محمد زاوي

 كم يكون لسان “الصباح” و”الأحداث المغربية” و”الأخبار” سليطا على الأحزاب السياسية! ليس على جميعها، ولكن على الأحزاب الديمقراطية الوطنية منها. خط واحد في الحكم على المشهد الحزبي المغربي، تفتح إحدى هذه الجرائد فلا تكاد تجد إلا تبخيس العمل الحزبي.

ليس هذا ادعاء، بل عين ما تصرّفه الجرائد الثلاث، تحت أقنعة “التغطية الخبرية”، أو عن طريق تحاليل أو تقارير أو حوارات أو مقالات رأي أو استطلاعات تخدم نفس الغرض. وبطرق مختلفة، تعاد صياغة نفس المقولات:

– “ليس في الأحزاب السياسية أملس”:

عبارة المقصود بها هو الحزب (أو الأحزاب) الذي (التي) تتكثف فيه مطالب الطبقات الاجتماعية الأدنى، وليس الأحزاب “الإدارية” التي تأسست على النقيض من الأحزاب الديمقراطية، ولممارسة الصراع السياسي لفائدة الجهات التي تمثلها. ليس عند هذه الأحزاب ما تخسره مخاطبتها بمقولة “ليس في القنافذ أملس”، لأنها تعرف أن هذه المقولة من صميم خطابها السياسي. الخاسر الأكبر، من هذه المقولة، هي الأحزاب الديمقراطية التي تعيش في وضوح الصراع السياسي، وتموت في غموضه وإخفاء حقيقته.

– “لا لهيمنة حزب بعينه على المشهد الحزبي”:

لا للهيمنة، نعم للتوازن. وذلك رهين بمرحلة الانتقال الديمقراطي، وليس واقعا حتميا أبديا. وحتى نصدّق حسن النوايا الناشدة توازنَ التناقض الداخلي المغربي، فإن أصحابها مطالبون بفرض “الرقابة الصحفية” على من يهدد هذا التوازن من طرفي التناقض معا، لا من طرف واحد، هو الطرف الذي يمثل الطبقات الدنيا في المجتمع.

– “هناك أزمة داخلية في حزب ما”:

إنها صحافة تريد للأحزاب السياسية الديمقراطية أن تنفجر من الداخل، تفرح (أو هناك من يدفع لها لتفرح) لضعفها وأزماتها، وتستقبل انشقاقاتها بحفاوة. صحافة تضاعف الأزمات الصغيرة “إعلاميا وخطابيا”، وتخلق رموزا من قيادة حزبٍ ما على النقيض من نفس الحزب. وعوض أن تدفع هذه الصحافة في اتجاه تقريب وجهات النظر، تدفع في اتجاه المزيد من تباعدها. والحقيقة، أنها لن تدفع إلا في اتجاه الفرقة والانشقاق ومفاقمة الأزمات الداخلية للأحزاب الديمقراطية، لأنها، بكل بساطة، وسيلة من وسائل الجهات التي تنفق عليها (مِنح، إشهارات… وكلها مصدرها الطبقات العليا، لا الدنيا).

– “هناك فساد ارتكبه مسؤول في حزب ما”:

من المهم تسليط الضوء على فساد الأحزاب، والإدارة أيضا. إلا أن هناك صحافة تبرَع في تسليط الضوء على فساد يلوح، هنا أو هناك، في الأحزاب الديمقراطية وحدها. وإذا رأيت هذه الصحافة مهتمة لفساد ما في الإدارة، فاعلم أنها موظّفة من قِبل طرف فيها على النقيض من طرف آخر. فمن يوظّف على النقيض من الأحزاب الديمقراطية لمصلحة جهة ما، قابل لأن يوظف على النقيض من طرف في الإدارة لمصلحة نفس الجهة.

– “الصراع الحزبي صراع مصالح خاصة”:

وهذا إخفاء للصراع الحقيقي، الصراع الذي بدأ في المغرب منذ الاستعمار، وإلى يومنا هذا. صراعٌ بدأ مع تشكل الرأسمال الأجنبي (الفرنسي) في المغرب، واستمر مع تشكل الرأسمال المغربي تابعا له. وإذ ننبه إلى خطورة الانتهازية على الأحزاب الديمقراطية، فمن واجبنا عدم الانجرار وراء مواجهة هذه الأحزاب تحت قناع “مواجهة الانتهازية الحزبية”، كلما ارتدِي هذا القناع من قِبل من يوَظّفون على النقيض منها.

– “ليست للأحزاب السياسية أدوار أساسية في الواقع السياسي المغربي”:

إن للأحزاب الديمقراطية الوطنية دوران: دور في واقع التناقض الطبقي، ودور في واقع التناقض الوطني. تمثل مطالب الطبقات الدنيا على النقيض من الرأسمالين الوطني والأجنبي، وتتحالف مع الرأسمال الوطني على النقيض من الرأسمال الأجنبي. هذا هو الدور الذي تنفيه “الصحافة المعلومة” عن الأحزاب السياسية، ولا تقرّ به إلا إذا أذِن لها بذلك.

أخيرا نقول:

المفضوح مفضوح عند من يعلم أن “السياسة هي التعبير المكثف للاقتصاد” (مفكر وسياسي مشهور)، فقط وجب على الشعوب أن تعرف من يدافع بحق عن مصالحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.