الحكومة تبيع المرفق العمومي عبر “التمويل المبتكر” “البريكولاج”

قال الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي إن الحكومة تبيع المرافق العمومية المرتبطة بالحاجيات الأساسية للمواطنين، كالصحة والتعليم، عبر آلية “التمويلات المبتكرة”، التي تغيب فيها أدنى شروط الوضوح والشفافية، وأكد أن نجاح الدولة الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق دون توفير موارد قارة، في حين تلجأ الحكومة لتغطية نفقاتها بهذا الخصوص لـ”البريكولاج”، كما هو حال “التمويل المبتكر”.

واعتبر أقصبي في تصريح لموقع “لكم” أن “التمويل المبتكر” أخطر من الخوصصة، فالخوصصة همت الشركات والأبناك ومؤسسات أخرى تابعة للدولة، دون أن تمس المرفق العمومي، كما أن الخوصصة توفرت فيها المعطيات والأرقام ولو في حدها الأدنى، أما “التمويل المبتكر”، فهو أن تبيع الدولة المرفق العمومي، دون أن يعرف أحد المرافق المعنية بالضبط، ولا سعر البيع ولا المقابل الذي سيتم تأديته كل سنة، ولا أي معلومة أخرى.

 

وأوضح أن “التمويل المبتكر” هو أن تبيع الدولة منشأة ما، كما هو شأن مستشفى “ابن سينا” بالرباط، وتقبض ثمنه، ثم تواصل العمل فيه، على أن تؤدي مقابلا، كواجب للكراء، بشكل سنوي.

وأفاد المتحدث أن حجم الموارد المالية التي دخلت عبر هذه الآلية بلغ ما بين 2019 و2025 ما مجموعه 111 مليار درهم، ويشير مشروع قانون مالية 2026 أن الموارد المتوقعة من “التمويلات المبتكرة” في السنة المقبلة هي 35 مليار درهم إضافية.

وأضاف أقصبي أن آلية “التمويلات المبتكرة” تمكن الحكومة من بيع كل ما كان محرما خوصصته من مرافق تمس الحياة اليومية للناس، ويتم البيع لمؤسسات يمكن الضغط عليها سياسيا، كما هو شأن صندوق الإيداع والتدبير، أو الصندوق الوطني للتقاعد، عبر عقود يلفها غموض كبير.

ولفت أقصبي إلى أن غياب الوضوح والشفافية في هذه الآلية دفع المجلس الأعلى للحسابات في تقرير سنة 2021 إلى سؤال الحكومة حول طبيعة المداخيل المتأتية منها، فإما أن الحكومة باعت هذه الممتلكات، وبالتالي أصبحت ممتلكات مخوصصة، وإما أن هذه الممتلكات لا تزال في يد الدولة، وفي هذه الحال ينبغي اعتبار الأموال المتأتية من “التمويل المبتكر” ديونا، وبرمجة 111 مليار درهم، إضافة إلى 35 مليارا الجديدة ضمن الديون وليس المداخيل.

والمفارقة، حسب أقصبي، أن الحكومة ترفض برمجة هذه المداخيل ضمن الديون، وفي نفس الوقت لم يتم حذف المؤسسات المعنية بهذا البيع من ممتلكات الدولة.

وأضاف أن لا أحد يعرف كلفة هذه التمويلات المبتكرة، وما الذي تؤديه الدولة كل سنة لكراء المؤسسات التي باعتها في إطار هذه الآلية، وكم سنة ستستمر في الأداء. ثم ما الذي تتضمنه هذه العقود، وبعد نهاية مدة العقد، هل ستذهب الملكية أم أن الدولة ستؤدي مبلغا لاستعادة المؤسسات المعنية، وهي أسئلة معلقة تعكس الانعدام التام للشفافية.

وارتباطا بالموضوع، نبه أقصبي إلى أن تمويلات المبتكرة تؤثر على ديمومة مشاريع الدولة الاجتماعية، فلا يمكن للدولة الاجتماعية أن تنجح في أي بلد دون ضمان شروط التمويل الدائم، والحكومة منذ البداية لم تقم بالإصلاحات التي من شأنها تنمية التمويل الذاتي، وتعمد لـ”البريكولاج” كما هو حال التمويلات المبتكرة.

وأضاف أن هذا “البريكولاج” في التمويل خطير، “فكم سنبيع وإلى متى؟ وحتى إن بعنا المغرب بأكمله، فلن نتمكن من تلبية التزامات الدولة الاجتماعية، سواء التغطية الصحية أو الدعم المباشر أو غيرها من المشاريع، فلدينا حاجيات ونفقات ترتفع كل سنة، وفي المقابل تمويلها يتم بالبريكولاج، ولا توجد شروط الديمومة”.

وشدد أقصبي على أن التمويل عبر النظام الجبائي هو القار، لأن قاعدته هي الاقتصاد، فالضريبة على الدخل تعني مداخيل تروج في الاقتصاد، وضريبة القيمة المضافة تعني المبيعات والمواد الاستهلاكية، وضريبة الشركات تعني الأرباح، لكن التمويل المبتكرة، يعتمد على ملك عمومي ليس موجها للبيع وإنما لخدمات اجتماعية، لكن إذا بعناه مرة لا يمكن بيعه مرات أخرى.

واعتبر المحلل الاقتصادي أن الإصلاح الجبائي في المغرب لم يتم بالشكل اللازم، بل كان إصلاحا عكسيا، أفقر الفقير وأغنى الغني، حيث تحملت الطبقات الوسطى والهشة كلفة الإصلاح، ونمت المداخيل الضريبية على ظهرها، في حين أنه لا يزال هناك هامش لإقرار العدالة الضريبية، باستهداف جيوب الأغنياء.

وحول مدى استجابة مشروع مالية 2026 لمطالب شباب “جيل زد”، فقذ اعتبر أقصبي أن الاستجابة إذا كانت تعني الكم، ففعلا قد تم رفع الميزانيات الخاصة بالصحة والتعليم، وهو ما يتم منذ سنوات وقبل الاحتجاج، لكن السؤال هو هل استجاب المشروع من حيث الكيف.

واستطرد “الميزانيات ترتفع منذ سنوات كميا، لكن ومع ذلك المشاكل لا تزال هي نفسها، وهذا ما أخرج الاحتجاجات، والجواب على المطالب ليس بالرفع من الميزانية فقط، وإنما في كيفية صرفها.. والدفاع عن المطالب يتطلب التفاوض على هذه الأرقام المتضمنة في الميزانية ومسالكها، وهو ما يقتضي من الشباب الجلوس بوجه مكشوف على طاولة الحوار”.