلم كل حكاية خيط سردها إلى الحكاية التي تليها، وتتطور الأحداث بسرعة بين الأزمة ما بين الماضي والحاضر وما بين الأمكنة داخل السجون المختلفة وفي ظلمة ونتانة الغرف المغلقة للتعذيب، وخارج الفضاءات المفتوحة، لنطلع على قصص إنسانية تعبر عن محنة شخصيات الرواية ومعاناتهم، موصوفة بكثير من الدقة والوجع والألم في كثير من الأحيان، وأيضا الكثير من السخرية السوداء، ولكن بلغة جميلة تضاهي الشعر في مقاطع جميلة من النص كما في الصورة التي ترسمها ليلى لنفسها في وحدتها داخل السجن “أنا الآن جالسة هنا في ركن الحزن كدمعة بالعين وسط الليل” ص 139.
لكن رواية “سيرة الرماد” تختلف عن كونها مجرد تجميع لمحكيات قصص إنسانية لشخصياتها التي عاشت تجارب السجن والتعذيب، وإنما تتجاوز ذلك إلى عذابات الذات الداخلية في صراعها مع التصادم الأبدي بين الحقيقة والأوهام، والحب والحقد، والظلمة والنور. لقد نجحت الرواية أن تنقل لنا تفاصيل التعذيب المقززة بل والإمعان في الإذلال والتعذيب مرارًا وتكرارًا، مع توخي وصف التفاصيل الصغيرة والدقيقة والحميمية ما يجعل المرء يكاد يٌفرغ ما في أحشاءه وهو يقرأ ما يمكن أن تصنعه آلة الظلم من بشاعة بالجلاد والضحية في نفس الآن. وطيلة السرد تغوص بنا الراوية في عوالم متناقضة للإطلال على وحشية الإنسان ومرونته في نفس الآن، والوقوف عند الضعف البشري وقوة الروح البشرية في نفس الوقت عندما تنتصر إرادة الصمود وقوة التحدي، من خلال قصص تنتزع الأحشاء وتعري بشاعة العالم الذي نعيش فيه، دون أن تتركنا نغرق في عالم الظلام الذي تجعلنا نعيش فيه طيلة الوقت بما أنها تفتح لنا نافذة صغيرة في نهاية النص يدخل منها النور الذي يعتبر بمثابة الخلاص الذي تريد الرواية أن تقنعنا بأنه هو المسار الحتمي لعملية تقييم تطلبت كل هذه التجربة القاسية من الحزن والألم والتحمل والشجاعة أمام مواجهة الذات المنكسرة لتخليصها من الأوهام عندما يكتشف مولين متأخرا أنه كان يجري وراء سراب “ماذا تبقى من العمر بعد عشرين عاماً في دهاليز الإسمنت. عشرون عاماً التهمتها برودة الجدار وصدأ القضبان (…) سيقذف بنا مباشرة إلى المستشفيات لنلوك فيها بقية العمر بعد أن زرع الجدار سم الجليد في أطرافنا لنحصد أمراضا بالجملة تتوزع علينا بالتقسيط..” ص 07.
وليس غريبا أن الكثير من شخصيات هذه الرواية، بل حتى أسمائهم، تتشابه مع تجارب لشخصيات حقيقية استوحتها الكاتبة من قصص عرفت أصحابها عن قرب، وأخضعتها، وهي الأكاديمية المختصة في الأدب العربي، لصناعتها الروائية لإعادة تشكيل الأحداث وبناء الشخصيات بما يتناسب مع عمل روائي متكامل، وهو ما نجحت في إخراجه في هذا الإنجاز التخييلي الرائع الذي يعتبر طموح كل روائي خلد الأدب أعماله.
لكن هدف خديجة المروازي لم يكن هو كتابة نص جميل يسرد تجارب إنسانية حقيقية، أو متخيلة، وإنما طرح أسئلة عميقة تساءل جزءا من تاريخ اليسار المغربي الذي يعتبر تاريخا مشتركا للشعب المغربي، عندما تطرح الرواية سؤال الفجوة الكبيرة بين المناضل السياسي الذي يحلم بإحداث التغيير نيابة عن الجماهير غير المبالية بتضحياته وآلامه وعذاباته داخل مخافر الشرطة ووراء القضبان، كما تعبر عن ذلك ليلى في لحظة إحباط عارم “لا أحد هنا بالسجن يقدر على تفهم معتقل سياسي بأن له علاقة بهم، بهذه الجماهير المنهوكة )…( كل هؤلاء المعتقلين المشتتين في سجون البلاد هم هناك يؤدون ضريبة شيء من حب هذا الشعب، حبهم هم، فقط نحن وحدنا نلوك هذا الكلام ونمضغه بسهولة دون أن ندرك أن موضوع مضغنا هذا لا يتمثل ذلك بل لا يقدر على استساغته، المسافة ممتدة بل حفرة لا يمكن ردمها بالكلام وحده) …( أثناء المحاكمة أحسست بضآلة ما أقوم به مقارنة بحجم ما ينزلونه بي من تعذيب، ومن تكديس للتهم، بل ولأني أحس بأنني في بداية الطريق فقد كنت أسر لنفسي “بأني تْصَيّدْت”. هكذا قلت ذات مرة وأنا أرى التهم تكتفني”. ص 172.
نفس الواقع سوف يستيقظ عليه ملين، لكن بعد مرور أربعة عشر سنة على سجنه “هل آن الأوان لتفجير الرمانة، إلى متى سنظل نجتر وضعا لا يزال يقدسنا من أجله سذج من وراء القضبان، لقد أتعبنا حمل الطوطم بل لا بد من قول الحقيقة المتشظية داخلنا، فالتجربة ليست أكثر من خرقة ممزقة بالأخطاء )…( هل يمكن للمرء أن يبعثر كل هذا العمر من أجل شعارات لا يمكن اعتبارها حتى ترجمة لواقعنا؟ )…( عشرة السجن، واشتعال الشيب في الرأس ونحن نتطلع إلى سقف الزنزانة قد ولد على الأقل جرأة فردية لدى كل واحد منا”. ص 55.
لنعيد التأمل والتساؤل مع مولين وهو يعيد قراءة تجربته “أنظر أمامي تجربتنا بحدة، اعتقالنا، إتلاف كل العمر بين القضبان، الثمن الباهظ مقابل حفنة أفكار، هل ثمة مقابل أكثر من حرية الفرد وضياع أعز الناس عليه دون أن يتمكن حتى من رسم قبلة أو خطف نظرة إلى نعش يتجه إلى حيث لا يعود” ص 54. وفي مقطع آخر يستنج مولين الحقيقة المرة التالية “بعد كل هذا العمر ، من استفاد من الوضع؟ النظام أم الأحزاب أم اليسار الجديد؟ ما يمكن للواحد منا أن يجزم به وهو مغمض العينين، أن الخاسر الأول هو نحن هذا اليسار الذي لم يحصد غير الريح والغبار”. ص 56.
الأمر لا يتعلق بنوع من تأنيب الذات، وإنما بنوع من النقد الذاتي الواعي لقراءة تجربة قدم من أجلها جيل كامل من الشابات والشباب زهرة عمرهم وراء القضبان من أجل تحقيق المغرب الذي حلموا به مطلع سبعينات القرن الماضي، ومع الأسف ما زال الحلم صعبا وإن كان ممكنا، وهنا تكمن أهمية هذه الرواية التي تريد الارتقاء بالمآسي الإنسانية التي تحكيها كي تجعلنا لا نقبل أن تتكرر نفس المآسي في المستقبل، رغم أنها مازالت تتكرر في واقعنا الحالي.
عندما ننهي قراء رواية مروازي نشعر كما لو كنا فعلا داخل نوع من السجن، بسبب الاختناق الذي نحس به، والحاجة إلى كوة نور أو نفحة أوكسجين، وهو ما تمنحه لنا الخاتمة التي ترشدنا إلى النور الذي يسكن بداخل كل واحد منا، وهذا ما نجحت الرواية فيه، هو هذا التوازن بين الضوء والظلام وهي تخوض في موضوع صعب عبر حكايات متشابكة لشخصيات في سعيها إلى الحرية من خلال العبور عبر تجربة السجن ومراجعة الذات بحثا عن الخلاص من الأوهام والأحلام التي تحولت إلى غبار.
وفي نهاية الرواية تدخل شخصية الطفل مراد الذي يتطلع إلى قرع جرس الباب للإطلال على ليلى العائدة من السجن، وعندما “تفتح الباب يدخل نور الشمس ويعلو صوت الأولاد الذين يملئون الدنيا بالنشيد…” ص 198. هكذا تغلق خديجة المروازي سردها على نور الشمس القادم من الخارج وعلى صوت الأطفال الذي يملأ الأزقة بالفرح والحياة، وعلى سؤال مراد وهو يطلب منها أن تحكي له حكاية “من حكايات اليوم والغد وليس الأمس”. ص 197.