هكذا أنزلت جائحة “كورونا” علم النّفس بالمغرب من برجه العاجي

كيف ينتشر الخوف الجماعي؟ وما أسباب الأمل والرّهاب الجماعيين من الجائحة؟ وأيّ دروس يجب استيعابها منها، لتسطّر أولويات لمستقبل ما بعد تجاوزها؟

في الجزء الثاني، والأخير، من مقال الكاتب والنّفساني الغالي أحرشاو يوضّح أنّ “الشبكات” الرقمية هي التي تسرع من ظاهرة عدوى الرّهاب الجماعي والفردي، ويشرح دور “الانزياح المعرفي” في تفاؤل العالم وتشاؤمه، كما يتتبّع ما لهذه الجائحة من فضل على علم النّفس بالمغرب بعدما أنزلَها من برجها العاجي بالجامعة، وجعلها تحقّق ما لم تستطع تحقيقه إشعاعا وممارسة منذ عقدين من الزّمن.

ويراهن الكاتب المغربي، في مقاله هذا، على ضرورة استغلال مناسبة الجائحة لبناء وعي كوني شامل ودائم، قوامه العمل على توظيف وتسخير قيم العلم، والتعلم، والتعاون، والتكافل، مستخلصا درسا أساسيا من ما يعيشه العالم اليوم، هو: الحاجة إلى “منح الأولوية للاستثمار في منظومة البحث العلمي، والابتكار الطبي، والاقتصاد الرقمي”.

رهاب الجائحة في ظل المقاربة النفسية

أكيد أنه خلال حالات الخوف الجماعي التي عاشتها البشرية على مر تاريخ الأوبئة المختلفة، فإن الخوف الفردي من أي شيء لا يمكنه إلا أن يتغذى من الخوف الجماعي للآخرين والعكس بالعكس. ففي حالة جائحة كوفيد-19 الحالية يبدو أن هذه المعادلة حاضرة بقوة نتيجة المنسوب القوي والسريع للمعلومات والأخبار الفاقدة للمصداقية أحيانا، التي تنشرها وسائل الإعلام والاتصال المتنوعة بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي. فحسب كثير من المتخصصين في علوم النفس والتواصل والذكاء الاصطناعي، فإن هذه الشبكات التي لم يسبق لها أن تواجدت خلال جائحة بهذا الحجم، هي التي تسرع من ظاهرة عدوى الرهاب الجماعي والفردي على حد سواء. فصور الطابورات الطويلة والرفوف الفارغة والمستشفيات المكتظة وطواقم الأطباء المنهكة، وفيديوهات ورسائل الترهيب والتخويف والإشاعات المغرضة التي تعج بها هذه الشبكات إلى حدود التخمة، كلها تشكل مادة خصبة لزرع مشاعر الخوف والهلع، وإثارة عواصف من الانفعال والقلق، والرفع من وتيرة الاستجابات وردود الأفعال الآلية غير المراقبة. فحينما تصبح مثل هذه الصور والفيديوهات هي الأكثر استهلاكا ومشاهدة بغض النظر عن مدى واقعيتها، فمن الطبيعي أن يتفاعل معها أغلب المشاهدين من خلال الاعتقاد أن ما تبثه وتعرضه من ممارسات وسلوكيات يمثل الشيء الصحيح الذي يجب القيام به.

وهذه مسألة أصبحت محسومة في المقاربة المعرفية للظواهر النفسية والاجتماعية؛ بحيث حينما لا يعرف الفرد كيف يتفاعل مع المواقف التي لم يألفها، مثلما هو الحال بالنسبة لمستجدات وتداعيات جائحة كوفيد-19، فإنه يستنجد الدعم والتوجيه أو يتماهى مع ما يفعله الآخرون. فإذا كنت في فضاء للتسوق ورأيت بالصدفة الزبائن يكثرون من اقتناء أنواع من البضاعة، فالراجح أنك قد تفعل بشكل تلقائي ارتكاسي الشيء نفسه دون أن تفكر في العواقب أو أن تتأمل الأمر لتتحقق مما إذا كان الشيء الذي قمت به لا يشكل بالضرورة الشيء الصحيح الذي يجب القيام به.

السؤال المطروح إذن يتلخص في كيف ينظر العلم في بعده السيكولوجي إلى ممارسات وسلوكيات الأفراد والجماعات تجاه كوفيد-19؟ ما هي مبرراته التفسيرية لنوبات الهلع والقلق التي تحل بالبعض في مقابل لحظات الهدوء والسكينة التي يعيشها آخرون؟ في محاولة تقديم إجابة أولية بهذا الخصوص، يمكن الافتراض بأن الانزياح المعرفي biais cognitif لجزء من ساكنة العالم نحو التفاؤل يمكنه أن يشكل أسلوبا مفيدا لتهدئة هلعهم وتوترهم. فهم يعتقدون بأنهم أقل عرضة لعدوى هذا الفيروس إما لصغر سنهم أو لمناعتهم القوية أو لاحتياطاتهم المكثفة في النظافة والتغذية والعزل الصحي. وفي المقابل فإن الانزياح المعرفي لجزء آخر من تلك الساكنة نحو التشاؤم يمكنه أن يمثل أسلوبا مساعدا على ترويعهم والرفع من توترهم إلى حد الظن بأن التقدم في السن وقلة المناعة ستحكم عليهم بالإصابة بهذا الفيروس وبالموت حتما بالرغم من كل المحاذير والاحتياطات المختلفة.

ومن منظور سيكولوجية المواجهة Psychologie du coping التي نتبناها في التعامل مع هكذا ظواهر، فإن نفس هذا الانزياح نحو التفاؤل ظهر أثناء الأزمة المالية العالمية لعام 2008؛ إذ اعتقد كثير من رجال المال والأعمال والاقتصاد والسياسة أن الوضع يمكنه أن يصمد أمام الأزمة في تجاهل تام لمعطيات ومؤشرات تفشيها وتداعياتها الوخيمة. فهذا الوهم المعرفي الذي قد يغطي 80٪ من ساكنة العالم بمختلف بلدانها وجميع أعمارها، هو الذي يقودها في اعتقادنا الشخصي إلى التقليل من احتمالات التعرض للكوارث والأوبئة كما هو الحال في جائحة كوفيد-19. وهو وهْمٌ يشكل في الآن نفسه وَجِيهَةً تجمع بين خاصية خطورة إيجابية الأفكار والأحكام تجاه تلك الكوارث والأوبئة لدى أصحاب الانزياح المتفائل، وخاصية أريحية سلبية الأفكار والأحكام تجاه نفس الكوارث والأوبئة لدى أصحاب الانزياح المتشائم.

ففي حالة وباء كورونا الذي يعيشه العالم حاليا، فإن الانزياح نحو التفاؤل، من ضمن عوامل أخرى، يمكنه أن يفسر على أساس أن جزءًا من الساكنة لا تتمثل ولا تقيم خطورة الوباء بالشكل المطلوب، أو أن شحناتها الانفعالية الداخلية وظروفها المادية المعيشية تحكم عليها بصعوبة الامتثال لتدابير الوقاية والحذر والعزل والاحتواء. ولكي نوضح المسألة بصورة أعمق، فإن وسائل الإعلام بمختلف منابرها وفي شتى أقطار المعمور، بقدر ما تعج بأخبار ومعلومات تؤكد على خطورة الوباء الحالي وفداحة تداعياته، فقد اتضح من دراسات في سيكولوجية المخاطر أنجزت على عجل في الأيام الأخيرة في مناطق مختلفة من العالم، أن غالبية المستجوبين يغمرهم تفاؤل كبير بشأن التقليل من خطر الإصابة بالعدوى. لكن الملاحظ أنه مع كثافة انتشار الفيروس وصرامة الإجراءات المتخذة للحد من تفشيه، أصبح التفاؤل القوي يتراجع بنسبة دالة ولم يعد يقوى أمام منسوب التشاؤم السريع بفعل الحجم الهائل للخسائر في الأرواح والاقتصاد والخدمات التي تداوم المنابر السابقة الذكر على بثها بشكل مفرط وممل في كثير من الأحيان. فقد ارتفع منسوب القلق والخوف من الإصابة بالعدوى لدى أكثر من 70% من ساكنة العالم. وبالتالي فمتى كان سبب الوباء عبارة عن فيروس – لغز فجائي يلفه الغموض من حيث أصله ومصدره ودوائه ولقاحه، إلا وكانت ردود أفعال نسبة كبيرة من الناس محملة بمخاوف وتوترات تتزايد حدتها مع مرور الوقت، وتتضاعف كلفتها الصحية جسديا ونفسيا. وفي المقابل يكون العكس هو الصحيح بالنسبة للحوادث المألوفة والمخاطر المعروفة الأسباب والعواقب، وفي مقدمتها حوادث السير والسكتات القلبية وأمراض السرطان والسكري والتدخين التي تحصد مئات الآلاف من الأرواح يوميا عبر العالم دون أن تصاحبها نوبات الفوبيا العارمة التي تعيشها ساكنة العالم هذه الأيام بفعل كوفيد-19.

جائحة كوفيد-19 في ظل الممارسة النفسية بالمغرب

إن المغرب الذي يعيش هذه الأيام في عزلة ذاتية، شأنه في ذلك شأن ما يقارب نصف ساكنة العالم، للاحتماء من عدوى فيروس كورونا، قد اتخذ في وقت مبكر إجراءات صارمة ومكلفة من قبيل: إغلاق الحدود مع أغلب دول العالم، العزل المنزلي فضلا عن الحجر الصحي، منع التنقل بين المدن والبوادي، ضبط ومراقبة التجول نهارا ومنعه ليلا، ثم نزول السلطات الأمنية بمختلف مكوناتها إلى الشوارع في معظم المدن والقرى، وبالتالي الانخراط في أكثر عملية عزل قسري وحصار طوعي على مر تاريخه الممتد لما يقارب 14 قرنا.

ولعل أهم مقومات أسلوب تعامل المغرب مع هذه الجائحة منذ حلول فيروسها اللغز ضيفا شبحا قادما من الخارج في أوائل شهر مارس الماضي، هو نجاحه الواضح في تعبئة جبهته الوطنية وتحصينها عبر تقوية انتمائها الوطني وتعزيز رابطها الاجتماعي وتفعيل قيم التضامن والتكافل والمسؤولية والالتزام. فقد تميز أسلوب التعامل هذا بتعبئة وطنية دينامية وشاملة لأغلب الطاقات والكفاءات والموارد المادية والبشرية التي تزخر بها ربوع الوطن وجهاته المختلفة. فما عدا بعض الخروقات القليلة للعزل الصحي المتحكم فيها، فالكل أصبح معبأ للإبحار بسفينة المغرب والمغاربة بشتى فئاتهم العمرية والجغرافية والاجتماعية إلى بر الأمان، وبالتالي الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر والأضرار وخصوصا في الأرواح.

في محاولة تقييم مكانة ودور علم النفس في مواجهة بعض تداعيات هذه الجائحة فإن أهم خلاصة مؤقتة يمكن التأكيد عليها هي أن هذا العلم يعتبر إلى جانب علوم الطب والذكاء الاصطناعي والتواصل والمعلوميات، التخصص المعرفي الأكثر بروزا خلال ظهور هذا الوباء في المغرب. فقد حقق على مستوى الإشعاع والممارسة خلال هذه المدة الوجيزة ما لم يحققه على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن من استقلاله كتخصص قائم الذات. فبفعل مساهمات كثير من باحثيه وأخصائييه وممارسيه على مستوى مواكبة الصحة النفسية للمغاربة المصابين وغير المصابين قبل العزل الصحي وأثناءه وأكيد بعده، إما بالإنصات والاستشارة والتوجيه، وإما بالدعم والتدخل والمرافقة عبر مختلف وسائل الاتصال والإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبح هذا العلم يقوم فعلا بوظيفته التطبيقية التي لطالما كان منزوعا منها ويفتقدها قبل حلول جائحة كوفيد-19 بالمغرب.

ذن فبعدما كان علم النفس وإلى عهد قريب يقبع في برجه العاجي داخل أسوار الجامعة، مكتفيا بالتدريس والبحث الأكاديمي، بعيدا عن الانفتاح على مشاكل المغاربة وصحتهم النفسية والعقلية إلا فيما نذر، أصبح اليوم وفي مدة قياسية يجاري من حيث مكانته علوم الطب والهندسة والذكاء الاصطناعي والمعلوميات والتواصل التي يتقاسم مع كثير منها حقل ما يسمى بالعلوم المعرفية. وبتعبير أوضح فإن هذا العلم الذي لم تكن ممارسته التطبيقية تتجاوز بعض المساهمات المحتشمة إما داخل الفضاء الجامعي وإما في بعض المؤسسات الصحية والأمنية والعدلية المحدودة، وذلك بفعل أولا سيادة الأنماط الثقافية والثمثلات الاجتماعية المقاومة لخدماته، وثانيا تهميشه على صعيد التثمين المؤسساتي وتقديم الخبرة والاستشارة النفسية، صار في زمن كوفيد-19 يصدق عليه القول المأثور”وربَّ ضارة نافعة” ليقوم بدور كبير في حماية صحة المغاربة النفسية من تداعيات هذه الجائحة، على الرغم من أن أغلب ممارسيه ممن يعملون خارج أسوار الجامعة ومراكز وعيادت الطب النفسي، لا زالوا يفتقرون إلى القانون الذي ينظم ويحمي مهنة عالم النفس. والحقيقة أن تمكين هؤلاء الذين يقدر عددهم بما يقارب 150 ممارس، من قانون ينظم مهنتهم ويحميهم من كل شطط أو تطاول على التخصص من قبل بعض الدخلاء والطفيليين الذين كانوا ولا زالوا يستغلون فراغ غياب هذا القانون لينخرطوا في ممارسات شعبوية وخرافية يعبثون فيها بصحة المغاربة النفسية ويستصغرون وعيهم ويستنزفون أرزاقهم، أصبح من الإجراءات الواجب حسمها من لدن الجهات المختصة. فبهكذا إجراء ستتقعّد المهنة وستتبدّى فوضى الممارسة النفسية بالمغرب؛ إذ سيعرف كل أخصائي وكل ممارس سيكولوجي ما له وما عليه، وبالتالي ستتوقف طواحين الهواء عن الدوران والعبث وستعود خفافيش الليل إلى دهاليزها المظلمة لتصمت وتنام إلى غير رجعة.

تبعا لما تقدم يمكن التسليم بأن علم النفس بالمغرب، وبالرغم من بعض مظاهر التطور التي حققها في السنوات الأخيرة والتي مكنته حاليا من المساهمة الفعلية في مواجهة بعض تداعيات جائحة كوفيد- 19 النفسية، فهو لا يزال يتخبط في مشاكل توطينه ومأسسته، تكوينا وبحثا وممارسة. ونعتقد أن تجاوز هذا الوضع ومختلف أساليب المقاومة التي يسلكها البعض للإبقاء على واقع الحال كما هو عليه، يستدعي استعجالية العمل بالإجراءات الأربعة التالية:

– توسيع قاعدة السيكولوجيا عندنا لتشمل كل الجامعات والكليات والمعاهد كشعبة قائمة الذات، وليس كمسلك يفتقد إلى الشروط البنيوية والتأطيرية والبحثية للتخصص الفعلي، أو كوحدات تكميلية تُدَرَّسُ ضمن مسالك تخصصات أخرى؛

– تعزيز وتمتين الهوية العلمية لعلم النفس بالمغرب عبر تقوية تشبُّعه بالتخصصات البيولوجية الطبية والعصبية المعرفية والمرضية العيادية، تكوينا وبحثا وإنتاجا وممارسة؛

– الخروج بمنظومة علم النفس البحثية من داخل أسوار الجامعات لمقاربة مشاكل المغاربة الحقيقية في مختلف مستوياتها وتمظهراتها المعرفية والوجدانية، الفطرية والمكتسبة، السوية والشاذة، التعلمية والمهنية، الصحية والأمنية وغيرها.

– اعتبار علم النفس مثله مثل الطب، يجب أن يمارس أينما وجد الإنسان: في البيوت والمدارس، في المستشفيات والمصحات، في الشركات والمقاولات، في مؤسسات الأمن والعدل، باعتماد بروتوكولات للتشخيص والعلاج والتكفل، وخطط للانتقاء والتوجيه والإرشاد، ومكاتب للخبرة والاستشارة والتدخل في مختلف قضايا تنمية الإنسان وتحديث المجتمع.

في نهاية هذا المقال الذي حاولنا من خلال مضامينه توضيح ما حصل وما هو حاصل وما سيحصل في المستقبل جراء تداعيات جائحة كوفيد-19، نرى ضرورة التنصيص على الخلاصات الثلاث التالية:

– إن الحل المأمول لعودة الحياة إلى طبيعتها والقضاء على هذا الفيروس العابر للحدود، يكمن حسب الاعتقاد السائد الذي بدأت معالمه الأولى تتبلور في كثير من دول العالم، في تحصين شامل وعام عبر تطوير لقاح ناجع قوامه توفير نوع من المناعة الجماعية العالمية بدل الاكتفاء بنوع من المناعة الوطنية بالنسبة لكل بلد أو قطر.

– لزومية منح الأولوية للاستثمار في منظومة البحث العلمي، والابتكار في المجال الطبي والاستشفائي، ثم مجتمع المعرفة والاقتصاد الرقمي، كتفاعل إيجابي مع الأسئلة الكبيرة التي أصبحت تطرح نفسها بخصوص دور العلوم والعلماء في مواجهة تداعيات مثل هذه الجائحة حاضرا ومستقبلا، وبالتالي صَوْنُ المصير المشترك للإنسانية جمعاء وتقوية عروتها وناصيتها في الوجود والتواجد الكوني الآمن المعافى.

– ضرورة استغلال مناسبة هذه الجائحة لبناء وعي كوني شامل ودائم، قوامه العمل على توظيف وتسخير قيم العلم والتعلم، العمل والتنقل، التواد والمحبة، التواصل والصداقة، التعاون والتكافل، وهي كلها نعم وجودية وحقائق إنسانية تمنح للحياة طعمها اللذيذ، لما يخدم رفاه الإنسان ورقيه دون إلحاق الضرر بالأرض والطبيعة.