هل ستبقى القبيلة أداة ضغط على الدولة؟

الباحث حمودي بيباه

 

القاعدة العلمية التي بنيتها إثر اهتمامي بعلم السياسة لمدة أزيد من عقد من الزمن هي الآتي: “إن المعارك الكبرى في البلاد السلطوية، تتحول بسرعة جبارة من نسق اجتماعي لنسق سياسي ، لأن الرهان الاجتماعي يكون لدى رواد هذه المعارك فقط غطاء لأجل تمرير ماهو سياسي.”

أرى وفق هذا النهج في التحليل أن الصراع الحالي في الصحراء حول أصول أحد شيوخ قبائلها الكبيرة، هو صراع حول الشرعية السياسية والرهانات السياسية، وقد تبدو هذه القراءة غريبة شيئا ما، لأنها تدخل ضمن المسكوت عنه في الصحراء…

كل القبائل في الصحراء تنقسم لرأي مؤيد لأطروحات المغرب، ورأي مناصر لأطروحات جبهة البوليساريو، ورأي ثالث رمادي يميل حيث الريح مالت، بناء على ما تمليه عليه خياراته البرغماتية… المهم في الأمر؛ داخل كل قبيلة هناك صراع آخر، بين عناصر القبيلة الواحدة في حد ذاتها حول من يكتسي الشرعية التاريخية لزعامة القبيلة، وهنا سأفاجئكم بأن من يقودون القبائل في الصحراء، قد تكون لهم شرعية سياسية اضفاها عليهم النظام السياسي المغربي في الغالب (لكي لا يساء الفهم هناك أيضا العكس، من امتدت زعامته للقبيلة تاريخيا ما يربو عن أكثر من 60 سنة، ليسوا هم موضوع الحديث هنا)… والشرعية هنا يقصد بها أن يحمل عضو القبيلة على كاهله مأمورية فك النزاعات، وخلق فرص تقوية القبيلة، والتكلف بأمورها، والتكلم بإسمها… في هذا الإطار بالذات، يحاول كل شيخ أو زعيم قبيلة له شرعية معينة – سواءً تاريخية أو سياسيةً – أن يستحوذ على مشهد أي حدث، أزمة، اضطراب اجتماعي أو غيره… لأن هذا الأمر سيقربه من صناع القرار المركزي للبلاد، وسيحقق له طموحاً سياسياً…

الصحراء لازالت لم تنضج…

انطلاقا من هذا النظرة الانثروبولوجية لآليات اشتغال زعيم أو شيخ القبيلة في الصحراء، يأتي بالموازاة حدث الفلم الوثائقي “زوايا الصحراء، زوايا الوطن” للمخرجة مجيدة بنكيران، الذي أقيمت عليه ضجة اجتماعية بنفحات سياسية، اتناولها عبر الملاحظات التالية:

أ- كل مرة يذكرنا صناع القرار المحلي والمركزي بأن مدن الصحراء تغيرت، وأن العقليات تبدلت، وتنمية المدن وصلت مداها الأقصى، إلا أنهم يتفادون الحديث عن القبائل، لماذا ؟ لسبب بسيط هو أن الأفراد في الصحراء، لازالوا لم ينصهروا في الدولة بصيغتها المدنية، التي تدعوهم للحديث كمواطنين للدولة، وليسوا مكونات اجتماعية للقبيلة… وهذا الأمر سيظل المغرب فاشلا فيه مرحليا، لأنه لا يقدر بثمن. والمال والحداثة المصطنعة، والمدنية الزائفة لا تنفع في تغيير العقليات، إلا إذا كانت لهم القابلية للتحول من مسار القبيلة لمسار المواطنة…

ب- هذا الحدث مُساءلة للدولة عن مسألة حماية الحقوق الفكرية والإبداعية للأفراد، التي طالما زٌجّ بها قصراً في حوارات النخبة والدولة، لكن في الصحراء وبما أنها استثناء، وتدبير أحوالها تحول إلى ورم سرطاني يجب التعامل معها بحكمة وتبصر وكياسة، تلغى كل القوانين والمسارات الحزبية، والحلول العقلانية، لصالح جبر الخواطر وترضية النفوس، بهدف كسب الصراع السياسي للصحراء داخلياً…

وعودة إلى القاعدة العلمية الأولى في هذا المقال، فإن الخوف الدائم لصناع القرار المركزي في الدولة وممثليهم، يجعل ردة فعل الدولة إزاء أمور معينة إن وقعت في أكادير أو مارتيل أو الرباط كانت ستكون أمرا عادياً، يحمل في طياته تفهماً لحرية التعبير أو اختلاف المصادر العلمية يؤدي لبعض وجهات النظر الاستثنائية، لكن، عندما تحدث نفس الوقائع في الصحراء تأتي ردة الفعل مرتبكة وغير مبررة بالشكل الكافي للخوف الدائم من تحول حدث اجتماعي عابر إلى رهان سياسي أو احتجاج اجتماعي سياسي… وتجربة مخيم اكديم ازيك ماثلة أمامنا، حيث أن خلافاً حزبياً بسيطاً بين الهمة / إلياس العماري / جلموس وحمدي ولد الرشيد أدى إلى معارك ستبقى محفورة في التاريخ السياسي للصحراء…

لازالت الدولة في الصحراء تتعامل بقلة نضج مع بناء جسور المواطنة هناك، ومحو اثار القبيلة، لكي لا تتحكم هذه الأخيرة ورهاناتها في ردات فعل الدولة تجاه أحداث مفاجئة، وإن كانت هناك أخطاء حقيقة، فهي ليست أخطاء جسيمة تؤدي لكل هذا الضغط الاجتماعي الرهيب ضدا في الابداع والحرية الفكرية للكتاب والمخرجين وغيرهم…

كانت القبيلة خادمة للدولة في المغرب، كما هي أيضا مسلحة في جبهة البوليساريو، بمعنى أن الصحراويين سيبقون للأبد غير أحرار في تمثل لحظة الحرية المنشودة.. أو لحظة الاختيار الحر.. مما يجعلهم أداة في يد الدولة تارة، أو سلاحاً في يد شيوخ القبائل لضغط على الدولة، وهنا يطرح السؤال لدى النخبة: من يعطي الحق لأفراد في أي قبيلة للحديث باسمها، والتكفل بقبول الحلول المطروحة على الطاولة؟ وكيف يستغل حدث معين لصالح العمل الحزبي، ولصالح عائلة لا يتخطى عدد أفرادها عدد أصابع اليد لتمثيل عشرات الآلاف من الأفراد المنتسبين للقبيلة، ولهم رؤى متباينة فيما يتعلق بقضية الصحراء؟

أما سؤال النخبة أيّ كان توجهها السياسي أو القبلي في الصحراء، فهؤلاء لم تعد توليهم لا الدولة ولا القبيلة أهمية، منهم من انصهر مع صناع القرار المحلي تبعاً لفاقتهم وعوزهم، وأصبح أكبر طموحهم تحسين وضعهم الاجتماعي، إذ تجد دكتورا يلهث وراء رجل لم يتجاوز أي اختبار علمي في حياته، ويمجده ويستمع له بعمق وكأنه صاحب نظرية، ومنهم من عاد حبيس أفكاره وتطلعاته العلمية في مكتبته في السطح.

المتلاعبون بالقبيلة

سأحكي هنا قصة لغاية فهم المشهد الصحراوي، كانت هناك حملة انتخابية معينة، في إحدى السنوات الخوالي في مدينة العيون، إذ كان المرشح يطوف على القبائل عرشاً عرشاً، وفي أحد اللقاءات التي جمعته بإحدى القبائل، جلس المرشح مع وجهاء القبيلة، يستقبلون المداخلات من أعضاء القبيلة، أخذ الكلمة أحد أفراد القبيلة وكان مفوهاً ومعروفاً بالفصاحة والدهاء والفطنة، وهو عائد للمغرب من جبهة البوليساريو، فتكلم وأسمع وأفهم الجميع بنظرة شاملة مطالب القبيلة بشكل سلس، وتحدث عن تصوراته للسياسة في المغرب، وللعمل الانتخابي… فدهش المرشح من بلاغة الرجل حتى أنه سأل الوجهاء عن من يكون الرجل؟ فنظر الوجهاء لبعضهم البعض بدون تفاهم علني، غير لغة الأعين، التي تحمل في طياتها كثيراً من معاني الكلام الأسود (لكلام لكحل = الكلام المبطن)، فتساءل أحد الوجهاء الذين يحيطون بالمرشح، أمام استغراب الأخير : “هل لازال هذا الرجل المسكين تأتيه نوبات فقدان العقل؟ (بالحسانية قيل: هو فلان مزال اكوم عن عقلو؟) لأجل إيهام المرشح بعدم الاهتمام بالرجل، لكي لا يكون مقرباً منه، وتضيع الفرص السياسية عن هؤلاء الثلة من الوجهاء…

هذا الحدث البسيط يتكرر كل لحظة لدى صناع القرار المركزي للدولة المغربية، يحاول المقربون من النظام السياسي في المغرب من الصحراويين، إيهام الدولة أن لا كفاءات غيرهم في الصحراء، لذلك لا يبصرونه إلا ما يريد ويخدم مصالحهم، وهذه إشارة أولى هامة جداً يجب تلقفها.

لماذا القبيلة أداة ضغط على الدولة؟ لأن القبيلة في الصحراء بالذات، والريف على حد سواء قنبلة موقوتة، فالتعبئة La mobilisation التي تحتاجها أي حركة احتجاجية للقيام بالخروج للشارع، عنصر موجود دائماً داخل كل مكون اجتماعي ضمن النسق القبلي، لهذا لا تحتاج الصحراء إلى عوامل تعبئة. فهي تتحين فقط الفرصة المناسبة، أو الحدث الملائم لإخراج ما في جعبتها من اجتماعي مغلف بمرجعيات سياسية، والشيخ أو زعيم القبيلة قد يستثمر هذا المكبوت القبلي للضغط على الدولة في حدود معينة، إلا أنه ولضعف تكوينه السوسيولوجي، يجهل أمر أن ضغطاً اجتماعياً معيناً، قد يتحول إلى رجة احتجاجية سياسية غير محمودة العواقب.

هذا التحليل يعيد إلى الأذهان، ضرورة الرجوع إلى الخزان التاريخي الذي قد تتلاقى فيه أحداث معينة، مع أحداث اليوم. دأبت الدراسات الكولونيالية على تناول مفهوم القبيلة من زاوية الترويج لأطروحاتها التوسعية لدى شيوخ القبائل لقبولها قبولاً حسناً، كان ذلك عبر المزاوجة بين المعرفة والسلطة، إذ أن الرأي العام الفرنسي في حدود معينة كان يطلب تبريراً لأفعال السلطة السياسية الفرنسية، هنا جاء الرد على هذا الطلب باستغلال خيار سلطة المعرفة ومعرفة السلطة لأجل وضع مسوغات لعهد “الحماية” في المغرب.

منذ هذا الزمن وقبله؛ كانت هناك أدوار ريادية للقبيلة في وضع غطاء مرن لأوامر السلطة السياسية، بمقابل استفادة شيوخ القبيلة من دوائر صناعة القرار السياسي المخزني، لذلك نسمع في عديد الدراسات بما يدعى “العائلات المخزنية”، وهو مفهوم يقصد به العائلات التي دعمت المخزن، وفي المقابل أكرمها المخزن بأراضي لا متناهية، ومنحها شبكة علاقات تستجيب لطلباتها بسرعة فائقة، نظراً لوفائهم للمخزن.

كيف نفهم القبيلة؟

نختم نقاشنا عن القبيلة، بطرح أسئلة حولها كالآتي: – كيف نفهم القبيلة؟ هل من خلال شرعيتها التاريخية أو شرعيتها السياسية الحالية؟ هل نفهمها من خلال الثلاثي المقدس: مخزن، زاوية، وقبيلة؟ من توفر فيه هذا المعطى هو قبيلة؟ هل تتحدد القبيلة من زاوية امتداداتها المجالية / التربية قديماً وحديثاً؟ هل تفهم القبيلة من خلال وحدة الأصل لأسر متعددة؟ وعلمياً كيف يمكن دراسة القبيلة؛ هل من خلال شكلها ووظيفتها الثابتة والمحددة زمنياً ومكانياً أم من خلال دينامياتها السوسيو-سياسية؟

إذا كانت القبيلة محل جدلٍ علمي، فلا ريب أنها محل نقاشٍ دائمٍ لدى القبائل فيما بينها، وقد تكون مصدر شتمٍ وسبٍ لدى البعض الأخر، وكم من مرة لاحظت أن صراعاً بسيطاً في مدينة العيون بين أطفال صغار، يتحول لمعارك كبرى لدى البالغين تمس الجذور والأصول الاجتماعية، القبلية حاضرة بشدة في مجتمع الصحراء، وهذه إشارة ثانية تحيل عليها الدراسات العلمية الرصينة.

وبالرجوع إلى وثائقي “زوايا الصحراء، زوايا الوطن”، أرى أن هناك بعض الفاعلين القبليين / الحزبيين / السياسيين يمتنون مكانتهم، قياساً على هذه الأحداث، تخيلوا معي أن القبيلة -الواسعة ديمغرافياً- المعنية بما جاء به الوثائقي تكون مصدر شرارة احتجاجية جديدة في الصحراء، فنكون نحن الباحثون أمام ظاهرة جديدة؛ حركة احتجاجية منطقها ومنطلقها القبيلة؟ وهذا كان في زمن معين لدى الريف انظر كتابات جرمان عياش.

إن كل ما في الأمر يتقلص في السؤال الآتي: كيف يحافظ الفاعلون السياسيون في الصحراء على مناصبهم قرب صناع القرار؟ أجيب؛ عبر استغلال شرعية القبيلة بهدف الاستحواذ على سلطة الوساطة التي تفيض على أصحابها بالمال الذي لا ينضب والمكانة السياسية المرموقة. علاوة على أن اللعبة السياسية أصبحت تتجاوز الأزمنة الانتخابية، وتمارس على أصعدة القبيلة، وما لا يعلمه الجميع أن هكذا أحداث تمتن لحمة القبيلة، وتزيدها قوة، وتضع الدولة في مأزق بعد مدة ادخال القبيلة لمسارات المواطنة.

لم يغب على الدولة الجانب الاستعراضي في حل المسألة الأخيرة حول وثائقي “زوايا الصحراء، زوايا الوطن”، عبر سحب ملصقات المركز السينمائي المغربي، واقاف برنامجهم الاحتفالي في يومه الأخير، وكل هذا لمحاولة احتواء الأمر، ونعت الدولة للقبيلة بأنها مركز اهتمام صناع القرار.

ختاماً؛ إن السوسيولوجيا لابد لها من تاريخ، وهذا الأخير يلزمه انثروبولوجيا، وكل هذا يتطلب جواً ديمقراطياً وحرية اكاديميةً للخوض في نتائج دراسة القبيلة في الصحراء، ولا غرابة إذا ما ركزنا على التطورات المعاصرة للطب، سنجد أن دخول القبائل المغربية في عملية اختبار DNA(تحليل الحمض النووي) الذي يتحقق من الأصول، سينهي مشاكل عمرت عشرات السنين. أو أن نمتثل جميعاً لما جاء في الأثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم : “أنا جد كل تقي”…

* باحث في علم السياسة