الحرب الروسية الأوكرانية و صراع القوى العظمى

بقلم المنسق العام للأوروعربية للصحافة  سفيان بوبية

 

لقد عرف العالم منذ نهاية الحرب الباردة و إنهيار المعسكر الشرقي بروز الولايات المتحدة كقوى إقتصادية و عسكرية وحيدة فرضت هيمنتها المطلقة على العالم من خلال إرساء نظام عالمي جديد يرتكز على القطب الواحد .. و مما ساعدها على ذلك أن روسيا أكبر وريث للإتحاد السوفياتي المنهار كان يتخبط في مشاكل لا حصر لها من التحول من إقتصاد التخطيط إلى إ قتصاد السوق و مشاكل القوميات الخ ..

و ادت السياسات الضعيفة للرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن الى مزيد من التدهور للقوة الروسية .. و على صعيد آخر لم تنجح القوى الإقتصادية الكبرى الأخرى في فرض هيمنة سياسية و عسكرية على العالم على غرار اليابان و الإتحاد الأروبي .. و على عكس هاته القوى كانت الصين تتبنى خطة محكمة لتسلق المراتب و إغتنام الفرصة للتحول إلى قطب إقتصادي و سياسي و عسكري مواز للقوة الأمريكية .. و مع ذلك ظلت سطوة الولايات المتحدة بارزة كشرطي العالم و المتحكم في كل مقدراته ..

و لكن منذ دخول العالم الألفية الثالثة عرف العالم متغيرات كثيرة أثرت على مجرى الأحداث .. فقد تورطت الولايات المتحدة في حربها على العراق و أفغانستان و على الإرهاب المزعوم مما كلفها خسائر عسكرية و إقتصادية هائلة .. في نفس الوقت كانت الصين ترتقي المراتب في سلم القوى الإقتصادية و تعمل على تحديث قوتها العسكرية و تطوير التكنولوجيا العسكرية التي تفتقر إليها .. و على صعيد آخر بدأت روسيا تستيقظ من سباتها على يد رئيسها الجديد فلاديمير بوتين الذي سطر برنامجا محكما للإصلاح الإقتصادي و تحريك عجلة الإقتصاد و كذا برنامجا إجتماعيا لتحسين الحالة المعيشية للشعب الروسي و ختمه بإعادة هيكلة الجيش و تطوير ترسانته العسكرية ..

و بدأ المارد الروسي يخرج من قمقمه و يعمل على تكسير الهيمنة الأمريكية بتعاون مع الصين .. و بدأت أولى التحركات بالتدخل في سوريا .. و لم تكن الولايات المتحدة غافلة عن هذا النهج الروسي و الصيني لإقامة قطب جديد يكسر قواعد القطب الواحد … وبدأت الخطة الأمريكية المضادة بمحاولة توريط روسيا في صراعات عسكرية تستنزف مقدراتها الإقتصادية و تكشف عوراتها العسكرية و عملت على إستفزازها بمحاولة ضم أوكرانيا – التي تعتبر بوابة رئسية للمجال الجيوسياسي للدب الروسي ,,- إلى حلف شمال الأطلسي مما يعتبر تهديدا مباشرا لموسكو و تكسيرا لقواعد اللعبة .. فما كان من هاته الأخيرة إلا أن عملت على التدخل العسكري المباشر في أوكرانيا و هذا ما كانت تهدف إليه الولايات المتحدة من أجل ضرب عصفورين بحجر واحد ..

الأول توريط روسيا و إستنزافها عسكريا و ٱقتصاديا ..و ثانيا تأليب الرأي العالمي ضدها و خاصة دول غرب اروبا و جعلها تعيش ظروف الحرب الباردة لتظل دوما تحت العباءة الأمريكية .. و بذلك تعمل على تكسير أحد أطراف القطب المنافس لها في ٱنتظار توريط الصين في حرب مماثلة مع تايوان لإستنزافها هي الأخرى على غرار روسيا .. و الصين واعية تماما بالخطة الأمريكية و تعمل على البقاء على الحياد مؤقتا حتى تستكمل بناء قوة عسكرية متفوقة تكنولوجيا على غرار النمودج الأمريكي و المحافظة على نسق تطورها الإقتصادي الذي تأثر بشكل كبير بجائحة كورونا .. و يبقى صراع القوى العظمى مرهونا بمدى تحرك اطرافه المختلفة و عدم تكسير قواعد اللعبة مما قد يؤدي إلى إنزلاق العالم في حرب عالمية يصعب توقع نتائجها الكارثية على العالم .