مطالب بنشر لوائح المستفيدين من دعم الصحافة وإخضاع المبالغ الممنوحة لكل مقاولة لتدقيق مالي مستقل
أكدت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” أن الدعم العمومي الموجه إلى قطاع الصحافة يطرح إشكالا يتجاوز البعد المالي المباشر، لأنه يمس في جوهره حرية الصحافة، ومبدأ تكافؤ الفرص، وحدود تدخل الدولة في قطاع يُفترض أنه يمارس وظيفة رقابية مستمرة.
وأشارت المنظمة، في ندوة صحفية عقدتها اليوم الثلاثاء بمقرها في الرباط حول “اقتصاد الريع”، إلى أن الدعم العمومي للصحافة مشروع من حيث المبدأ، وأن دولا ديمقراطية عديدة تعتمد آليات مختلفة لدعم التعددية الإعلامية وتطوير القراءة ومساعدة المقاولات الصحفية على تحديث أدواتها؛ لكن جوهر الإشكال في المغرب يكمن في الطريقة التي انتقل بها الدعم من إجراء استثنائي فرضته جائحة كوفيد، إلى آلية شبه دائمة لتحمل أعباء مقاولات خاصة.
واستغربت المنظمة الحقوقية كيف أن الدعم الذي كان يُفترض أن يكون ظرفيا ومحدودا في الزمن، استمر لسنوات إلى أن تجاوزت المبالغ المصروفة مليارا ونصف مليار درهم خلال الفترة الممتدة من منتصف عام 2020 إلى حدود سنة 2025.
وتساءلت “ترانسبرانسي” عن حدود مسؤولية المال العام في إنقاذ نموذج اقتصادي لم يتمكن من استعادة قدرته على تغطية نفقاته الأساسية بعد انتهاء الجائحة وعودة الدورة الاقتصادية، مبرزة أن المفروض في الصحافة أنها تراقب السياسات العمومية وتنتقدها وتسائلها، فكيف يُعقل أن تصبح بعض المقاولات الصحفية معتمدة بشكل كامل على الجهة نفسها التي يُفترض أن تراقبها؟
وشددت على أن خطورة هذا الوضع تزداد في ظل غياب نشر لوائح مفصلة ومحينة للمستفيدين من الدعم، وقيمة ما حصلت عليه كل مقاولة، وعدد الأجراء المشمولين، وطبيعة المصاريف التي غطاها الدعم، ومدى احترام المقاولات لالتزاماتها الاجتماعية والجبائية والمهنية.
وأوضحت أنه من المفترض أن تكون هذه المعطيات متاحة للرأي العام بحكم الطابع العمومي للمال المصروف، ليس فقط احتراماً للحق في الحصول على المعلومة، بل لأن المواطن الذي يمول هذا الدعم عبر الضرائب له الحق في معرفة مَن استفاد وكم استفاد ولماذا استفاد، وما الأثر الذي حققته هذه الاستفادة على جودة الصحافة، وعلى استقرار الأجراء، وتعددية المشهد الإعلامي.
وأكدت المنظمة أن معايير هذا الدعم تطرح بدورها إشكالاً حاداً حين تصبح كتلة الأجور، أو رقم المعاملات، أو القدرة المالية السابقة للمقاولة، عناصر حاسمة في تحديد حجم الدعم، بدل دعم التعدد والتنوع ومقاولات القرب والصحافة الجهوية، مما يؤدي عملياً إلى منح أفضلية للمقاولات الكبرى.
وأبرزت أن الأصل في الدعم العمومي للصحافة هو مراعاة التنوع الإعلامي، واختلاف بنيات التكلفة بين الصحافة الورقية والإلكترونية، وحجم التشغيل الحقيقي، والالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام الحقوق الاجتماعية ومستوى الإنتاج التحريري؛ لكنها سجلت، مع الأسف، اعتماد معايير قد تفيد المقاولات الأكبر حجماً، أو الأكثر قدرة على إثبات أرقام معاملات مرتفعة، مما يفضي إلى تركيز الدعم في يد عدد محدود من الفاعلين، بما يهدد المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ويضعف الصحافة الجهوية، ويقلص تعددية الأصوات.
ولفتت إلى أن إصلاح هذا الوضع يمر عبر إعادة بناء الدعم على أسس واضحة؛ أولها النشر الدوري للوائح المستفيدين والمبالغ الممنوحة وطبيعة الاستفادة، وثانيها إخضاع الدعم لتدقيق مالي ومحاسباتي مستقل يبين أوجه الصرف ومدى احترام المقاولات لالتزاماتها، وربط الاستفادة بمؤشرات نجاعة قابلة للقياس تتمثل في الحفاظ على مناصب الشغل، واحترام الحقوق الاجتماعية، والاستثمار في التكوين والتجهيز، وإنتاج محتوى مهني، وتوسيع الوصول إلى المعلومة.
وشددت “ترانسبرانسي” على أن المطلوب هو الفصل بين دعم المقاولة ودعم الأجراء، لأن الأجر حق قانوني تتحمله المقاولة المشغلة، ولا ينبغي أن يتحول الدعم العمومي إلى بديل دائم عن التزامها القانوني؛ مبرزة أنه إذا كانت هناك ضرورة اجتماعية لحماية الصحفيين والعاملين في القطاع، فيجب أن تتم عبر آليات واضحة ومباشرة ومؤقتة، لا عبر تمويل مفتوح للمقاولات دون مساءلة كافية.