بين المشاركة والمقاطعة: قراءة في الجدل الانتخابي من منظور النضال الديمقراطي واليساري

تفاعلا مع تصريح الرفيق القيادي بالنهج الديمقراطي العمالي عمر بعزيز
توطئة.
يتبع الجزء الأول. موضوع “بين المشاركة والمقاطعة: قراءة في الجدل الانتخابي من منظور النضال الديمقراطي واليساري”

أعاد النقاش الدائر داخل حزب النهج الديمقراطي العمالي حول الانتخابات التشريعية المقبلة طرح أحد الأسئلة الكلاسيكية في الفكر السياسي اليساري: هل تشكل الانتخابات أداة للتغيير الديمقراطي وتطوير النضال الشعبي، أم أنها تتحول في شروط معينة إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات القائمة ومنحها شرعية إضافية؟
تكمن أهمية هذا النقاش في كونه يتجاوز حدود الموقف الظرفي من محطة انتخابية معينة ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين النضال المؤسساتي والنضال الجماهيري، وبين العمل داخل المؤسسات والعمل من خارجها، وبين الإصلاح السياسي والتغيير الاجتماعي. فالمسألة ليست تقنية أو إجرائية تتعلق بمجرد اتخاذ قرار بالمشاركة أو المقاطعة، بل ترتبط بتقدير سياسي شامل لطبيعة المرحلة التاريخية ولموقع الانتخابات داخل بنية النظام السياسي وآفاق الصراع الاجتماعي.
لقد ساد في جزء من الخطاب السياسي المغربي اختزال النقاش في ثنائية مبسطة تعتبر المشاركة دليلا على الواقعية السياسية، بينما تُصوَّر المقاطعة باعتبارها موقفا احتجاجيا أو انسحابيا. غير أن التجارب التاريخية للحركات اليسارية والديمقراطية في العالم تظهر أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فقد كانت المشاركة في بعض السياقات وسيلة لتوسيع هامش الحريات وتنظيم الجماهير وكشف حدود النظام القائم، كما كانت المقاطعة في سياقات أخرى أداة سياسية لفضح الطابع الشكلي لبعض المؤسسات أو للاحتجاج على شروط انتخابية تفتقر إلى الحد الأدنى من النزاهة والتكافؤ.
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى المشاركة أو المقاطعة باعتبارهما خيارين متعارضين على المستوى المبدئي، بل باعتبارهما تكتيكين سياسيين يخضعان لتحليل الواقع الملموس. فالحركات السياسية الجادة لا تحدد مواقفها انطلاقا من تصورات مجردة أو أحكام مسبقة، وإنما من خلال تقييم دقيق لما إذا كانت المشاركة ستساهم فعلا في تطوير وعي الجماهير وتنظيمها وتحسين شروط نضالها، أم أنها ستؤدي إلى إدماج القوى المعارضة داخل آليات عاجزة عن تحقيق مطالب التغيير.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في الحالة المغربية، حيث ظل سؤال الإصلاح السياسي مرتبطا تاريخيا بإشكالية توزيع السلطة وحدود الفعل المؤسساتي. فقد أظهرت تجارب عديدة أن الوصول إلى المؤسسات المنتخبة لا يعني بالضرورة القدرة على التأثير في القرارات الكبرى أو فرض إصلاحات عميقة، كما أظهرت في المقابل أن المقاطعة، عندما تبقى معزولة عن مشروع جماهيري منظم، قد تتحول إلى موقف رمزي محدود الأثر. لذلك فإن جوهر النقاش لا يكمن في المشاركة أو المقاطعة بحد ذاتهما، بل في القدرة على تحويل أي من الخيارين إلى أداة لخدمة مشروع ديمقراطي وشعبي أوسع.
إن ما يميز الطرح الذي عبر عنه عمر باعزيز هو تأكيده على أن المقاطعة ليست عقيدة تنظيمية ثابتة ولا جزءا من هوية سياسية مغلقة، بل هي موقف يخضع لتقدير الهيئات التقريرية للحزب وفق شروط كل مرحلة. وهذا المعطى يفتح الباب أمام فهم أكثر دينامية للعمل السياسي، حيث تصبح الانتخابات جزءا من موازين القوى الاجتماعية وليست هدفا قائما بذاته. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست إدارة للمواقف الرمزية، بل فن التأثير في الواقع وتغييره.
غير أن النقاش حول الانتخابات لا ينبغي أن يحجب سؤالا أكثر أهمية يتعلق بأزمة اليسار نفسه. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اختيار شكل التعاطي مع الاستحقاقات الانتخابية، بل في القدرة على بناء قوة اجتماعية منظمة تمتلك حضورا فعليا وسط العمال والشباب والنساء والفئات الشعبية. إذ أثبتت التجربة أن الانتخابات، مهما كانت نتائجها، لا تستطيع تعويض ضعف التنظيم الجماهيري، كما أن المقاطعة لا يمكن أن تصبح بديلا عن العمل اليومي وسط المجتمع.
من هنا تظهر حدود المقاربات التي تجعل من الانتخابات مركز الحياة السياسية. فالتغيير الديمقراطي لا يصنع داخل صناديق الاقتراع وحدها، كما لا يتحقق من خلال مقاطعتها وحدها. إنه نتاج تفاعل معقد بين النضالات الاجتماعية والحقوقية والثقافية والسياسية، وبين مختلف أشكال التنظيم والتعبئة الشعبية. والانتخابات ليست سوى لحظة من لحظات هذا المسار الطويل وليست جوهره.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للنقاش الجاري اليوم لا تكمن في معرفة ما إذا كان هذا الحزب أو ذاك سيشارك أو سيقاطع، بل في إعادة طرح سؤال أعمق: كيف يمكن بناء ميزان قوى مجتمعي قادر على فرض الإصلاحات الديمقراطية وانتزاع الحقوق الاجتماعية؟ فحين يصبح هذا السؤال هو محور التفكير السياسي، تتحول المشاركة والمقاطعة معا إلى أدوات ضمن مشروع نضالي أشمل، لا إلى غايات مستقلة بذاتها.
وفي هذا المستوى بالذات تتحدد أهمية أي قرار انتخابي. فالمعيار ليس عدد المقاعد المحصل عليها، ولا مجرد إعلان المقاطعة، وإنما مدى مساهمة الموقف المتخذ في توسيع المجال الديمقراطي، وتعزيز الوعي الشعبي، وتقوية التنظيمات الجماهيرية، وتطوير قدرة المجتمع على الدفاع عن مصالحه. أما حين تنفصل الانتخابات عن هذه الأهداف، فإنها تتحول إلى مجرد تنافس دوري لا يغير شيئا جوهريا في موازين القوى أو في شروط حياة الأغلبية الشعبية.
إن الجدل الحالي حول الانتخابات يعكس في العمق بحثا مستمرا عن الصيغة التي تمكن القوى الديمقراطية واليسارية من الجمع بين النضال من أجل الإصلاحات المباشرة وبين بناء أفق تحرري أوسع. وهو نقاش صحي ومطلوب ما دام يبتعد عن منطق التخوين والتصنيف المسبق، وينطلق من الاعتراف بأن الاختلاف في التكتيك لا يلغي وحدة الهدف المتمثل في بناء مجتمع أكثر حرية وعدالة ومساواة. ففي السياسة، كما في التاريخ، ليست المشكلة في اختيار الأداة، بل في وضوح المشروع الذي توضع هذه الأداة في خدمته.
يتبع لاحقاً