المهـــدي المزواري
وزير الصيد البحري في حكومة المنصوري الذي وثَّق المجلس الأعلى للحسابات تورطه في الاستفادة من المال العام عبر “الريع الحزبي” تحت يافطة “مكتب دراسات”
على غير المتوقع، بدأت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري عهدها، الذي انطلق يوم أمس الجمعة، على وقع عدد قياسي من القضايا الجدلية التي تلاحق مجموعة من أعضائها، الذين يفترض أن رباعي الأغلبية قدمهم باعتبارهم “بروفايلات” مناسبة لطموح تشكيل “حكومة سياسية” تتدارك الأخطاء التي راكمتها التجربة السابقة …
أحد هذه الأسماء هو الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، أحمد المهدي المزواري، أحد أعضاء الحكومة الذين يحملون ألواح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والذي وثق تقرير للمجلس الأعلى للحسابات تورطه في اختلالات مالية رفقة الحسن لشكر، نجل الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، وريم العاقد، ابنة عضو في المكتب السياسي للحزب.
الأمر يتعلق، وفق ما توصلت إليه “الصحيفة” استنادا إلى ما ورد في الصفحات 88 و89 و90 من تقرير المجلس الأعلى للحسابات، حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي للسنة المالية 2022، الصادر في دجنبر من سنة 2023، حيث استفاد الاثنان، عبر شركتهما، من المال العام، عبر الحزب الذي ينتميان إليه، في إطار “إنجاز دراسات” كانت محط العديد من الاختلالات التي وثقها قضاة المجلس.
جزء من تقرير المجلس الأعلى للحسابات – ص 88
ووفق التقرير، استفاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بتاريخ 9 نونبر 2022، من دعم عمومي سنوي إضافي بقيمة مليون و930 ألفا و896 درهما، مخصص لتغطية المصاريف المرتبطة بإنجاز الدراسات، قبل أن يتعاقد مع مكتب الدراسات “MELA STRATEGIE & CONSEIL” لإنجاز 23 دراسة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والبيئية، مقابل مبلغ إجمالي قدره مليون و835 ألف درهم.
واسم مكتب MELA هو دمج لجزء من الاسم العائلي لشخصين، المهدوي المزواري، عضو المكتب السياسي للحزب، والحسن لشكر، ابن كاتبه الأول، وهما معا شريكان في رأسمال الشركة، إلى جانب ريم العاقد، وهي قريبة أحمد العاقد، الذي كان مدير الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، وعضو المكتب السياسي للحزب.
وحسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات، فقد حُوّل الحزب المبلغ الإجمالي المتفق عليه إلى مكتب الدراسات بتاريخ 28 دجنبر 2022، أي بعد شهر و18 يوما من توصله بالدعم العمومي …
وشملت الدراسات المتعاقد بشأنها مجالات الإصلاح الجبائي والمقاولات الصغرى والمتوسطة والنقل واللوجستيك والقطاعات المنتجة ونجاعة الاقتصاد الوطني، إلى جانب قضايا الفئات الاجتماعية والتربية والتعليم والتكوين والحماية الاجتماعية والتشغيل والموروث الثقافي، فضلا عن الحكامة وسيادة القانون والوضع المؤسساتي وإعداد التراب وسياسة المدينة وإصلاح الإدارة، إضافة إلى قطاعات الماء والطاقة والتعدين.
وسجل المجلس الأعلى للحسابات أن الحزب أبرم عقدا مع المكتب المذكور تضمن مقتضيات عامة لتنفيذ الدراسات الـ23 بثمن جزافي إجمالي قدره مليون و835 ألف درهم، داخل أجل أربعة أشهر من تاريخ تبليغ أمر الشروع في الخدمة، دون إبرام اتفاقيات خاصة تحدد شروط إنجاز كل دراسة وثمنها بشكل منفصل …
واعتبر قضاة المجلس أن غياب هذه الاتفاقيات ترتب عنه عدم وجود مقتضيات تعاقدية ومعايير تفصيلية تحدد بوضوح الحاجيات والمتطلبات وكيفية إنجاز الدراسات، بما يضمن جودة مخرجاتها ووجاهة الاقتراحات التي تتضمنها.
وفي ما يتعلق بالوثائق المقدمة لتبرير النفقات، كشف التقرير أن الحزب أدلى بـ21 وثيقة فقط من أصل 23 دراسة متعاقد بشأنها، دون تقديم الدراستين المتعلقتين بـ”مؤشرات قياس الحكامة في المجال المؤسساتي” و”مؤشرات قياس سيادة القانون”.
وأظهر فحص الوثائق الـ21، وفق المجلس الأعلى للحسابات، أنها كانت عبارة عن عروض أو مذكرات موجزة تتضمن معلومات واقتراحات عامة متاحة للعموم، وليست دراسات مستوفية للمنهجية العلمية المعتمدة في هذا المجال.
وسجل المجلس أن مكتب الدراسات لم يلتزم بعدد من الخطوات المنهجية الأساسية، من بينها تحديد أهداف كل دراسة وتعريف سياقها ومجالها ونطاقها، وصياغة الإشكاليات والفرضيات الأولية، وإجراء البحث الوثائقي وتحديد البيانات والمؤشرات المطلوبة ….
كما شملت الملاحظات غياب الالتزام بالخطوات المتعلقة باختيار أساليب وأدوات البحث وتجميع المعطيات، بما فيها الاستبيانات والبحوث الميدانية والعينات والمقابلات، فضلا عن فرز المعلومات وتصنيفها وتحليلها واستخلاص النتائج والمؤشرات والدروس المستفادة منها.
وأشار التقرير كذلك إلى عدم احترام المتطلبات المرتبطة بتحرير تقارير الدراسات، التي يفترض أن تتضمن المنهجية المعتمدة والنتائج والاقتراحات المتوصل إليها، مع الإشارة إلى مصادر المعطيات والمعلومات المقدمة.
وكان المجلس الأعلى للحسابات قد وجه ملاحظتين إلى المسؤول الوطني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتاريخ 8 يونيو 2023، تتعلقان بغياب الاتفاقيات الخاصة بكل دراسة وعدم احترام المخرجات المقدمة للمنهجية العلمية، مع منح الحزب أجل ثلاثين يوما لتقديم تبريراته، قبل أن يتوصل بأجوبته بتاريخ 10 يوليوز من السنة نفسها.
وفي ما يتعلق بالجزء غير المستعمل من الدعم العمومي، أفاد التقرير بأن الحزب أعاد إلى الخزينة، بتاريخ 13 يونيو 2023، مبلغا قدره 95 ألفا و896 درهما، يمثل الفرق بين إجمالي الدعم السنوي الإضافي الذي توصل به، والبالغ مليون و930 ألفا و896 درهما، والمبلغ الذي صرح بصرفه على الدراسات، والبالغ مليون و835 ألف درهم.
وجاء إرجاع هذا المبلغ عقب الملاحظة التي وجهها المجلس الأعلى للحسابات إلى الحزب، تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 43 من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية. ..
وكان المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي لقوات الشعبية، قد رد على ما ورد في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، في بلاغ صدر بتاريخ 29 مارس 2024، والمثير في الأمر أنه دافع، باستماتة، على استفادة مكتب MELA على أموال عمومية عن طريق الحزب الذي ينتمي إليه أصحاب رأسمال الشركة …
وأورد الحزب أنه جرى الاستماع إلى عرض الكاتب الأول بخصوص ما جاء في التقرير، موردا أنه تعاقد مع مكتب دراسات لإنجاز مجموعة من الدراسات والأبحاث، مضيفا “لا شيء في القانون يمنع الحزب من اختيار والتعاقد مع مكتب دراسات يراه أهلا للقيام بإنجاز أبحاث ودراسات سياسية لفائدة الحزب”.
واعتبر البلاغ أن “الكثير من الأحزاب السياسية في العديد من التجارب المقارنة تمتلك مكاتب دراسات وتوظف خبراء وباحثين يشتغلون لفائدتها، مما يقوي حكامتها دون أن يطرح أي إشكال قانوني أو أخلاقي”، مضيفا أن “إنجاز دراسات لفائدة حزب سياسي يجب أن يكون من قبل من يتملكون مرجعية الحزب وثقافته السياسية، وعلى علم بتاريخه وبتطلعاته السياسية، ومن هم على دراية بأوراقه السياسية وببرامجه الانتخابية”.
وأوردت الوثيقة أن مكتب الدراسات الذي تم التعاقد معه “له مطلق الحرية في التعاقد مع خبراء وباحثين لإنجاز الدراسات التي عهد إليه بإنجازها شريطة أن تكون مخرجاتها متوافقة مع أدبيات ومرجعيات الحزب، وأن تجيب عن الأسئلة والإشكاليات المجتمعية والسياسية التي يطرحها الحزب، وأن تقدم تصورات وأفكار عملية غير متناقضة مع مرجعيات الحزب”.
وقال البلاغ إن “جودة الدراسات والأبحاث لا تقاس بالكم وبعدد الصفحات، بل بقيمة ما تتضمنه من تحليل وما تقدمه من خلاصات ومقترحات، وأجهزة الحزب هي وحدها من يملك حق الخوض في مضمونها وتقييمه”، وتابع “لا يوجد في القانون ما يتيح للمجلس الأعلى للحسابات مناقشة مضامين ومخرجات هذه الدراسات، لأن الأمر يتعلق بدراسات لأهداف سياسية، والمجلس الأعلى للحسابات يمارس رقابته على مدى احترام المساطر ولاحق له في تقييم المضامين تفاديا للخروج عن واجب الحياد المفروض في قضاة المجلس الأعلى للحسابات”.
وذكر المكتب السياسي للحزب أن “الدراسات المنجزة لفائدة الحزب موجهة للاستعمال الداخلي بهدف تجويد الفعل السياسي للحزب، وليست موجهة للنشر للعموم، كما أنها موجهة في مجملها للمساهمة في الرفع من مستوى السياسات العمومية لبلادنا”، رابطا الأمر بـ”خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح البرلمان يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018”.
واعتبر الوثيقة أنه “يتضح من المقتضيات القانونية بشكل جلي بأن تقديم المحتوى الكامل للدراسة هو مجرد ممارسة فضلى وليس التزاما يقع على عاتق الحزب العمل به، فما ينبغي تقديمه هو بيانات ومعطيات ذات طبيعة عامة تعرف بالدراسة وبالجهة التي قامت بإعدادها وبالتواريخ المتعلقة بإنجازها والمبالغ المالية التي رصدت لها……
المصدر : موقع جريدة الصحيفة

