عبد الرحيم أريرير . جريدة أنفاس
مع كل مشاورات لتشكيل حكومة جديدة بالمغرب، تطفو للسطح «بؤرة وبائية ريعية» لا تحظى بنقاش عمومي أو تعبئة مجتمعية لفضحها والقضاء عليها، وأعني بها فضيحة “بريم مغادرة الحكومة”، أي المنحة التي يتسلمها كل وزير انتهت مهمته على رأس القطاع الذي كان يدبره.
معلوم أن حكومة أخنوش المنتهية ولايتها، تضم 30 وزيرا. وكل واحد من هؤلاء الوزراء سيتسلم بمقتضى قانون ظالم، وتشريع مافيوزي، منحة مغادرة العمل الحكومي.
المنحة يبلغ قدرها 10 أشهر من التعويضات الشهرية التي كان الوزير يتسلمها أثناء «تاويزاريت».
معنى هذا أن الوزراء المنتهية ولايتهم سيحصلون على “غنيمة” قدرها 700 ألف درهم لكل واحد منهم، أي أن مجموع ما سيوزع من ريع على وزراء حكومة أخنوش هو حوالي 21 مليون درهم (أي ملياران و100 مليون سنتيم !). مما يمثل فضيحة بكل المقاييس، لأن الأعراف الحكومية في كل الدول المتمدنة ترفض ارتكاب هذه المجزرة المالية في حق الخزينة العامة لكل بلد.
صحيح أن هناك فورة في المجتمع المغربي ضد تراكم الامتيازات والغنائم المالية لفائدة الطبقة السياسية التي تدبر الشأن العام (بالحكومة وبالبرلمان وبالجماعات الترابية)، وصحيح أن هناك مدا في المجتمع ضد استمرار “تعليف” و”تسمين” الوزراء والبرلمانيين ومنتخبي الجماعات الترابية بامتيازات خيالية، وكلنا نتذكر الحملة التي خاضها العديد من نشطاء “النيت” ببلادنا مؤخرا، ضد معاش الوزراء والبرلمانيين.
شخصيا لن أدخل في السجال حول صواب هذا الطرح أو ذاك (بحكم أن المقام لا يسمح بذلك)، لكن السؤال الذي يقلقني هو: ماهي الحجة لتسليم الوزير «قفة من المال الحرام» تساوي 10 أشهر من المانضة، تحت مبرر “منحة مغادرة الحكومة”؟!
هل رئيس الحكومة بالمغرب لما ينهي مهامه سيموت جوعا؟ وهل الوزراء لما سيغادرون مكاتبهم الحكومية بعد تنصيب حكومة فاطمة الرحمانية، سيتشردون بالشارع وسيصطفون في ملتقيات الطرق لطلب الصدقة من السائقين؟!
حسب علمي، فكل وزرائنا ميسورون و”مرفحون” إلى حد التخمة، ولديهم “بوكو لعاقة” (هذا مؤكد بالنسبة للأغلبية الساحقة منهم)، ويشغلون مناصب مهنية رفيعة تضخ عليهم شهريا موارد جد محترمة وقارة، ولهم حسابات بنكية منفوخة، فلماذا الحرص على الإبقاء على منحة العار ومنحة نهب المال العام، بدعوى “هدية مغادرة الحكومة”؟!
إن كل وزير مغربي ارتضى الحصول على هذا الريع وتسلم هذه «المنحة -القرصنة»، لا حق له مستقبلا في أن “يفتح فمو” ويعطينا دروسا في الأخلاق والقيم والمواطنة وبناء الوطن، بل لا حق له أصلا في أن يتولى منصبا عاما أو مسؤولية عمومية أو حزبية، لأن الأصل في العمل السياسي (برلماني أو حكومي أو جماعي) هو التطوع، وليس استغلال المنصب ليهرف كل مسؤول على مدخرات الشعب المغربي.
إن الحكومة ليست شركة تشغل الوزراء أو تعاقدت معهم على أساس توظيفهم كمستخدمين.
تأسيسا على ذلك، من العار أن تسدد الخزينة العامة منحة المغادرة أو تخصص تقاعدا شهريا للوزراء.
لا يهمني إشهار نص قانوني يخول للوزراء أن “يهرفوا” على ريع سمين كل شهر، وبأن معاش الوزراء شرعي بمقتضى قانون صادر في سنة 1993، لأن هذا القانون ظالم وبائد.
فحتى في جنوب إفريقيا، زمن الأبارتايد، كان الشرطي يشهر القانون لاعتقال وتعذيب أي مواطن أسود ركب حافلة مخصصة للبيض أو دخل لمطعم خاص بالبيض أو كان يتجول بأحياء السكان البيض. وبالتالي فالمشكل ليس مرتبطا بالشرعية بقدر ما هو مرتبط بالمشروعية وهل ينسجم مع الفطرة السليمة le bon sens.
وبالتالي مايهمني ليس هو السند القانوني بل روح قانون 1993، وهل هو قانون ظالم أم عادل، وهل هو قانون عاهر أم قانون أخلاقي، وهل هو قانون ينتصر للمنطق أم ينتصر للغنيمة و”للبزولة” و”للكرمومة” و”اللعاقة”؟!!
رجاء، أوقفوا العبث واحتقار ذكاء الشعب. فالموس وصل إلى العظم بالنسبة لفئة واسعة جدا من المغاربة !!