كيف تبقى الصدمة راسخة في أجسادنا؟

ايليج نون

يُشبّه الشعب اللبناني بطائر الفينيق الذي ينتصر في كل مرة على الموت ويخرج حيّاً من الرماد، إلا أن النكبات المتتالية التي لحقت بهذا الشعب “المسكين”، جعلت أجنحته تتكسر وتنزف دماً وقهراً، وهكذا تحول الطائر إلى كائن ضعيف ومكسور ويلفظ أنفاسه الأخيرة، بخاصة بعد الرابع من آب، حيث هز انفجار قوي وغامض مرفأ بيروت، وقَلَب المدينة وحياة أبنائها رأساً على عقب، فمن عاش أهوال الحرب اللبنانية يؤكد أن ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم لم يشهد لبنان مثيلاً له في تاريخه.

واليوم، وبعد مرور أكثر من 20 يوماً على هذه الحادثة الأليمة التي “خربت بيوت” اللبنانيين/ات، بكل ما للكلمة من معنى، تحاول مدينة بيروت أن تستجمع قواها وتنفض عن نفسها غبار الموت، إلا أن الصدمة النفسية ستبقى مترسخة في ذاكرة أبنائها وبناتها، وعلى الأرجح أن تبقى محفورة ومخزنة في أجسادهم/نّ لفترة طويلة.

فما هو رأي الباحثين والأطباء النفسيين في مسألة تخزين الجسم للصدمات، وكيفية محوها من ذاكرة أجسادنا، أو على الأقل عدم السماح لها بتدمير حياتنا؟

العلاقة الحميمية بين العقل والجسد

بات لدى العلماء الآن أدلة تكشف عن العلاقة الحميمية والمتشابكة بين العقل والجسد، وهو أمر يتجلى مثلاً في تأثير صحة القناة الهضمية على صحتنا النفسية، ونراه أيضاً مع المظاهر الجسدية للإجهاد النفسي، على غرار خفقان القلب ونوبات الارتجاف والآلام التي نشعر بها في الجسم، بخاصة حين نتحدث عن الصدمات التي لم تتم معالجتها بشكل كامل أو تلك التي لم يتم الاعتراف بها.

تحاول مدينة بيروت أن تستجمع قواها وتنفض عن نفسها غبار الموت، إلا أن الصدمة النفسية ستبقى مترسخة في ذاكرة أبنائها وبناتها، وعلى الأرجح أن تبقى محفورة ومخزنة في أجسادهم/نّ لفترة طويلة

وبحسب بحث أجرته الدكتورة في علم الأورام والمحاضرة كيلي تيرنر، قد يكون المثال الأكثر تطرفاً لكيفية تأثير الصدمة على الجسم، يتمثل بمرضى السرطان المصابين بأمراض عضلية، والذين تمكنوا من التغلب على مرضهم رغم كل الصعاب، مؤكدين أن إطلاق العنان للضغط العاطفي كان أحد العوامل الرئيسية في عملية الشفاء.

هذه الأمثلة وسواها دفعت البعض إلى التكهن بأن الصدمة غير المعالجة يتم “تخزينها”، ليس فقط في العقل الباطني وفي الذاكرة، ولكن في جميع أنحاء الجسم، ما جعل بعض المحللين النفسيين يعتبرون أنه وبالإضافة إلى الأساليب التقليدية في علاج الصدمات، مثل العلاج السلوكي المعرفي، فإن التحفيز الجسدي أو اللمس قد يكون من بين الطرق المفيدة لشفاء النفس، ولعلّ هذا ما يجعل بعض الناس يغرقون في البكاء تلقائياً أثناء جلسة التدليك أو الوخز بالإبر، دون سبب واضح.

الصدمة قد تمر حياتنا

من الطبيعي أن نواجه كبشر الأحداث الصادمة على الأقل مرة واحدة في حياتنا، وعلى الرغم من أننا غالباً ما نربط كلمة صدمة بالحرب، الهجوم العنيف، الاغتصاب، الإساءة أو تجارب الاقتراب من الموت، ففي الحقيقة هناك مجموعة من التجارب الأخرى الأقل وضوحاً، والتي يمكن أن تكون مؤلمة وتؤثر بشكل خطير على حياتنا، كوفاة شخص مقرب، تفكك علاقة مهمة، فقدان الوظيفة…

وتكمن المشكلة في أن الآثار النفسية والجسدية السلبية لأي نوع من الصدمات لا تحل دائماً من تلقاء نفسها، وقد تمتد إلى ما هو أبعد من الحدث الفعلي. مثال على ذلك: اضطراب الكرب التالي للرضح PTSD، وهو اضطراب نفسي يمكن أن يتطور بعد أن يمر شخص ما بصدمة قوية أو يكون شاهداً على أحداث مرعبة تهدد حياته.

تفاعل الجسم مع الصدمة

بهدف فهم أسباب استمرار الآثار السلبية للصدمة رغم مرور الوقت، ولماذا من المحتمل أن يتم “تخزينها” جسدياً، لا بدّ من أن نلقي نظرة على ما يحدث في الجسم أثناء وبعد حدوث تجربة مؤلمة.

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol