تأثيرات تراجع النفوذ الأمريكي على النظام الدولي

قالت ورقة بحثية صادرة عن مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المستقبلية إن الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة الأمريكية من مواقع سيطرتها المختلفة حول العالم، يُثير تساؤلا رئيسيا حول مستقبل النظام الدولي القادم.

وفي إطار الإجابة عن هذا التساؤل، ناقش “بيتر زيهان” (مؤسس مؤسسة زيهان الجيوسياسية نائب الرئيس بمؤسسة ستراتفور لأكثر من اثني عشر عامًا) في كتابه المُعنون “أمم متفرقة: التكالب على القوة في عالم غير محكوم”، كيفية تغير النظام الدولي بالتزامن مع تحولات القوى الكبرى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الكتاب، يطرح الكاتب تصورًا مستقبليًّا للنظام الدولي الجديد.

الورقة التي اعتمدت على الكتاب المذكور أكدت أن زيهان يجادل بأن العالم قد تمتع بمكاسب غير عادية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى النظام الدولي الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يسمح بالتبادل التجاري الآمن بين الدول. ويرى الكاتب أن التجارة الحرة ليست مجرد تبادل للسلع والخدمات، بل هي شبكة عالمية من التحالفات يحكمها نظام إداري عالمي.

وأضحت الورقة أن الولايات المتحدة عقدت تحالفات مع دول عدة، من بينها ألمانيا واليابان، وقد استمر عدد الدول المتحالفة معها في الازدياد حتى انهار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، فانضمت دول الكتلة الشرقية الشيوعية إلى دول الكتلة الغربية الرأسمالية، ولحقت الصين التي أرادت تحقيق مكاسب اقتصادية من الاندماج مع الاقتصادات الرأسمالية، فحدث توازن واستقرار عالمي، مخلفًا وراءه ممرًّا تجاريًّا آمنًا ومنظمًا بين دول العالم.

لكن الورقة ترى أن سقوط الاتحاد السوفيتي السابق قد ثبّط من عزيمة الولايات المتحدة على الحفاظ على النظام الدولي. كما ساعدت طفرة النفط الصخري الأمريكي في تقليل حاجة واشنطن إلى نفط منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تعد تهتم بالحفاظ على استقراره بصورة كبيرة كما كان في السابق.

لذا، شددت الورقة على أن “النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية قد ولّى، ويشير إلى أننا بصدد نظام جديد تحكمه المنافسة بين أمم صغيرة بآسيا وأوروبا. وأكبر شاهد على هذا هو إدارة الرئيس دونالد ترامب التي هي بمثابة انحراف واضح عن مسار السياسة الأمريكية المعتاد”.

وأضاف الورقة أن السنوات الأخيرة أثبتت فشل السياسة الخارجية الأمريكية، ويعزو “زيهان” ذلك إلى تركيز الولايات المتحدة على تطوير أدواتها العسكرية بشكل أكبر من أدواتها الدبلوماسية ومساعداتها الاقتصادية التي تقدمها للدول منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو الأمر الذي جعل سياستها الخارجية ضعيفة مقارنة بدول أخرى.

وبناء على ذلك، تجادل الورقة بأن عام 2020 هو العام الفاصل لزيادة كراهية الولايات المتحدة الأمريكية وسياستها الخارجية على مستوى العالم، مشبهة إياه بعام 2003 عندما سقط العراق في يد الاحتلال الأمريكي، مخلفًا وراءه كراهية عالمية لأمريكا وممارساتها.

وأشارت الورقة إلى ملامح الاضطراب في النظام الدولي الجديد، حيث ترى أن التحالفات لن تستمر بدون مجابهة تهديدات متنوعة. وذكرت أن الاتحاد الأوروبي معرض للتفكك نتيجة زيادة نقاط الخلل في مؤسساته، حيث ستتراجع مكانة ألمانيا داخل الاتحاد مفسحة المجال لفرنسا للقيام بدور أكبر، ويعزى هذا إلى امتلاك باريس جيشًا عسكريًّا قويًّا ومتطلعًا، مما سيُكسبها مزيدًا من النفوذ العالمي فتهمين على الوجود الألماني. ويتحدث الكاتب عن ضعف بريطانيا تدريجيًّا في أعقاب خروجها من الاتحاد الأوروبي، وأنها ستتحول إلى تابع لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية.

وقالت الورقة إن الاقتصاد الصيني ضعيف لأنه قائم على نظام اقتصاد الفقاعة، وهو ما يجعله معرضًا للتدهور في ضوء انسحاب الولايات المتحدة من تأمين الممرات التجارية وضعف الاقتصاد الصيني القائم على التجارة العالمية، ومن ثم عدم قدرتها على التحول إلى قوة عسكرية عالمية. ولذلك ترى الورقة أن على الدول الاستعداد للاعتماد على الذات في النواحي التصنيعية في ظل احتمالية تأثر التجارة مع الصين.

وأضاف المصدر ذاته أن مفهوم الاستمرارية، الذي هو أحد المفاهيم الراسخة عند القوى الكبرى، سيتغير قريبًا. فمع اضطراب النظام الدولي لن تكون الدول الكبرى قادرة على الاستمرارية في الحفاظ على أمنها الغذائي، والصحي، والمجتمعي، والمائي، والسياسي، حيث إن المهدِّدات القادمة لن تتعلق باستعمال السلاح أو الاستعمار من قبل قوى كبرى، وإنما هي مهددات غير تقليدية بحاجة إلى تفكير غير نمطي في مواجهتها.

ورصدت الورقة تأثر قطاع الطاقة العالمي وتأثر الأمن الغذائي مع تراجع الحماية التي تقدمها الولايات المتحدة لدول العالم، ويرجع ذلك إلى اعتماد دول العالم على استيراد أنواع معينة من الطعام والسماد التي ترتبط بضمان تدفق حركة التجارة العالمية. ومع تراجع الحماية الأمريكية، يحدث خلل في السلاسل الغذائية العالمية، ويزيد معدل الجوع حول العالم، وحينها لن ينصبّ تركيز العالم على مكافحة الإرهاب، وإنما على تأمين طرق التجارة، مما سيدفع الدول إلى تبنّي استراتيجيات أمنية جديدة.

وعند تحقق هذا السيناريو، حسب الورقة، سيكون الأمن الاقتصادي والغذائي قائمًا على موارد الدول المحلية، مما سيمثل ميزة نسبية لفرنسا والأرجنتين والولايات المتحدة، نظرًا لامتلاك هذه الدول أراضي زراعية واسعة وعالية الجودة، فضلًا عن أنظمة نقل داخلية منخفضة التكلفة، وقدرة على الوصول الآمن إلى موارد الطاقة، وقوة عاملة شبابية. أما الصين فستكون في مأزق لافتقارها إلى كثير من تلك العناصر. وكل ما سبق سيكون مؤثرًا بالسلب على المكاسب المادية التي حققتها الدول خلال عقود، فتزيد حدة الفقر، وتتراجع برامج التنمية داخل الدول.

وتنبأت الورقة بإعادة تشكل الملامح الجيو-سياسية للدول بفعل التغييرات المناخية، وبتراجع حركة التنمية داخل الدول بسبب أزمات العولمة. وتوقع الكاتب حدوث انهيار اقتصادي بالدول الكبرى يصاحبه ارتباك سياسي، وتراجع مؤسسي، وهنا ستظهر الحاجة داخل الدول الديمقراطية إلى إعادة صياغة العقود الاجتماعية مع المواطنين، وهو ما سيتطلب أوقاتًا طويلة، فتشكيل الإمبريالية الأوروبية-على سبيل المثال-قد تطلّب قرونًا حتى وصلت الدول الأوروبية إلى ما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية.