مشاعر مبعثرة

مشاعر مبعثرة

بقلم الكاتبة والشاعرة : حليمة انفينيف اللوزي

لا تغتر بصبر المخلصين الطويل و لا تظن انها سذاجة بل يمكن تصنيفها كفرصة أخيرة لدق ٱخر مسمار في نعش علاقة ما، وتحويل خرس الإحساس الرهيب من شيء إلى لاشيء،فالأخرون حين يقفلون أبوابهم وجب عليك عدم طرقها مجددا، لأن ما قامو به ليست رحلة حقائب بل رحلة مشاعر تاركين إياك أجوفا من الوسط، حاول توفير مبرراتك لنفسك فانت بالنسبة لهم سبق وأن أقاموا عنك صلاة الغائب وقلبك لازال ينبض بالحياة

جمال البدايات عمى مؤقت، فهي عبارة عن شبكة للصيد طعمها الاهتمام الزائد ليسهل دخولك للفخ، لتاتي بعد ذلك مرحلة امتلاكك والسطو عليك لأن بقاءك أصبح مضمونا وبالتالي اهلا بك في عالم الإهمال واللامبالاة ،لان الأصل في كل هذا كان السيطرة عليك لا الفوز بقلبك

من معالم هذا الزمن الكل يتلهف على ان يكون في الصورة البارزة بينما انا تراجعت للخلف مما منحني لمعانا وضياءا،ليست مسألة وجود عقد نفسية بشخصي بل إيمانا مني بأن الألماس والذهب لا يعرض في الشارع،جعلت من نفسي كتابا لا يمكن قراءته من لدن الجميع إلا بعد فك طلاسيم حروفه،مما يمكن إعتباره رقي وسمو عن أماكن بها إزدحام وضجيج لأشخاص جعلوا حياتهم سلعة مجانية للجميع،هذا التميّز منحني جمالا أخاذا ميزته أنه يستحق التاج دون إقصائيات وأن القرب مني هو امتياز لا يمنح لكل من هب ودب ،و للتوضيح أكثر أنا لست مصنفة خارج نطاق الموضة بل يمكن إعتباري قاعدة استثنائية ونسخة واحدة و وحيدة في زمن كل شيء فيه قابل للنسخ، وأن التحف مكانها رفوف الخزانات والمتاحف لا الواجهات الزجاجية و تكون معروضة للعموم.

بداخلي منافذ للنور هي ندبات لجروح سابقة ،انا لا أخجل من هاته الندب بل أعتبرها رتب ودرجات الترقي في مناصب الحياة التي خضت بها معارك لحسن حظي بقيت فيها على قيد الحياة ،هاته المعارك كنت في كل معركة اجدد فيها جلدي الرطب بجلد خشن يقوى على مواجهة القادم من متاعب الحياة ،وإن أردت إعطاء صورة عن نفسي فأنا شبيهة بقطعة قماش بها تفاصيل كثيرة بألوان مختلفة تزيدها إبداعا فريدا،و من زاوية اخرى انا حديد انصهر ليعطي فولاذا لايتأثر بالعوامل الخارجية أو يصدأ.في أحيان كثيرة أعتبر نفسي إلهاما لغيري وتحفة نادرة بدل ان أكون كما يرغبو الأخرون حطاما.

كم هو صعب جدا و انت تحاول ان تصف للٱخرين أنك بالجنة وبداخلك حجيم مشتعل، لا لشيء إلا لأنهم تعودوا ان تكون أنت الجهاز الواقي لهم،بنايات شبَابِك تُهدم وانت توهمهم انك بصدد بناء أبراج عالية متصلة بجميع انحاء العالم، وهي في الأصل شبكة الاتصالات بها في انقطاع دائم.

البوح للقريب أصبح يخضع لضوابط دقيقة خوفا ذات يوم ان يجرحنا أسلوبهم في نصحنا بجملة مفادها “سبق وحذرناك “،مما لا يترك لنا خيار ثاني سوى التفكير في البوح للغريب،لا يهم أين التقينا به او اين صادفناه فقط لحظة وجوده نصُبُّ عليه ٱلامنا وأحلامنا دفعة واحدة بلا تردد، مبررنا أن هؤلاء الغرباء ليس لديهم ملفات في الارشيف عن معاناتنا وٱلامنا مما يبعد فرضية إهانتنا بها مستبعدة،هذا البوح يكون مُرفقا بمشاعر اخرى مثل البكاء والصراخ والانهيار وفي الأخير يذهبون لوجهتم المجهولة ونحن لا نرى في أعينهم نظرة الشفقة.

ليس دائما الصمت علامة الرضا بل في بعض الاحيان دليل عن عجز فاق أساليب التوضيح كل ما بقي بوسعنا هو إبتسامة نبتسمها لاننا نتقن دور الشفاء من جروح لازالت تنزف كاتمة صراخ عميق يقاوم نيران تلتهم صدورنا لا يراها أحد.

الغموض هو احد سمات الجمال لدي ويحميني من تطفل البعض ،انا لا أقدم شروحات عني لأحد كما أن التقدير والاحترام هما من أساس شخصيتي وقيمتي الحقيقية، كما انه احقق هاتين الميزتين بالاستغناء عما لا يعتبر أساسيا في حياتي و هذا معيار حقيقي عن الإكتفاء، فأنا مثل النجوم أُشعُّ ضوءا في السماء لكن لكي يصل إلي أحدهم فهذا ليس بإمكان إلا من يتقن فن السمو والعلو في الفضاء.

قال لي احدهم ذات مرة:تأسرني الفوضوية التي تقومين بها اثناء غضبك وابتعادك عن كل ماهو مزيف من مساحيق التجميل والتبرج ،يعجبني غضبك الشبيه بغضب الاطفال وبكاءك الشديد لأتفه الأسباب وضحكتك الجميلة بصوت عال رغم ان فؤادك يحمل ندوب تتعاملينا معها بكل عفوية مما يربك تكهناتي وحساباتي ،أنت إمراة من ماء ونار انت أنثى تلغين اشتغال انظمة دماغي المختلفة بنظرة مبهمة واحدة وتسكتين ضجيجي الصاخب.

أصابُ بالدوار أحيانا لأن ما مررت به في الحياة لم يجعلني أشعر بالتوازن يوما،فأنا شبيهة بمن قضى حياته كربان سفينة واعتاد على تأرجح الأمواج وحين رست سفينته بالمرفأ أصابه دوار اليابسة،واكتشفت انه أصبحت لي مناعة من الإستقرار والتوازن وأن الغبطة والسرور هي محط شك لدي،ليس لأني نكدية ولكن انا التي تصلبت عضلاتها بسبب المجاديف في بحر الحياة ،بات من غير المعتاد لدي قبول الأشياء السهلة مما يحتم عليا التمعن قبل تقبل هاته الأشياء والإستمتاع بها وإقناع نفسي أنه أنا كذلك من حقي الفرح والمرح والسرور.

كل منا يرغب في التعافي من ماضيه،وهذا من حقه لكن المؤسف ان طريقة العلاج والشفاء ان تجعل من شخص لسبب او لٱخر رأى فيك ملجأه الٱمن فأر تجربة تقوم بارتكاب جميع التجارب الناجحة وأكثرها غير ناجحة فيه،وتتركه ضحية للزمن،وبالتالي تبني عافيتك على أنقاض قلبه الذي انهكته وصلبته وكنت جلاده القاسي بامتياز.

حينما يرفض القلب الاستجابة لأوامر العقل انت تصبح في مرحلة غياب الشغف واللهفة،فقد تحولت من موضع الطفل(القلب)الذي كان يركض متلهفا خلف أبيه(العقل)إلى مرحلة قطع العلاقة و إيقاف العجلة التي كانت تخضع لأوامر المحرك وتعطيل العربة في منتصف الطريق،ومنه يصبح ما كنت تتوق لفعله مجرد شيء ممل لا فائدة من القيام به،وتكون الخلاصة انه فقدنا الطعم والشغف واللهفة بسبب السير في طريق لا ندري لماذا بدأنا مسيره حتى انطفأ وهج الحياة بداخلنا.

من الصعب العيش متأرجحا بين شخصيتك الحقيقية والدور التمثيلي الذي فرضته عليك الحياة فأنت في الاصل ذاك الشخص العطوف الحنون الذي تدمره نسمة هواء خفيفة وبين الدور المتعب المرهق الذي أجبرت على القيام به، شخص صلب لا يقهر ولايهزم ،تجامل أشخاص يتكلمون في مواضيع تافهة تقبل بأفكار لا يتقبلها عقلك فقط لكي تتجاهل الخوض في نقاشات لا طائلة منها،جعلت من جسدك نص مسرحية أبطالها إثنين هما أنت، حيث فقدتَ المسرحية التي تعيش فصولها وأضحت الشخصية الحقيقية لك في قسم الانعاش، والدور المجبر على القيام به يرفض الاستمرارية لتجد نفسك انك اصبحت تائها لا تعرف كيف تعود لنفسك المرهقة ولا كيف تتخلص من بديلها فأصبح الإحساس بالموت يسري في جسدك وأنت على قيد الحياة.
اول مرة اتكلم بأسلوب حاد،ليكن في علمكم انه من الٱن فصاعدا أنا اتباهى بأنني سيئة للغاية وأنا افتخر بهذا اللقب إلى حد التكبر بمزاياه،طيبة قلبي التي جعلت منه قشا يُدعس بأقدامكم بلا رحمة،لكن قررت التوقف عن الاستمرار بهاته الصفة ودفع جزيتها،اخبركم أنني تنازلت عن التنازل لكم كل مرة وتنازلت عن حبكم وتنازلت وكرهت المكانة التي كنت أتسولها منكم بالتغاضي عن أفعالكم،وفرحتااه وأخيرا صدرت مني ردة فعل لأفعالكم،أصبحت لي حدودا و قوانين وأعراف وكل من تجاوزها سيكون مصيره القطع والبثر والنفي لكم ولأنفسكم التي كانت تخول لكم سابقا أذيتي والتغاضي عنها وتجاهلها،قد يحاول بعضكم بتسمية ردة فعلي هاته بالتمرد او نكران الجميل او الغرور تلك اسماء سميتموها انتم ومن معكم،لكن بالنسبة لي هي قارب نجاة سار في المحيط الهادئ ،بعد أن كان يسبح في مستنقعكم الراكد دون اي تجاه يلوح في الأفق،اقول لكم ورأفة مني لما لا تشيدون لي قبرا وتعتبرونني غادرت الحياة التي أتقاسم انا وأنتم هواءها.