سجون تطوان

 حفيظ أبوسلامة –  تطوان .

سجون فريدة تحت ارض المدينة العتيقة لتطوان توجد إلى اليوم مغلقة وشبه منسية و لازالت تقاوم الزمن مند إعادة بناء تطوان بعد فترة الحرب التي دارت رحاها بين المسلمين والمسيحيين بالمدينة .فعناصر البناء الأندلسية المحفوظة في أثار التحصينات الأصلية من خلال الأسوار الخارجية والحصون الثلاثة على مسار سوق الحوت والغرسة الكبيرة والأبواب السبعة للمدينة التي صمدت رغم التغيرات التي طرأت عليها من خلال التوسعات التي عرفتها المدينة خلال فترات متعددة .

السجون المطمورة

توجد داخل أسوار المدينة العتيقة لتطوان جزاء منها تحت الطريق بحيث يمكن الدخول إليها باستعمال سلم يدوي بينما الجزاء الثاني يوجد تحت المنازل ، في البدء كانت مجرد حفر أقيمت بصخور يعلوها ثقب يستعمل كباب للدخول  حيث كانت تستعمل كمخازن أو كسجن للأسرى ليلا . مع مرور الزمن ترسخ هذا الدور الأخير فتم فتح قنوات التواصل بين بعضها البعض وهو الحال الذي توجد عليه اليوم ، وتم تعزيزها وتوسيعها في فترات مختلفة من الزمن عبر أقواس نصف دائرية . ويمكننا التعرف اليوم على ثلاث سجون مطمورة متتالية والتي يوجد ببناياتها باب من حيث يمكن الدخول إليها عبر إحدى المنازل. وهو الأمر الذي يرجح التكهن الذي كان شائعا بان المطامير أكثر اتساعا . وتعطي جدرانه التي جيرت مرات متعددة الانطباع بأنها استعملت كحجرات للسكن بل حتى أنها تتوفر على بعض مظاهر الزينة حيث نجد أن الباب المذكورة في حفرتين اخرتين يوجد تلبيس من زليج الطراز الايطالي من القرن 17 ربما تم استيراده من اشبيلية بالإضافة إلى هذا نجد فوق الباب الموصلة بين الحجرة الأولى والثانية كوة مقوسة والتي يبدو أنها استعملت ككنيسة للأسرى وهو ما يبرر الزينة المذكورة

السجون المطمورة أركوليجية التاريخ العسكري لتطوان

هذه السجون نشأت في سياق تاريخي مرسوم بالمواجهة بين المسلمين والمسيحيين وبالتالي فهي تشكل وثيقة اركولوجية من التاريخ العسكري لتطوان ، حيث ستصبح هذه السجون معقلا من المعاقل الرئيسة للقراصنة اللذين كانوا يفرون نحو نهر مرتيل الغير العميقة . كما ان سجون تطوان المطمورة قدمت خدمت عامة ساهمت في النظام الاقتصادي للمدينة . وقد لعبت السجون المطمورة في تلك الحقبة دورا مهما كمكان للأسرى الأيبيريين ولا يوجد اتفاق بين المؤخرين حول عدد الأسرى اللذين استقروا بهذه السجون فالتقديرات تتراوح بين  150 و4000 أسير.ووصف كتاب (غابرييل أراندا) “حياة الأب فرناندو ذي كونتريراس المبجل ”  والذي نشر في اشبيلية سنة 1692 والذي نجد فيه وصفا للسجون المطمورة بتطوان ورد فيه ”  تتوفر السجون المطمورة بتطوان على ثلاث طبقات تحت الأرض وهي على شكل مطامير تعلوها شبابيك حديدية وبعض هذه المطامير أو الزنزانات متواصلة فيما بينها عبر ممرات ضيقة . وهي سجون لا تعرف الهواء ولا الشمس ولا يمكن رؤية السماء منها ويتسرب إليها قليل من النور وتستعمل هذه السجون أيضا لحبس المسلمين اللذين ارتكبوا جرائم ” ويضيف الكتاب ” أن السرير عبارة عن ضفيرة من التبن وان السجناء كانوا يقيدون بالسلاسل والأصفاد الحديدية وفي يبقى الأسرى في هذه السجون طيلة النهار و اللهم  إذا خرجوا للشغل فإنهم يخرجون مقيدين بالأصفاد في وقت متأخر ويعيدونهم في وقت مبكر” وهكذا وبشكل ما فان هذه السجون زمر كذلك للعلاقات التجارية والحربية والاجتماعية بين تطوان كمدينة  مغربية أندلسية و المملكة الايبيرية من جهة أخرى.

الرهبان يحررون الأسرى المسيحيين

كان لوساطة التجار اليهود دور مهم في تجارة الرقيق وخاصة عبر أحبارهم في عملية تحرير المساجين، فان جزاء كبير من الشهادات التي وقفت عليها (الجريدة الأولى) حول سجون تطوان المطمورة مصدرها مؤلفات تتعلق بالتاريخ اليهودي بمدينة تطوان ، وكان من أهم الناشطين في  عملية التحرير ” الأب فرناندو ذي كونتريراس” الذي وصف السجون من حيث الشكل والمساحة وأشياء أخرى .بل اقترح عزو مدينة تطوان باستعمال منجم متصل بالسجون المطمورة و المكان الذي يوجد فيه الأسرى في رسالة وجهها إلى الملك فبليبي الثاني ( منشورة في كتاب (غابرييل أراندا ) 1962 والذي نجد فيه وصف السجون . والذي يحكي فيه احد الرهبان اللذين كانوا من فكاكي الأسرى عن شدة الحر داخل المطامير في فصل الصيف ويصف فيه حالة الأسرى وهم مقيدين بالأصفاد والسلاسل وهم تخرجون في وقت متأخر ويتم إعادتهم في وقت مبكر ويضيف أنهم حتى لما يصابوا بمرض فانه لا يتم تحسين سكناهم أو تغييرها من اجل مواجهة المرض . وزار هذه الرهبان وخصوصا منهم البرتغاليين كما يقول  ” الأب فرناندو ذي كونتريراس”  حيث نجد انه في عام  1790  وبعد إعلان مولاي اليزيد الحرب على الاسبان القي بالمساجين والرهبان وحتى قناصله اسبانيا بتطوان في غياهب السجون المطمورة تحت ارض المدين العتيقة لتطوان .

كنيسة الماثموراس

خلال فترة الحماية الاسبانية لمدينة تطوان وفي سنة 1922 سيتم إدخال إصلاحات على هذه السجون المطمورة تحت الأرض والتي تم إنجازها في العقد الثاني من القرن العشرين  حيث قام (غوميث مورينو) بدراسة حولها لتنطلق في نفس السنة أشغال تنظيفها ، وفي 1929 سيتم الكشف النهائي عن خريطة هذه السجون من طرف المهندس الاسباني الشهير( كارلوس اوفيليو) الذي يعود له الفضل في تشييد العديد من معالم مدينة تطوان . ويبدو أن الأشغال اقتصرت على المنطقة التي كان يوجد بها ما تم نعته ب ” كنيسة الماثموراس ”  أو كنيسة المطامير حيث يعتقد اعتمادا على الآثار الموجودة أن السجناء المسيحيين كانوا يمارسون فيها شعائرهم الدينية . وفي سنة 1957 نشر المهندس البلدي بتطوان آنذاك ( الفونسو ذي سيرا أوشوا )  مقالا قصيرا جدا ب (REVITA HISPANA AFRICANA)  تحت عنوان ” اكتشافات وأثار بتطوان ” .

ماذا بقي من ذاكرة تطوان المطمورة ؟

إن كلمة (MAZMORRAS) باللغة الاسبانية تشير إلى سجن للأسرى  كما أنها تتوفر على عدة مرادفات (SAGENA – VITE- CANUTO) بينما في اللغة العربية “مطامير” تبقى كلمة أكثر حيادا فهي تعني حرفيا “مكان الطمر ” أما بالنسبة لساكنة المدينة العتيقة فان هذه الكلمة لا تعدو كونها اسم لحي يشتهر ببيع المواد الغذائية وخاضة المحلبات – حيث يمكنك شرب كاس من العصير بدرهمين – بحي المطامر توجد منازل أشهر العائلات التطوانية الكبيرة ك ( أفيلال و الخطيب و بن مرزوق ……على سيبل المثال )  ويشكل هذا الحي جسرا بين احدث وارفع حي سكني بالمدينة العتيقة ” حي الجامع الكبير” الذي انشأ في القرن 19 عشر والجزاء الأقدم بالمدينة ، ذلك المحيط بقصبة سيدي المنظري  وجامع القصبة وقوس العدل وهو نسخة مصغرة للقوس الموجود بمدخل قصر الحمراء . وفي مبحث الأماكن نجد أن اكبر جزاء من السجون المطمورة يوجد بهذا الحي لكن يجهل مع ذلك الاتجاه والمساحة الدقيقة لهذه السجون . رغم كثرة القيل والقال بان أطرافها تنتشر في جزاء كبير من المدينة العتيقة لتتجاوز بعض أبواب المدينة في اتجاه شارع محمد الخامس فانه من الصعب تقدير مساحتها بحكم كونها اليوم مغلقة ومداخلها مختومة .

أي جهد لفتحها ؟

بشكل عام يمكن اعتبار هذه السجون تجسيدا واضحا لماض مشترك بين الاسبان والمغاربة فالتعايش بين المسلمين والمسيحين والمسلمين واليهود بتطوان لا يمكن استيعابه دون اعتبار للبعد التاريخي لتلك الحقبة ، ففي العصر الحديث كانت الحرب واقعا بحوض المتوسط والسجون المطمورة بتطوان خير شاهد على العلاقات الإنسانية المعقدة في تلك الفترة التاريخية من القرن 18 عشر. وهكذا يعلق ( غولثابيس بوستو) في كتابه ” الموريسكيون بالمغرب ” يقول” السجون المطمورة بتطوان هي اليوم سجون عمومية ولا يوجد بها أسرى ومع ذلك لا يمكننا تركها جانبا فهي أحببنا أم كرهنا جزاء من تجربة تاريخية إنسانية ” ويضيف” فكمعالم تاريخية هذه المطامير تفتقد لأي قيمة ولكن تاريخ ماضينا بالأراضي البربرية حيث عانى الأسرى الاسبان الأمرين يجعلها تستحق النظر إليها بكل احترام وصيانتها بورع ”  .

____________________________________

 

تأسست مدينة تطوان في فترة حرب مستمرة بين المسلمين والمسيحيين، ليس بينهم فقط بل في داخل الدول المسيحية والإسلامية نفسها حيث انتشرت الصراعات الداخلية بين الأسر الحاكمة أو بين المدن والبلدان والمملكات المتنافسة، هذه الصراعات التي أسدلت ظلمتها على ما يعرف بالعالم الحديث، كانت فترة عصيبة، فإذا كانت السفن البرتغالية لم تتوقف طيلة القرن الخامس عشر من مهاجمة الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق حيث استولت على موانيء كسبتة وأصيلة، فإنه بعد سقوط الأندلس تنامت هجمات البرتغاليين والإسبان على الثغور الساحلية بشمال إفريقيا، وقد كانت تطوان بفضل عزيمة الغرناطيين الذين أعادوا تأسيسها إحدى المناطق الساحلية القليلة التي لم تسقط في شباك الهيمنة الإيبيرية، هذا الوضع يفسر جزئيا جذور نظامها الدفاعي كما يوضح سبب تشييد سجونها الفريدة تحت أرض المدينة العتيقة والتي توجد اليوم مغلقة وشبه منسية.

تحصينات تطوان

إذا كانت كل المدن العتيقة بالدول الإسلامية تحاط عبر التاريخ بسور محصن (أو قصبة) ذي بوابات متعددة فإن تطوان جهزت وسائلها الدفاعية كما هو الحال في المدن الأندلسية بأسوار تستلهم النماذج البيزنطية أو تلك الفارسية. فمنذ زمن بعيد وعظمة أسوار تطوان وقصبتها تخلب لب الزوار. ولكن نمو المدينة خلال القرن العشرين ساهم في اندثار جزء من النظام الدفاعي القديم. السياج المسور والأبواب السبعة التي تحيط حاليا بالمدينة العتيقة بتطوان هي نتيجة للتغييرات التي عرفتها هذه المدينة والتي شهدت توسعا متلاحقا عبر تاريخها خاصة في الفترة الممتدة بين أواخر القرن الخامس عشر والقرن الثامن عشر.

إعادة بناء المدينة من طرف سيدي المنظري، القائد العسكري لحصن دي بينيار النصري ورجاله يتجلى اليوم في عناصر البناء الأندلسية المحفوظة في أثار التحصينات الأصلية، والتي لا زالت تقاوم الزمن منها أجـزاء مـن الأسـوار الخارجية وثلاث حصون على مسـار سـوق الحوت والـغـرسـة الكبيرة. من الأبواب الأصلية الثلاثة لم تصمد سوى باب المقابر رغم التغييرات التي طرأت عليها، ويمكن مقارنة أسوار تطوان بتحصينات المدجنين الإسبان فيما يتعلق بنوعية المواد المستعملة وبتعدد أضلاع الحصون ذات الـتـيـجـان المسـئـنـة. أول سـيـاج مسـور محيط بالمدينة هو ذلك الذي تم تشييده في الحي المعروف حاليا بحي البلاد، وهي تسمية عامة تحيل إلى أول تجمع سكني. فيما يتعلق بمرحلة إعادة بناء هذه المديـنـة والذي تم في المرحـلـة الممتدة بين القرن الخامس عشـر وبـدايـات السـادس عشـر فـإنـه مـن الصعب متابعتها بدقة وذلك لقلة المصادر المكتوبة وصعوبة الحصول على الوثائق الخاصة وكذا بسبب الأبعاد الأسطورية التي اتخذتها الروايات الشفهية.

توسيع السياج المسور الأول وازدياد أهمية المدينة تزامن مع وصول المهاجرين الموريسكيين في بداية القرن السابع عشر بعد قانون الطرد الذي أصدره فيليبي الثالث سنة 1609. سكان تطوان الجدد لم ينزحوا فقط من الأندلس ولكن من كل المناطق الإسبانية وخاصة من قشتالة وأراغون. وصولهم لم يكن مصدر ترحاب من طرف سكان تطوان الذين كانوا يعيبون عليهم الحديث باللغة الإسبانية والعيش الدائم في أحضان ذكرى حياتهم المسيحية واتباع تعاليم الإسلام بسطحية. بالإضافة إلى ذلك فإن تطوان كانت منغمسة في مناخ مضطرب من الحروب الأهلية التي انتهت
بوصول أسرة النقسيس للحكم عاكسة غياب سلطة مركزية قوية بالمغرب. في هذا السياق تمثل أسرة النقسيس نموذجا للحكومة المستقلة في المدينة الدولة. على الرغم من كل هذه الصعوبات فإن تطوان تجسد في هذه المرحلة التاريخية حلقة الوصل بأوروبا عبر تشجيع التجارة وازدهارها مع باقي دول الحوض المتوسط. في هذا الإطار يمكن اعتبار النازحين الجدد عنصرا من عناصر انفتاح المدينة الذين جلبوا معهم تاريخا طويلا من التواصل مع شعوب ذات ثقافات ولغات وديانات مختلفة مما عزز النشاط التجاري للمدينة.

عشـرة آلاف مـن الموريسـكـيين سيستقرون بتطوان التي سيصل عدد سكانها في أواسط القرن إلى 25 ألف نسمة.

ارتفاع عدد السكان تجسد في توسّـع المـديـنـة ومـعـهـا محيط الـتـحـصـيـنـات شرق وغرب التجمع السكني الأصلي. فشرقا تشكل حي الـعـيـون الـذي عـرف إلى ذلك الحين بحي الأندلسيين وكذا حي الطرانكات الذي يعود بنا اسمه وطريقة بنائه المتـعـامـدة إلى إمـكـانـيـة اسـتـقـرار الموريسكيين القشتاليين به. إدخال مفهوم المدينة الجديد هذا يؤكد التباين مع طريقة تنظيم فضاء حي البلاد، بينما تشكلت شرقا نواة سكانية تحت اسم الربض الأسفل نتيجة الموقع التوبوغرافي أسفل المنطقة الصالحة للنمو الحضري، هذا التوسع يشمل اليوم مجموعة من الأحياء المتجاورة يموني، باب سعيدة، زوكية وروض حجاج. النمو الاقتصادي والصناعي الذي عرفته المدينة خلال القرن السابع عشر ساهم في تركيب مجموعة من الأحياء التي يسكنها الصناع التقليديون خاصة، ويصف المسافرون الذين زاروا تطوان في أواخر القرن عن مدينة جيدة البناء، مفتوحة وتخلو من الأسوار غير تلك التي أحاطت بالتجمع السكاني الأول على اعتبار أنه لحدود القرن الثامن عشر لن يتم التصدي لوقاية المجال الحضري الموجود بمجموعة الأبواب والأسوار التي احتفظ بها ليومنا هذا والتي أضيفت لها بعض الحصون خلال القرن التاسع عشر.
بناء نظام التحصينات خلال القرن الثامن عشر تم عبر مراحل مختلفة، ويتفق المؤرخون المحليون على كون الحاج عمر لوقاش هو من بنى أغلب المنشأت المدنية في تطوان خلال هذه الحقبة.

لاحقا، وفي مرحلة موالية انطلقت مع أواسط القرن تحت حكومة محمد بن عمر لوقاش، ثم إكمال سياج الأسوار شمال المدينة العتيقة بعد إدماج حي الطلعة، الأجزاء السفلي لهذه الأسوار بنيت باستعمال الأحجار بينما استخدمت في أجزائه العليا، وبشكل عام، قطع الأجر، تتوج قصبة الذياب سياج الأسوار المحيط بتطوان حيث يهيمن على المدينة من فوق حافة تل على جبال الأضلاع غير متناسق والذي أصبح اليوم جزءا شرقيا لبناء عسكري كبير: ثكنة النظاميين الذي تم تشييده في القرن العشرين من طرف سلطات الحماية الإسبانية وهـو عبـارة عن شريط طويل ذي شكل مستطيل ممتد على طول الجزء المرتفـع مـن حـي الـعـيـون. وتجسد القصـبـة خـارج السياج، في اتجاه الشمال، حصنين كانا يحرسان السفح المطل على مقبرة المسلمين. الحصن الغربي والمختفي وراء الثكنة هو ثماني الأضلاع بينما ذلك الشرقي فيتشكل من سبعة أضلاع حيث لازال كاملاً أمام مقابر المجاهدين الذين أعادوا تأسيس تطوان.

هذا الحصن هو الجزء الأكثر تجسيدا للمدينة القديمة: قاعدته تمتد في منحدر، أقـواسـه مفصصة عمياء فوق أطناف، تنفتح بها نوافذ صغيرة كانت تشرف منها المدافع في أزمنة غابرة. كما توجد عبارات إجلال مكتوبة بمنتصف البرج. الإهمال الكامل الذي تعاني مـنـه القصـبـة حـالـيـا والـتـي تشاطرها فيه وللأسف ثكنة النظاميين ومقبرة المجاهدين، تجعل من الجهة الشمالية للمدينة العتيقة إحدى المناطق الأكثر تدهوراً بتطوان. البناء الكامل يتوفر على سبع أبواب لمراقبة نقط العبور للمدينة كانت تغلق ليلا وتفتح مع مطلع الفجر. وقد حافظت هذه الأبواب على أهميتها العسكرية إلى بدايات القرن العشرين. الأسوار والأبواب رسمت كذلك وإلى غاية ذلك التاريخ حدود المجال الحضري للمدينة العتيقة.

وتبدي لنا بعض الوثائق المصورة من القرن التاسع عشر أجزاء لم يتم تعميرها ووجود العديد من الضـيـعـات، والمزارع والحدائق داخل الأسوار. ويعتبر بـنـاء الملاح الجديد بـأسـلـوبـه المتشابك أهم عملية معمارية. أما توسع المدينة خارج الأسوار فقد تم خلال مرحلة الحماية الإسبانية عبر بناء “الإنسانشي” شرق المدينة العتيقة. هذه العملية المعمارية سببت في هدم الجزء الغربي للأسوار الواقعة بين باب التوت وباب الرموز مع إعادة بناء باب التوت شمال موقعها الأصلي. وأصبح الفدان الذي كان أهم حديقة بالمدينةةالعتيقة إلى حلقة وصل بين هذه الأخيرة و”الإنسانشي” ليكون بالتالي نقطة العبور نحو مبنى المفتشية الإسبانية العليا الواقعة فيه. إن إحدى الأبعاد التعبيرية التي تميز الثقافة الإسلامية والتي تتجسد في إضفاء معالم الجمال والزخرف بداخل الأشياء مقارنة مع بساطتها الخارجية هي التي تطبع مجموعةوالتحصينات المحيطة بتطوان التي تبدي اعتدالا في لغة التعبير الهندسية. بعض الأبراج مثل ذلك الواقع بجنب المقبرة الإسلامية تزخرفها آيات قرآنية بينما تزدان باب العقلة وباب التوت بسقايات عمومية مزخرفة بآيات من القرآن الكريم وبفسيفساء زليجية.

الكتاب: المدينة العتيقة في تطوان “دليل معماري”