تعتبر بطولة كأس العالم حدثا رياضيا استثنائيا يلقي بظلاله عادةً على العلاقات بين الدول والمجتمعات مثلما يبرز أهمية كرة القدم كقوة ناعمة كثيرا ما يتم استغلالها سياسيا واقتصاديا لتدعيم مكانة البلدان داخل الساحة الدولية. يعكس ذلك حجم التنافس المحموم بين الدول من أجل نيل شرف تنظيم هذه البطولة، ناهيك عن حجم الميزانيات المخصصة لها، ولعل نسخة قطر 2022 تبرز هذا الأمر بشكل جلي بالنظر إلى مستوى التنظيم والأهمية السياسية التي احتلها الحدث المقام لأول مرة في دولة عربية.
الارتباط بين كرة القدم و السياسة ليس وليد اليوم، فهو يرجع إلى مراحل مبكرة مثلما يشرح ذلك باسكال بونيفاس، وهو يؤكد بأن كرة القدم قابلة للتطويع بالشكل الذي يجعلها وسيلة للتعبير عن مواقف سياسية غالبا ما تكون معارضة للأنظمة السلطوية، لقد حدث ذلك لنظام الخميني في الثمانينات وللمجلس العسكري بالأرجنتين في كأس العالم لسنة 1978. بيد أن نسخة مونديال قطر 2022 اكتست فيها العلاقة بين السياسة و كرة القدم و أيضا الثقافة شكلا أخر جسده الجدل الذي رافق قراردولة قطر منع الفرق الكروية أو المتفرجين من رفع أية رموز أو إشارات تدعم المثلية، بدعوى مخالفة هذا الأمر للقوانين وتعارضه مع الخصوصية الثقافية الإسلامية للبلد المضيف، نفس الأمر يسري على قرارها منع تناول الخمور داخل الملاعب. لقد أبرزت هذه الإجراءات نوعا من صدام القيم والثقافات وكذلك مقاومة مجتمعات العالم الثالث للهيمنة الثقافية الليبرالية للغرب، وتجلى رفض هذه الهيمنة أيضا في شعارات الجماهير العربية والإسلامية الممجدة لشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم أثناء حضور الرئيس الفرنسي ماكرون لمباريات منتخب بلاده.
لقد تعددت المؤشرات القوية التي حملها مونديال قطر 2022 والمعبرة عن دفاع المجتمعات العربية والإسلامية عن قيمها الثقافية و الدينية ، حيث يمكننا استحضار تفاعل الجماهير العربية والإسلامية مع تأهل المنتخب المغربي لنصف النهاية، إذ أخذت فرحة هذه الجماهير شكلا تعبيريا يرمز لتشبتها بخصوصيتها الثقافية، و للاعتراف بها كمكون تاريخي وحضاري للمجتمعات الإنسانية. يمكن القول بعبارة أخرى بأن التفاعل الجماهيري مع انتصارات المنتخب الوطني المغربي كانت دليلا قاطعا على بحث المجتمعات العربية عن شيء من الاعتراف بها، وفرصة كذلك لإعادة تأكيد حضورها التاريخي بعدما ظلت لقرون تعيش على هامش التاريخ بسبب تخلفها الناتج عن حقب استعمارية جاءت بعدها أنظمة سلطوية افترست نخبها السياسية المال العام وقمعت أجهزتها الأمنية التيارات المختلفة، وأسفرت في النهاية عن تعطيل عجلة التنمية بهذه المجتمعات.
شكل مونديال قطر2022 فرصة للمختصين كي يسعوا إلى تفكيك دلالاته السياسية و الثقافية المختزلِة للكثير من المعطيات.. إنها معطيات تجعل من كرة القدم مدخلا تحليليا لفهم العلاقة بين الأنساق السوسيوثقافية في زمن العولمة، فبقدر ما حاولت هذه الأخيرة بواسطة مخرجاتها المادية والتقنية تهميش السرديات الكلاسيكية للمجتمعات وتعويضها بسرديات ثقافية سائلة تمجد حرية الفرد على حساب المجتمع ويتحدد فيها وجود الأفراد بمستوى امتلاكهم واستهلاكهم لمنتجاتها التقنية، بقدر ما أصبح التشبث بالخصوصية الثقافية في هذا المونديال مؤشرا على محدودية تأثير العولمة الليبرالية.يمكن القول كذلك إن مجتمعات المهمشين أصبحت مجبرة على استغلال كرة القدم – مثلا مع وصول الفريق الوطني المغربي للمربع الذهبي- بشكل يعيد إليها الإحساس بالتفوق والوجود، إنها فرصة تعبر فيها هذه المجتمعات بشكل ضمني عن التعطش للانتصارات الغائبة التي هجرتها لسنوات عديدة، إنه نوع من البحث عن ملاذ أخير يخرجها من حالة اليأس مثلما يعزز هويتها الثقافية و ينصف قضاياها العادلة وأولها قضية فلسطين، نرى كيف أن العلم الفلسطيني يجاور العلم المغربي أثناء تعبير اللاعبين المغاربة عن فرحتهم بالفوز، كما أن الجماهير المساندة للفريق المغربي لاتتوانى عن حمل راية فلسطين والهتاف بمشروعية قضيتها التاريخية.
من جهة أخرى، تعتبر المساندة الشعبية لفلسطين فشلا سياسيا للدول العربية المطبعة مع المحتل الإسرائيلي، والذي أصبح هو الآخر يعيش على وهم التطبيع كحل لاختراق المجتمعات العربية وفرض وجوده ككيان سياسي مشروع، لكن مونديال قطر 2022 فند من هذا الجانب كل الطموحات الرامية إلى إسكات أصوات الجماهير المقهورة و المجتمعات المسكونة بعقدة النقص الحضاري أمام الغرب. قد لا أبالغ إذا قلت إن الصراع الحضاري تجدد بين الشرق و الغرب تحت أقبية ملاعب قطر مثلما تغذى وعي الشعوب و منها الشعب المغربي بإمكانية تحقيق المستحيل إذا تم العمل بالنية الحسنة حسب تعبير المدرب المغربي وليد الركراكي.
أهم ما يمكن استخلاصه من تألق المنتخب الوطني المغربي خلال مونديال قطر 2022 هو مكانة القيم الأخلاقية في مسار نجاحه، و هذا ما عكسه لاعبو المنتخب سواء من خلال أدائهم الرياضي أو تكريم أمهاتهم من خلال حضورهن المباريات بشكل دائم. لعل الدروس هنا تتجاوز ما هو كروي لتبعث رسالة اجتماعية وسياسية مفادها أن غياب العزيمة والوازع الأخلاقي ناهيك عن انعدام الثقة بالنفس قد تفسر إلى حد بعيد فشل التنمية الاقتصادية وسوء تدبير الشأن العام بالعالم العربي. فوجود غالبية الدول العربية في ذيل الترتيب لعديد من المؤشرات التنموية بالعالم ليس قدرا محتوما، بل هو ناتج بالأساس عن تخلف الوعي الاجتماعي للأفراد و عدم مصداقية النخب الحاكمة وسوء سياساتها، فهي نخب متسلطة وريعية لا يهمها غير المحافظة على الحكم ، وليست معنية أن يكون عملها هذا على حساب تقدم المجتمع، فضلا عن كون جل مكونات هذه النخب مستحوذة بشكل كامل على الموارد الطبيعية والمال العام الذي تعتبره بشكل من الأشكال ملكا خاصا يوجد تحت تصرفها و لا يمكن مساءلتها عن أساليب التصرف فيه. إنه واقع غالبية الدول العربية التي تفتقر بنياتها المؤسساتية في الحكم للوازع الأخلاقي و التربوي حسب تعبير عبد الله العروي وسط سيطرة لغة القمع و نهب الثروات.
لقد فتحت لنا مجريات مونديال قطر 2022 الباب لمساءلة الواقع السياسي والاجتماعي للدول العربية عبر إعادة تأويل هذه المجريات ومحاولة الحفر في حمولتها الضمنية والعميقة بغية ربطها جدليا بالوضعية الحضارية والتاريخية للدول العربية.
إن الأمر الذي يستدعي للانتباه هنا هو دور كرة القدم في إحياء و تقوية الشعور بالانتماء الجغرافي والثقافي لدى الشعوب العربية والإسلامية، لأن القومية كانت في الأصل توجها سياسيا اقترن لفترات طويلة بنظام جمال عبد الناصر والإيديولوجية البعثية في مراحل متأخرة. حينها تم استغلال معطيات العقيدة والثقافة والتاريخ لشرعنة أنظمة سلطوية تم تحوير أهدافها السياسية بسبب غياب قيم الديمقراطية داخل مشروعها المجتمعي ناهيك عن أساليبها القمعية في إدارة الحكم. لكن عندما نتحدث عن كرة القدم والقومية فالتحليل يهتم كثيرا بقدرة هذه الأخيرة على إعطاء دفعة جديدة للإحساس القومي لدى المجتمعات العربية والإسلامية، يحدث ذلك لأن هوية هذه المجتمعات قد ظلت مجروحة لمدة طويلة بسبب توالي الهزائم التاريخية ، لذا فدرجة الاستثمارالاجتماعي للانتصارات الكروية للمنتخبات العربية في المونديال ترمز إلى بحثها عن بدائل تنسيها زمنا من الهزائم المتتالية، مثلما تعطيها من جديد الثقة في النفس والتفاؤل لمواجهة تحديات العولمة.
إن الأمل المنبعث من الانتصارات الكروية يتطلب مراجعة نقدية لأسباب تخلف المجتمعات العربية عبر فهم أسباب تعثر مسار وحدتها و دمقرطتها. كما يأمل أنصار التفاؤل أن تكون هذه الانتصارات بداية لانتصارات أخرى أكثر أهمية، تتمثل أساسا في إعادة الاعتبار للإنسان داخل المجتمعات العربية من خلال توفير الشروط الضرورية لتنميته والاعتراف به كمواطن له الحق في العيش الكريم والكرامة. الوصول إلى هذا الهدف مرتبط بتوفر إرادة سياسية وعقد اجتماعي ديمقراطي يؤسس لتصور جديد للوطن وللدولة. لقد حان الأوان بأن تتم دمقرطة الدول العربية ومأسستها بشكل عميق يقطع مع كل أساليب الشخصنة والسلطوية التي ما تزال هي الثوابت الأساسية لبنية الدولة العربية.