الأوروعربية للصحافة

هل تندلع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني؟

تزايدت خلال الفترة الأخيرة مظاهر التوتر بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، بالرغم من أن الحرب كانت جارية بين الطرفين طوال الشهور الماضية عندما أعلن حزب الله أنه سيكون قوة إسناد للفصائل الفلسطينية في حربها الجارية في قطاع غزة في مواجهة الجانب الإسرائيلي.

وقد أدى تصاعد تصريحات كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين وكذلك تصريحات حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، حول القدرات التي يمتلكها كل طرف؛ والتي يمكن أن تؤدي إلى حسم المواجهات المؤجلة بينهما بصورة كبيرة؛ إلى تحرك العديد من القوى الإقليمية والدولية لمحاولة وقف هذا التصعيد ومنع اندلاع حرب شاملة يمكن أن تهدد الاستقرار في المنطقة ككل.

وللإحاطة بأبعاد الموقف الجاري حالياً في شمال إسرائيل، من المهم استعراض مواقف الأطراف المختلفة في الأزمة، وصولاً إلى تقدير ما إذا كانت الفترة المقبلة سوف تشهد حرباً واسعة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، وكذلك شكل هذه الحرب وتداعياتها ليس فقط على إسرائيل ولبنان ولكن على الإقليم بصفة عامة.

مواقف إقليمية ودولية:

تتمثل مواقف أبرز الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة بالتصعيد الحالي بين إسرائيل وحزب الله اللبناني في الآتي:

1- إسرائيل: تعددت تصريحات كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين حول ضرورة شن حرب لتأمين المنطقة الشمالية، بعد أن أدت المناوشات المتبادلة مع حزب الله اللبناني إلى إخلاء حزام المستوطنات في تلك المنطقة وتهديد الاستقرار فيها وتشتيت الجهود العسكرية لإسرائيل، والتي استمرت منذ أحداث السابع من أكتوبر الماضي في غزة.

وأوضح تصريح لوزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، في 19 يونيو 2024، أنه في نهاية تقييم الوضع في القيادة الشمالية مع كل من رئيس الأركان وقائد القيادة الشمالية وقائد القوات الجوية؛ فإن التقدير الاستراتيجي لتلك القيادات قد تضمن أن الجيش الإسرائيلي يستعد وسوف يستمر في الاستعداد لمواجهة أي تهديد يأتي من المنطقة الشمالية سواء في الدفاع أم الهجوم. وأكد غالانت أن الوضع في الشمال لن يستمر على ما هو عليه، وسوف يتغير سواء بتسوية أم بعملية عسكرية واسعة النطاق؛ مشيراً إلى أنه من الضروري أن يكون الهدف الاستراتيجي هو إعادة المواطنين الذين تم تهجيرهم بسبب ضربات حزب الله الموجهة إلى تلك المنطقة.

كما قال غالانت، يوم 26 يونيو الماضي، في ختام زيارة استمرت عدة أيام إلى واشنطن، إن “حزب الله يدرك جيداً أنّنا قادرون على إلحاق أضرار جسيمة بلبنان إذا اندلعت حرب”. وأضاف “لدينا الإمكانية لإعادة لبنان إلى العصر الحجري لكننا لا نريد القيام بذلك”، مؤكداً أن الحكومة الإسرائيلية تستعد لكل السيناريوهات. وفي هذا الإطار، كشف مسؤولون أمريكيون لصحيفة “نيويورك تايمز”، يوم 28 يونيو الماضي، عن أن غالانت غيّر موقفه بشأن فتح جبهة جديدة للحرب في الشمال مع حزب الله، ويرى أن “فتح جبهة جديدة لن يكون قراراً حكيماً”.

كذلك أعلن عدد من كبار قادة الجيش الإسرائيلي، وعلى رأسهم رئيس الأركان، أنه من الضروري القيام بعملية عسكرية واسعة لتحجيم نشاط حزب الله والقضاء على قدراته العسكرية. وتزامنت مع ذلك تصريحات كبار الشخصيات والوزراء اليمينيين المتطرفين حول ضرورة شن حرب شاملة ليس فقط على حزب الله وإنما على الدولة اللبنانية لتحميلها مسؤولية ما يقوم به حزب الله على الحدود الشمالية لإسرائيل، وتأكيد أن تل أبيب لن تسمح بتهديد أمنها، وأن ما جرى في غزة ليس قابلاً للتكرار.

يُضاف إلى ذلك، إبلاغ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة اعتزامه شن حرب خاطفة في لبنان، فضلاً عن إصدار تصريحات تنتقد الإدارة الأمريكية الحالية لعدم تقديمها الأسلحة والذخائر المطلوبة؛ في إشارة إلى أن ذلك يمكن أن يؤثر في القدرات الإسرائيلية لشن تلك الحرب.

2- حزب الله اللبناني: تكررت تصريحات كبار المسؤولين في حزب الله منذ 7 أكتوبر 2023 عن أن الحزب يمثل قوة إسناد وساحة إضافية لما يجري في قطاع غزة، وأن العمليات العسكرية بين الحزب وإسرائيل مرتبطة بصورة كبيرة بما يحدث هناك، وأن تحقيق الهدنة أو وقف القتال في الشمال يرتبط بصورة أساسية بوقف القتال في القطاع.

ويمثل خطاب حسن نصر الله، في 19 يونيو الماضي، نقطة فارقة في موقف حزب الله. وعلى الرغم من أن هذا الخطاب كان موجهاً للداخل الإسرائيلي والوسطاء، وخصوصاً الولايات المتحدة، فإنه أشار إلى ما يملكه حزب الله حالياً من أسلحة متطورة وما حصل عليه من أسلحة جديدة وتطوير لقدراته العسكرية. وهذا يعني أنه عند حدوث عملية عسكرية بين إسرائيل وحزب الله، فلن تكون عملية محدودة أو سهلة، لكنها ستكون حرباً مفتوحة بين الطرفين.

وقد كشف حديث نصر الله عن تقديره للصعوبة التي تواجهها كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، خاصةً في منطقة رفح؛ ومن ثم جاءت إشارته إلى أن الحرب الشاملة والمفتوحة سوف تكون الخيار الضروري إذا لم تتوقف الحرب في غزة. وأشار نصر الله إلى أن لدى حزب الله بنك أهداف استراتيجية إسرائيلية، وأن المُسيّرة “الهدهد”، والتي صورت المناطق الاستراتيجية تؤكد أن لدى الحزب قدرات متصاعدة على اختراق المنظومة الدفاعية الإسرائيلية والوصول إلى مناطق أكثر أهمية سواء عسكرية أم مدنية.

3- الولايات المتحدة: انطلق الموقف الأمريكي من التطورات خلال الأسابيع الأخيرة من محورين أساسيين؛ الأول كان محاولة تقريب وجهات النظر، والاضطلاع بجهود وساطة قادها ممثل الرئيس الأمريكي، عاموس هوكشتاين، خلال زيارات مكوكية لكل من تل أبيب وبيروت، التقى خلالها شخصيات لبنانية مقربة من حزب الله وخاصةً نبيه بري، الحليف القوي للحزب.

وتركزت جهود هوكشتاين على موافقة حزب الله على انسحاب قواته إلى جنوب نهر الليطاني والعودة إلى تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701، والذي يحدد الخط الأزرق كمنطقة فاصلة بين قوات إسرائيل والقوات العسكرية ويُبقي المنطقة الممتدة من الخط الأزرق إلى جنوب نهر الليطاني خالية من وجود عسكري لحزب الله. وهذا هدف إسرائيلي واضح المعالم منذ فترة؛ وذلك لتوسيع المنطقة العازلة بين الحدود الإسرائيلية والوجود العسكري لحزب الله، وبما يضمن عدم وجود أنفاق أو منصات دفاع جوي للحزب في تلك المنطقة، ويحقق الأمن لشمال إسرائيل بصورة كبيرة.

وأعلن هوكشتاين أثناء زيارته لتل أبيب، بعد زيارة بيروت، فشل مهمته، وأن كلا الطرفين يسعى إلى زيادة التوتر، وعاد إلى الولايات المتحدة على أمل أن تُبذل جهود أخرى للوساطة تسمح بسحب كل مبررات التوتر والتصعيد الجارية حالياً.

أما المحور الثاني للموقف الأمريكي فتمثل في المساندة العلنية الواضحة للجانب الإسرائيلي، وتمثل بصورة كبيرة في إعادة نشر حاملات الطائرات الأمريكية في منطقة البحر المتوسط والحديث المتكرر عن تقديم المساعدات العسكرية والذخائر لتل أبيب والخضوع إلى الابتزاز الذي قام به نتنياهو من خلال الفيديو الذي نشرة واتهم فيه إدارة جو بايدن بعدم المساندة. فوافقت واشنطن على صفقة أسلحة ضخمة تتجاوز 18 مليار دولار لإسرائيل؛ بما يعني دعماً واضحاً لتل أبيب إذا فكرت في الحرب.

4- أوروبا: كان واضحاً منذ بداية العمليات العسكرية في شمال إسرائيل على الحدود اللبنانية، حجم الاهتمام الأوروبي بتلك التطورات، وخاصةً الموقف الفرنسي الحريص على عدم اتساع العمليات العسكرية في لبنان وعدم تحمله مسؤولية ما يجري في غزة بصورة كبيرة، ومن هنا نشطت الجهود الأوروبية لدعم جهود المبعوث الأمريكي هوكشتاين للتوفيق بين الطرفين، كما جرت اتصالات بين دول أوروبية لها علاقات متميزة بإيران، لوقف هذا التصعيد وعدم تجاوزه للأسقف المحددة والمنضبطة.

وينطلق الموقف الأوروبي في أحد جوانبه من القلق من أن تؤدي أية عمليات عسكرية واسعة في لبنان إلى تزايد الهجرة من هذا البلد سواء من اللبنانيين أم اللاجئين السوريين؛ مما يثير المخاوف من موجات هجرة غير شرعية جديدة إلى دول جنوب المتوسط الأوروبية. ووفقاً لتقديرات بعض الدول الأوروبية، فإن الحرب بين إسرائيل وحزب الله يمكن أن تندلع خلال أيام؛ لذا نصحت كثير من الدول مواطنيها بمغادرة لبنان.

5- إيران: تُعد طهران الطرف الحاضر في الأزمة الحالية منذ بدايتها وحتى الآن، ويمثل حزب الله بالنسبة لإيران شريكاً أساسياً ونقطة التماس مع إسرائيل. وتعتبر طهران أن بقاء حزب الله واستمرار قدراته العسكرية وما يحمله ذلك من تهديد لتل أبيب، حائط صد ضروري في مواجهة المخططات الاستراتيجية لإسرائيل لضرب إيران وتقويض قدراتها العسكرية والنووية. ومن هنا كانت المساندة الإيرانية لحزب الله واضحة، وتعددت زيارات كبار المسؤولين الإيرانيين لبيروت، خاصةً القائم بأعمال وزير الخارجية الحالي، وكذلك إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني؛ إذ التقوا خلالها القيادات العسكرية والسياسية في حزب الله، وهو ما يمثل نوعاً من الدعم.

كما أكدت تقارير استخبارية وعسكرية متعددة أن إيران قدمت في الفترة الأخيرة أسلحة أكثر تطوراً لحزب الله، وأمدته بطائرات مُسيّرة حديثة وذخائر متعددة، وكأنها تُعِد الترسانة العسكرية لحزب الله لعملية عسكرية واسعة يمكن أن يتعرض لها إذا قررت القيادة الإسرائيلية شن عملية عسكرية ضد الحزب.

وينطلق الموقف الإيراني، كذلك؛ مما أعلنه المرشد الأعلى، علي خامنئي، بشأن ضرورة مواصلة العمليات ضد إسرائيل، وتعزيز “قوى الإسناد” الموجودة في المنطقة والمرتبطة بطهران لدعم حركة حماس في حربها ضد إسرائيل، والمساومة بالموقف الإيراني في مجمله فيما يجري من ملفات عالقة مع الولايات المتحدة. ولعل الضغوط التي واجهتها إيران في الفترة الأخيرة، وخاصةً من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي عبّرت عن موقف أمريكي وأوروبي متصاعد، تكشف عن ذلك بوضوح.

مسارات متوقعة:

على الرغم من التصعيد الواضح من قيادات إسرائيل وحزب الله اللبناني، لا تزال الأمور حتى الآن ضمن إطار “الرد المتبادل”، وإن كان “سقف الردع” قد ارتفع بصورة واضحة خلال الفترة الأخيرة؛ وهو ما يمكن تفسيره بما يلي:

1- إن تصعيد نتنياهو والقادة العسكريين بالحديث عن عملية عسكرية خاطفة على لبنان وتدمير القدرات العسكرية لحزب الله، الهدف في جانب منه ممارسة نوع من الابتزاز للإدارة الأمريكية الحالية، ومحاولة لإضعاف فرص فوز الرئيس بايدن في الانتخابات القادمة، وتهيئة المجال لعودة منافسه دونالد ترامب الذي يأمل نتنياهو في أن يقدم له كل الدعم المطلوب لموقفه في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، أو أن يخضع بايدن للمطالب الإسرائيلية بدعم القدرات العسكرية لتل أبيب بصورة كبيرة، ويسمح لنتنياهو بالخروج من أزمة غزة التي لم يحقق ما أعلنه من مطالب استراتيجية فيها بتوسيع العمليات العسكرية في الشمال بزعم عودة السكان إلى المستوطنات في الحزام المحيط بالحدود اللبنانية بعد تصاعد انتقادات السكان في تلك المناطق إلى جانب مستوطنات غلاف غزة؛ وهو ما يضعف من شعبية نتنياهو في النهاية.

2- يتضمن حديث نتنياهو عن الحرب المُحتملة ضد حزب الله في جانب منه نوعاً من الترضية لرموز اليمين المتطرف في حكومته، والتي بدأت تضغط لتقويض التحالف الذي تمثله حكومة نتنياهو؛ وهو ما يخشاه الأخير، كما يخشى الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

3- فيما يخص الولايات المتحدة، وعلى الرغم من مظاهر الدعم العسكري والسياسي المتعددة لإسرائيل، فإنها لا تزال تسعى إلى عدم رفع درجة التوتر وتهديد الاستقرار في المنطقة بما يحول دون تنفيذ استراتيجيتها لدمج تل أبيب في الإقليم وإنشاء نوع من التحالف في مواجهة إيران. كما تخشى واشنطن من أن تؤدي الحرب الإسرائيلية على حزب الله إلى تحرك إيراني أكثر وضوحاً ومشاركة فعالة في العمليات؛ بما يهدد الاستقرار في المنطقة والممرات المائية فيها؛ وهو ما يخشى بايدن من أن يذهب إليه في هذا الوقت العصيب مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل.

ختاماً، وبالنظر إلى ما سبق؛ فإنه على الرغم من كل المؤشرات التي تتحدث عن مواجهة عسكرية واستعدادات من جانب إسرائيل وحزب الله اللبناني للعملية القادمة، فإنه من غير المرجح أن يبادر أي من الطرفين بهذه العملية. ويُتوقع أن يكتفي كل منهما بممارسة أكبر قدر من الردع، وأن الوساطة الجارية ربما تدفع حزب الله لقبول سحب قواته إلى جنوب نهر الليطاني، على ألا تدخل القوات الإسرائيلية إلى تلك المنطقة، ويكتفي بوجود القوات العسكرية اللبنانية وقوات “اليونيفيل” لحفظ السلام فيها. وهذا ما يمثل نوعاً من الحلول الوسطى؛ إذ يوفر لإسرائيل مساحة أوسع للانتشار، ويُبقي على هدف حزب الله الاستراتيجي بأن الحدود اللبنانية الإسرائيلية لا تتعلق بالخط الذي حدده القرار 1701؛ لأن هناك مناطق في مزارع شبعا وفي الجولان المُحتل يعتبرها حزب الله أرضاً لبنانية فيما تعتبرها إسرائيل أرضاً سورية محتلة؛ وهو الأمر الذي يمكن أن يسحب من حزب الله مبرراته لامتلاك السلاح بدعوى تحرير أراضٍ لبنانية محتلة.