ورزازات .. مدينة ترسم معالم التعايش والتسامح بين اليهود والمسلمين

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ورزازات .. مدينة ترسم معالم التعايش والتسامح بين اليهود والمسلمين

شكل التعايش بين اليهود والمسلمين في بلاد المغرب السمة الغالبة على العلاقة بينهم، وأصبحوا يشكلون مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المغربي بعد اندماجهم داخله، ولعبوا دورا مهما في مجالات شتى، خاصة في المعاملات التجارية والمالية، إبان استقرارهم في البلاد.

ولعب اليهود أيضا دورا كبيرا في تحريك عجلة الاقتصاد بالمغرب، من خلال اهتمامهم بالصناعة والحرف التقليدية. كما تعددت مظاهر التعايش بين اليهود المغاربة والمسلمين في الحياة اليومية وفي الثقافة وفي الطقوس والاحتفالات، إذ شكل المجتمع المغربي فضاء ملائما لاستقرارهم واندماجهم به في جو يطبعه التسامح.

وفي هذا الإطار قال مولاي الحسين العلوي، أستاذ وباحث في التاريخ بالجنوب الشرقي للمغرب، إن اليهود يعتبرون جزءا من الكيان السياسي والتاريخي والاجتماعي والجغرافي للمغرب، مضيفا أن “جماعة اليهود كباقي الجماعات البشرية توافدت على المجال المغربي منذ أزمنة غابرة، كما توافدت الهجرات الأمازيغية والعربية بعد الفتح الإسلامي”.

وأوضح العلوي أن تواجد اليهود يعود إلى ما قبل الإسلام وبعد الفتح الإسلامي، وجاؤوا عبر هجرات إلى المجال المغربي، مردفا: “رغم أن هناك غيابا لتاريخ دقيق حول متى دخل اليهود إلى المغرب، إلا أنهم يعتبرون من السكان الأصليين للمغرب، وتواجدهم في المجال المغربي كان منذ أزمنة غابرة”.

وأضاف الباحث في تاريخ الجنوب الشرقي، في حديثه مع جريدة هسبريس الإلكترونية، حول التعايش بين اليهود والمسلمين بالمغرب، (أضاف) أن الطائفة اليهودية المغربية مثلها مثل باقي المواطنين المغاربة، سواء الأمازيغ أو العرب، إذ كان الجميع يتعايش في جود يسوده الاحترام والتقدير.

وتشير الروايات الشفهية، التي استقتها هسبريس من بعض كبار السن، والباحثين في موضوع التعايش بين المسلمين واليهود، (تشير) إلى أن اليهود الفارين من الاضطهاد الذي تعرضوا له في مجموعة من الدول، خاصة بأوروبا، فضلوا الاستقرار في المغرب، حتى قبل الفتح الإسلامي، وتم التعايش مع الطوائف المستقرة آنذاك في المغرب، إلى حين تأسيس دولة إسرائيل وبداية هجرة اليهود نحوها.

المغرب بلد التسامح

في ظل موجات التطرف والعنف والقتل التي تشهدها العديد من الدول في العالم، بسبب التعصب الديني الذي يحكم بعض العقليات التي تتباهى بسفك دماء الأبرياء؛ يبقى المغرب من البلدان الآمنة، إذ إنه يمكن لشخص أن يمارس شعائره الدينية، سواء الإسلامية أو اليهودية أو المسيحية، كيفما شاء وأراد.

وحسب العلوي، فالمغرب يعتبر نموذجا في التعايش والسلم الاجتماعي، موضحا أن التعايش بين الأديان في المغرب ليس وليد اليوم، بل يعود إلى أزمنة غابرة وتعاقب الحضارات، كالحضارة الإغريقية والرومانية والإسلامية، وهو ما يفسر وجود دور عبادة مختلفة بالمغرب.

وأكد الباحث عينه أن تعزيز التسامح الديني والحوار بين الأديان، ظل أحد العناصر الرئيسية في توجه المملكة المغربية العلوية الشريفة، لافتا إلى أن التسامح الديني والحوار بين جميع الأديان، جعلا المغرب يعيش في الأمن والاطمئنان، مؤكدا أن المغرب يكرس جهوده للحث على التسامح والتعايش السلمي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وعاد المتحدث نفسه، في حديثه عن اليهود بالمغرب، ليؤكد أن جل مناطق المغرب كان بها اليهود، ليس فقط في مراكش أو الصويرة، بل أيضا بإقليم ورزازات وتودغى وزاكورة، وغيرها من المناطق بالجنوب الشرقي، وكانوا يعيشون وسط المسلمين في جو يسوده الاحترام.

مقابر يهودية

حسب تصريحات استقتها هسبريس من المهتمين بتاريخ اليهود بإقليم ورزازات وعدد من المرشدين السياحيين، فإن الإقليم عينه يتوفر على ما يزيد عن 27 مقبرة يهودية موزعة على عدة مناطق، من بينها المقبرة الواقعة وسط مدينة ورزازات، وبالضبط في حي واد الذهب.

هشام بوغزوال، مهتم بتاريخ اليهود ومرشد سياحي بمدينة ورزازات، أكد أن المقابر اليهودية الموجودة بإقليم ورزازات تعبر عن التعايش الذي كان يعيشه اليهود والمسلمون والتآخي الذي يميز علاقتهما، مشيرا إلى أن اليهود المستقرين حاليا في إسرائيل مازالوا يزورون مقابر آبائهم وأجدادهم.

وأوضح بوغزوال، في تصريح لهسبريس، أن مقبرة اليهود وسط مدينة ورزازات، تضم المئات من القبور التي تم ترميم أغلبها والبقية سترمم عما قريب، موضحا أن هذه المقبرة تضم شخصين يهوديين من أكبر الحاخامات اليهودية بالمغرب، وهما يعقوب بينتو، وهو حفيد حاييم بينتو الذي تزوره الطائفة اليهودية كل سنة بمدينة الصورة، والآخر اسمه الحاخام نحمياس.

وأكد المتحدث عينه أن المقابر اليهودية الموجودة بإقليم ورزازات، والمغرب عموما، تجسد التعايش والتسامح بين المسلمين واليهود في القرون الماضية، موضحا أن بعض المقابر بإقليم ورزازات يفوق عمرها 300 سنة، ومزال اليهود يزورونها بكثرة.

الموسم الديني “الهيلولة”

بالإضافة إلى مجموعة من الأمور التي تجسد التعايش والتسامح اللذين يميزان علاقة اليهود والمسلمين بالمغرب عموما، وإقليم ورزازات على وجه الخصوص؛ هناك موسم ديني يهودي يقام سنويا بمنطقة إغرم نوكدال، حيث يرقد الحاخام “دافيد أوموشي”.

بمنطقة إغرم نوكدال التابعة إداريا لإقليم ورزازات، إذ ينظم سنويا الموسم الديني المقدس لدى اليهود المعروف بـ”الهيلولة”، الذي يقام منذ أكثر من 234 عاما بهذه المنطقة، وهو ما يفسر أن الديانة اليهودية كانت تحترم من طرف المسلمين، يقول أحمد زاعيم، أستاذ باحث في التاريخ بإقليم ورزازات.

وأكد زاعيم، في تصريح لهسبريس، أن موسم الهيلولة الذي تحتفل به الطائفة اليهودية بإقليم ورزازات، يعبر عن مدى تقبل المسلمين لليهود في القرون الماضية، ويعبر أيضا عن مدى التعايش الذي كان بينهما، خاصة وأن العائلات اليهودية والإسلامية تتبادل الزيارات، وتبارك لبعضها البعض المناسبات، سواء الإسلامية أو اليهودية.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً