دلالات امرأة على رأس الحكومة في سياق التاريخ السياسي للمغرب المعاصر
بقلم الدكتور مصطفى الغاشي
إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة في المغرب، في 29 شتنبر 2026، بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد حدث متعلق بالمرأة أو بالمساواة بين الجنسين؛ بل باعتباره لحظة ذات دلالة في التاريخ السياسي المغربي المعاصر، لأنها تنقل المرأة من موقع المشاركة في السلطة التنفيذية إلى موقع قيادة الحكومة… وقد وصفت مصادر صحفية دولية التعيين بأنه الأول من نوعه في تاريخ المغرب. فما هي دلالات ذلك؟
* امرأة على رأس الحكومة، من «حضور المرأة» إلى «قيادة الدولة التنفيذية»، فمن الناحية التاريخية، ظل حضور المرأة في المؤسسات السياسية المغربية، منذ الاستقلال، محدوداً ومتدرجاً. ففي الانتخابات التشريعية الأولى سنة 1963، ثم في انتخابات 1977 و1984، لم تتمكن أي امرأة من دخول البرلمان كمنتخبة؛ ولم تظهر أول تمثيلية نسائية إلا في انتخابات 1993 بانتخاب امرأتين. أما السلطة التنفيذية، فقد احتاجت إالى لانتظار حتى سنة 1997 لتدخلها المرأة المغربية بصورة رسمية، عندما ضمت حكومة عبد اللطيف الفيلالي أربع نساء في منصب كاتبة دولة، من بينهن عزيزة بناني وأمينة بنخضرة وزليخة نصري ونوال المتوكل. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح وجود المرأة في الحكومة يتدرج بين الاستثناء والحضور، وبين الحضور وتحمل الحقائب الوزارية، ثم بعد ذلك إلى مواقع قيادية محلية ووطنية.
ومن هنا تاتي أهمية تعيين 2026: فالمسار الذي بدأ سنة 1997 بلغ، بعد نحو ثلاثة عقود، مستوى جديداً هو رئاسة الحكومة.
الدلالة الأولى: اكتمال مسار بدأ من خارج مركز القرار،
حيث يمكن النظر إلى التاريخ السياسي للمرأة المغربية باعتباره انتقالاً بالتدرج من خارج مركز القرار الى مركز القرار وهو رئاسة السلطة التنفيذية. فالمرأة التي كانت، في العقود الأولى للاستقلال، خارج البرلمان والحكومة، أصبحت نائبة ومستشارة، ثم كاتبة دولة ووزيرة، ثم عمدة لمدن كبرى وشخصية قيادية داخل الأحزاب، وصولاً إلى رئاسة الحكومة. وتكشف دراسة أكاديمية لمسار النساء في الحكومة المغربية بين 1997 و2021 أن المشاركة النسائية ظلت متأخرة ومحدودة نسبياً داخل السلطة التنفيذية، رغم التطور التدريجي في التمثيل. وبذلك فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة ليس حدثاً منفصلاً عن التاريخ السابق، بل يمثل نقطة وصول لمسار طويل من التراكم السياسي والقانوني والاجتماعي.
الدلالة الثانية: الدستور المغربي مهّد لهذه اللحظة، حيث تكمن أهمية دستور 2011 في أنه لم يتعامل مع المساواة باعتبارها شعاراً سياسياً فقط. فالفصل 19 ينص على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما ينص على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء. والفصل 30 ينص صراحة على حق كل مواطنة ومواطن في التصويت والترشح، وعلى مقتضيات قانونية لتشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية. أما الأهم في سياق رئاسة الحكومة فهو الفصل 47، الذي يقرر أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وبالتالي فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، وفق هذا المسار الدستوري، لا يعني إنشاء موقع خاص بالنساء، وإنما ممارسة امرأة لموقع سياسي دستوري عام.
ان الدلالة الديمقراطية لا تكمن في أن رئيس الحكومة امرأة فقط، وإنما في أن جنس رئيس الحكومة لم يعد، من حيث المبدأ الدستوري، عائقاً أمام الوصول إلى أعلى موقع في السلطة التنفيذية.
الدلالة الثالثة، من «قضية المرأة» إلى «قضية الدولة»، فقد يكون التحول الأعمق هو أن المرأة لم تعد مطالبة فقط بأن تكون ممثلة في المؤسسات لكي تدافع عن قضايا النساء. فالمرأة التي ترأس الحكومة تصبح مسؤولة عن: السياسة الاقتصادية؛ التعليم والجامعة؛
الصحة والحماية الاجتماعية؛.التشغيل والاستثمار؛
السياسة الخارجية في حدود الاختصاصات الدستورية؛
الإدارة الترابية؛ تنفيذ السياسات العمومية؛ إعداد مشروع قانون المالية؛.العلاقات مع البرلمان؛ وتنسيق العمل الحكومي… أي أن انتقال المرأة إلى قمة السلطة التنفيذية ينقل النقاش من سؤال: «ماذا تستطيع المرأة أن تفعل في السياسة؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «ماذا تستطيع الدولة أن تنتظر من القيادة السياسية بصرف النظر عن جنس صاحبها؟» وهنا يصبح معيار الحكم على التجربة هو البرنامج، والإنجاز، والحكامة، والقدرة على التدبير والمساءلة، لا الهوية الجندرية وحدها.
* المنصوري نفسها تختصر مساراً سياسياً جديداً، تكتسي حالة فاطمة الزهراء المنصوري دلالة إضافية لأنها لا تدخل رئاسة الحكومة من خارج الحياة السياسية. فقد كانت عمدة لمراكش، ووزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة. وبذلك يمكن قراءة صعودها باعتباره انتقالاً من التدبير المحلي إلى التدبير الحكومي الوطني.
وهذا مهم في التجربة المغربية؛ لأن أحد الأسئلة التي ظلت مطروحة حول النخب السياسية النسائية هو: هل تستطيع المرأة الانتقال من التمثيل الرمزي إلى صناعة القرار وإدارة المؤسسات الكبرى؟
* المفارقة التاريخية: التقدم السياسي لا يعني انتهاء مشكلة التمثيل، فلا ينبغي، في المقابل، أن يقود وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة إلى الاستنتاج بأن مسألة المشاركة السياسية للنساء قد حُسمت نهائياً. فمعطيات الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى أن النساء كن يمثلن نحو 24.3% من أعضاء البرلمان المغربي وفق بيانات فبراير 2024، كما بلغت نسبة النساء في المجالس المحلية نحو 27.23% وفق بيانات انتخابات 2021.
* امرأة في قمة الهرم التنفيذي، في مقابل استمرار فجوة تمثيلية أوسع في مستويات عديدة من الحياة السياسية. ومن ثم فإن الحدث قد يكون بداية مرحلة جديدة، لكنه لا يمثل بمفرده نهاية المسار.
* الدلالة الحزبية، فهناك بعد آخر لا يقل أهمية: حيث أن المرأة التي وصلت إلى رئاسة الحكومة جاءت من خلال حزب سياسي تصدر الانتخابات التشريعية، وليس عبر إنشاء مسار سياسي نسائي منفصل. وهذا يضع الأحزاب المغربية أمام سؤال تاريخي جديد: هل أصبحت الأحزاب قادرة فعلاً على إنتاج النخب النسائية القيادية، أم أن صعود المرأة إلى القمة يظل مرتبطاً بشخصيات استثنائية؟ لأن تمكين المرأة سياسياً لا يقاس فقط بعدد الوزيرات أو بوجود رئيسة للحكومة، وإنما بقدرة الأحزاب على إنتاج أجيال متعاقبة من القيادات النسائية في المركز والجهات والجماعات والبرلمان والحكومة.
* الدلالة الرمزية في المجتمع المغربي، ان هناك أيضاً دلالة اجتماعية وثقافية. فالمجتمع المغربي الذي عرف خلال العقود الماضية نقاشات قوية حول مكانة المرأة والأسرة والمدونة والعمل والتعليم والحقوق السياسية، يشهد الآن انتقالاً رمزياً بالغ الأهمية: فالمرأة لم تعد فقط موضوعاً للسياسات العمومية؛ بل أصبحت في موقع المسؤولية عن صياغة السياسات العمومية. وهذا التحول قد تكون له آثار تتجاوز السياسة المباشرة، لأنه يعيد تشكيل صورة القيادة السياسية في المخيال الاجتماعي المغربي. لكن ينبغي الحذر من اختزال التجربة في «انتصار نسائي» فقط؛ فالمنصوري، بعد تعيينها، أصبحت رئيسة حكومة لجميع المواطنين والمواطنات، وستُقاس تجربتها بالمسؤوليات الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يحملها المنصب.
* من «هل تستطيع المرأة؟» إلى «ماذا ستفعل المرأة؟»، ربما تكون هذه هي النقلة الفكرية الأهم. ففي المراحل السابقة كان السؤال هل تستطيع المرأة أن تدخل البرلمان؟ ثم هل تستطيع أن تصبح وزيرة؟ ثم هل تستطيع أن تقود حزباً أو مدينة؟ أما بعد 29 شتنبر 2026، فقد أصبح السؤال، ما الذي ستفعله أول امرأة على رأس الحكومة المغربية؟ وهذا تحول في طبيعة النقاش، من شرعية الوصول إلى مسؤولية الإنجاز.
وهنا تصبح التجربة ذات قيمة تاريخية ليس لأنها تثبت أن المرأة قادرة على الوصول إلى السلطة فقط، وإنما لأنها ستختبر قدرة النظام السياسي والحزبي والمجتمعي على التعامل مع رئيسة حكومة باعتبارها رئيسة للحكومة قبل أن تكون امرأة.
في الختام، لحظة سياسية أم تحول تاريخي؟ إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية سنة 2026 يمكن وضعه في نهاية خط تاريخي بدأ بعد الاستقلال بحضور نسائي هامشي في المؤسسات، مروراً بالتمثيل البرلماني منذ 1993، والدخول إلى السلطة التنفيذية سنة 1997، ثم التوسع التدريجي في الحقائب الوزارية والمواقع المنتخبة، وصولاً إلى قمة السلطة التنفيذية. لكن القيمة التاريخية الحقيقية لهذه اللحظة ستتحدد في السنوات المقبلة. فإذا بقيت رئاسة المرأة للحكومة مجرد كسر لحاجز رمزي، فستكون لحظة مهمة في تاريخ التمثيل السياسي. أما إذا تحولت إلى ترسيخ لمسار جديد في إنتاج النخب النسائية، وفي علاقة الأحزاب بالديمقراطية الداخلية، وفي جودة الحكامة والمساءلة والمشاركة السياسية، فإنها ستصبح أكثر من مجرد سابقة؛ ستصبح محطة في تطور الدولة والمجتمع المغربيين. فهل يمثل وصول المرأة إلى رئاسة الحكومة نهاية مرحلة كان فيها حضورها في السياسة هو القضية، وبداية مرحلة يصبح فيها أداؤها في السلطة هو القضية؟ ان هذا، هو المدخل الأهم لقراءة «امرأة على رأس الحكومة في سياق التاريخ السياسي للمغرب المعاصر»: ليس بوصفها امرأة وصلت إلى السلطة فحسب، بل بوصفها رئيسة حكومة تدخل بها المرأة المغربية للمرة الأولى إلى قلب السؤال السياسي: سؤال السلطة، والمسؤولية، والإنجاز، والمحاسبة.