إشكالية لم يحسمها العرب… حاكم مستبد أم رعية فاسدة؟

ثروت البطاوي

على مر مئات السنين، تنازعت العرب بموروثهم الديني والفكري وواقعهم السياسي المتردي، نظرتان متضادتان، إحداهما تحمّل الرعية “المواطنين” مسؤولية استبداد الحاكم وظلمه وفساده، لكونه يجسد ظلمهم وفساد أخلاقهم أو لكونه نتاجاً لضعفهم وتخاذلهم، والأخرى ترى أن السلطة الاستبدادية أصل كل فساد ومنبع كل بؤس، وأن ما أصاب المواطنين ما هو إلا نتاج قمع الحاكم.

فهل أفسد استبداد السلطة السياسية المواطنين وأنزل بهم الفقر والمعاناة؟ أم أن الاستبداد السياسي نتاج فساد الشعب وظلمه؟ وهل الإصلاح يبدأ بتغيير رأس السلطة السياسية أم أن التغيير يجب أن يبدأ من القاعدة الشعبية؟

تساؤلات كثيرة تنبع من تلك الإشكالية، لم يحسمها العرب حتى اللحظة. فمنذ أيام قليلة، خرج مفتي مصر السابق علي جمعة، محرماً الدعاء على الحكام الظلمة ومتهماً الشعوب بأنها هي الظالمة، ومعتبراً أن تحميل الحكام مسؤولية الظلم والفساد نابع من ثقافة “الإخوان” وفكر الفتنة.

فساد الرعية

هناك نظرة ما زالت رائجة عند الكثيرين تدعمها مقولات تراثية وأحاديث نبوية، مفادها أن “فساد الحاكم من فساد الرعية” وأشهرها “كما تكونوا يولى عليكم”.

فالحاكم الطاغية عقاب إلهي للرعية على فسادها وظلمها، وجاء في حديث نبوي أن الله يقول: “قلوب الملوك بيدي وإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك”.

وجاء في كتاب “سراج الملوك” أن علي بن أبي طالب حمّل مسؤولية الفتنة التي وقعت في نهاية خلافة عثمان إلى الرعية، إذ سأله أحدهم يا أمير المؤمنين ما بال أبي بكر وعمر انصاع الناس لهما، ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينصاعوا لكما، فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي أنا اليوم مثلك.

وقال الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان “ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما”.

وروّجت كتب التفاسير أيضاً لتلك النظرة، فجاء في تفسير السعدي “أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنعهم الحقوق الواجبة، ولى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب… كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف”.