من سرية اللجان إلى “مقص” القضاء الدستوري.. متدخلون يسلطون الضوء على إشكاليات المراقبة البرلمانية للحكومة

شكل “دور اللجان البرلمانية في مراقبة العمل الحكومي” موضوع ندوة نظمها رواق الوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، اليوم الأربعاء، حيث توقف المتدخلون على جملة من الإشكاليات التي تعيق مراقبة المؤسسة التشريعية للسلطة التنفيذية.

وتطرق المتدخلون إلى إشكالية اجتماعات اللجان البرلمانية بين السرية والعلانية، والتي لا تزال إلى اليوم تثير جملة من الانتقادات، إضافة إلى تسجيلهم ضعف مجلسي المؤسسة التشريعية في تفعيل آليات الرقابة على الحكومة، و انتقادهم المراقبة المشددة التي يفرضها القضاء الدستوري على البرلمان، وذلك بحجة خلق التوازن بين السلطة التشريعية والتنفيذية.

المدور: سرية اللجان البرلمانية يبررها التخوف من “الشعبوية”

رشيد المدور أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية والعضو السابق بالمحكمة الدستورية، توقف على موضوع اللجان البرلمانية بين السرية والعلنية، وأكد أنه من الإشكالات المزمنة للبرلمان المغربي منذ تأسيسه.

وأوضح لمدور خلال مداخلته أن الدساتير السابقة سارت في اتجاه تكريس سرية اللجان كأصل، ورغم محاولات البرلمانيين جعل العلنية هي الأصل، إلا أن هذه المحاولات اعترضتها قرارات المجلس الدستوري حينها، الذي أكد أن الأصل هو السرية.

وأضاف الأستاذ الجامعي أنه ومع دستور 2011 شهد هذا الموضوع تحولا جزئيا، فرغم احتفاظ الوثيقة الدستورية على سرية اللجان، إلا أنها فتحت نافذة العلنية أمام البرلمان، وأعطت للنظامين الداخليين لمجلسي البرلمان صلاحية تحديد الضوابط والحالات التي يمكن أن تكون فيها الجلسات علنية.

وأوضح العضو السابق بالمحكمة الدستورية أن تكريس القضاء الدستوري للسرية، انطلق من فلسفة “البرلمانية المعقلنة” المستمدة من التجربة الفرنسية، وهي فلسفة غايتها الحد من سيادة وسلطات البرلمان، ومنع هيمنته على الحكومة، وعرقلة عملها، لذلك جاءت محاولة الحد من سلطته عبر سرية اللجان.

وأشار المتحدث إلى أن هذا التوجه نحو السرية يبرره واقع أن البرلماني يمارس أعماله وأعينه على الناخبين، وأعمال اللجان ذات بعد تحضيري، وإذا كانت علنية فستفقد خاصية “البعد التحضيري”، وستدخل في الشعبوية والمزايدات لكسب رضا الناخبين.

وتوقف المدور على تباين الموقف بين القضاء الدستوري الذي اعتبر هذه اللجان مختبرات فيها حوار هادئ لتطوير القوانين، وبين إلحاح البرلمانيين على العلنية لأنهم يقومون بمجهود كبير في اللجان ويؤسفهم عدم اطلاع الناخب على عنائهم.

وأبرز المتحدث أن دستور 2011 قوى النظام البرلماني، وكان من نتائجه التخفيف من” عقلنة البرلمان” التي فرضت السرية، ففتح المشرع متنفسا لعقد اجتماعات اللجان بشكل علني وفق ضوابط النظام الداخلي.

وخلص المتدخل إلى التأكيد على أن فتح المجال أمام العلنية، لا ينفي كون سرية جلسان اللجان البرلمانية تبقى عنوانا للجودة، لبعدها عن الشعبوية، في حين أن العلنية لا تنتج نصوصا بتلك الجودة المرجوة.

حنين: ملاحظات القضاء الدستوري تحد من رقابة البرلمان

من جهته، أشار محمد حنين الخليفة الأول لرئيس مجلس المستشارين إلى أن 8 فصول دستورية تطرقت لموضوع اللجان البرلمانية، دون تفاصيل، وتركت هذا الجانب للنظامين الداخليين لمجلسي النواب والمستشارين، وهما النظامان اللذان يحالان وجوبا على القضاء الدستوري، فلا تكون للبرلمان الحرية الكاملة في المراقبة، بل يخضع النظام الداخلي للرقابة الصارمة للقضاء الدستوري.

وقد استطاع البرلمان، حسب حنين، إبداع إمكانيات رقابية في إطار الممكن، وما رخصت به المراقبة الدستورية، كإحداث المهام الاستطلاعية، وهي آلية لتمكين البرلمانيين من دراسة قضايا تستأثر باهتمام الرأي العام، والانتقال للمكان وجمع المعلومات، وتضم هذه المهام الاستطلاعية مختلف فرق البرلمان، وتخلص إلى صياغة تقرير يناقش في اللجنة البرلمانية المعنية، ويمكن إحالته للجلسة العامة للمناقشة بحضور الحكومة.

وإضافة إلى اللجن الموضوعاتية المؤقتة، هناك أيضا لجان لتقييم السياسات العمومية، يتم إنشاؤها كل سنة لتقدم تقريرا حول موضوع ما، فالسنة الماضية اختار مجلس المستشارين موضوع السياسات العمومية حول الشباب، وفي هذه السنة اختار التعليم، واللجنة المعنية تشتغل لوضع تقريرها في الأسابيع المقبلة.

وأبرز المتحدث أن هذه الآليات المبتكرة تهدف لبسط مراقبة البرلمان على عمل الحكومة، وخلق التوازن معها، مشددا على ضرورة أن يكون القضاء الدستوري أكثر جرأة في مجال مراقبة البرلمان للحكومة، لأن ملاحظات المحكمة الدستورية في بعض الأحيان تحد من المجهودات البرلمانية لممارسة الرقابة.

الدحماني: البرلمان يهمل آليات رقابية على رأسها لجان تقصي الحقائق

مصطفى الدحماني، منسق مجموعة العدالة الاجتماعية بمجلس المستشارين، اعتبر من جهته أن فلسفة “عقلنة البرلمان” التي أصلت لسرية اللجان البرلمانية، هي في حقيقتها تحجير على وظائف البرلمان في مراقبة الحكومة.

وتوقف الدحماني في مداخلته على إهمال البرلمان لآليات تمكنه من ممارسة وظيفة الرقابة، وعلى رأسها آلية تشكيل لجان تقصي الحقائق، التي لم يتم تفعيلها في مجلس النواب في ظل دستور 2011، وتم تفعيلها بمجلس المستشارين خمس مرات، اربع منها في ظل الدستور الجديد.

وأفاد المستشار البرلماني أنه ومنذ سنة 1979 لم يتم تشكيل سوى 11 لجنة لتقصي الحقائق، كان آخرها بمجلس النواب في سنة 2010 حول أحداث “اكديم إزيك”، وآخرها في مجلس المستشارين في سنة 2018 حول المكتب الوطني للسياحة.

وقال الدحماني، إن دستور 2011 سهل من تشكيل هذه اللجان، وفي الوقت الذي كان من المفروض الرفع من عددها، العكس هو الذي حصل، وهو ما يثير إشكالية مدى وعي البرلمانيين بوظائفهم المكرسة دستوريا، ويفرض اليوم ضرورة استعادة هذه الأدوار الأصيلة للبرلمان.

وفي الوقت الذي يعيش الرأي العام المغربي على وقع ما خلفته نتائج امتحان المحاماة من إشكالات، قال الدحماني إن البرلمان كان عليه أن يعمد إلى التحقيق في الموضوع عبر لجنة نيابية لتقصي الحقائق، بدل حشر مؤسسة الوسيط في الموضوع.

ومن جملة آليات الرقابة البرلمانية أيضا، اللجان الاستطلاعي، إلا أن هذه الأخيرة تختلف جذريا عن لجان التقصي، وأدوارها لا ترقى إلى أدوار تقصي الحقائق، لذلك فإن كمها كبير بالمقارنة مع الأولى.

وخلص المتحدث إلى التأكيد على ضرورة تكريس البرلمان لآليات الرقابة، كما ينبغي رفع السرية عن اللجان البرلمانية لأن العمل والمجهود الكبير يتم في غالبيته داخل هذه اللجان.