رحيل صوت أوروبي دافع عن مغربية الصحراء… بيدرو إغناسيو ألتاميرانو في ذمة الله

أ.رشيدة أحرات

رئيسة جهة طنجة تطوان الحسيمة لمؤسسة جمع شمل الصحراويين المغاربة في العالم

ومؤسسة ومنسقة عامة في المرصد الدولي للصحافة الشبكة الأوروعربية للصحافة International PRESS

 

ببالغ الحزن والأسى، تلقينا أمس نبأ وفاة السيد بيدرو إغناسيو ألتاميرانو، المنسق الدولي لمؤسسة جمع شمل الصحراويين المغاربة في العالم باسبانيا ، الذي غادرنا بعد مسار حافل بالعطاء الفكري والترافع المدني، تاركًا أثرًا عميقًا في الدفاع عن مغربية الصحراء من قلب أوروبا، ومخلّفًا وراءه إرثًا من المواقف الصادقة التي لم تكن يومًا وليدة حسابات ظرفية، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة آمن بها حتى آخر لحظة من حياته.

لم يكن الراحل مجرد منسق داخل المؤسسة، بل كان صوتًا حرًا ومؤمنًا بالحقيقة، وشريكًا فعليًا في المسار الذي يقوده السيد محمود فاضل البخاري، الأمين العام المؤسس لمؤسسة جمع شمل الصحراويين المغاربة في العالم والجمعيتين الأوروبيتين باسبانيا وبلجيكا ، و في انسجام تام مع الرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي أرست مقاربة متكاملة لقضية الصحراء المغربية، تقوم على ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية، وتعزيز التنمية الشاملة بالأقاليم الجنوبية، وتوسيع دائرة الدعم الدولي، مع إشراك المجتمع المدني والكفاءات المغربية بالخارج في معركة الترافع وكسب الرأي العام.

في هذا السياق، انخرطت المؤسسة، بقيادة أمينها العام، في عمل مدني و ميداني هادئ لكنه عميق الأثر، يهدف إلى تنزيل هذه الرؤية الملكية على أرض الواقع داخل الفضاء الأوروبي، من خلال توحيد خطاب الجالية الصحراوية المغربية، وبناء علاقات مؤثرة مع الفاعلين السياسيين والمدنيين، وتقديم رواية مغربية متزنة داخل المنصات الدولية، قوامها الشرعية التاريخية والمرتكز القانوني والطرح الواقعي، وهو المسار الذي وجد فيه بيدرو ألتاميرانو امتدادًا لقناعاته الفكرية، فانخرط فيه بصدق، وساهم في ترسيخه عبر حضوره وتحليلاته ومداخلاته.

وُلد الراحل في إسبانيا، واشتغل صحفيًا وباحثًا سياسيًا، وتميّز بقدرة خاصة على قراءة القضايا المعقدة بعمق واستقلالية، إذ لم يكتفِ بالتحليل النظري، بل اعتمد على البحث الميداني والاحتكاك المباشر بمختلف الفاعلين، وهو ما منحه رؤية متوازنة لقضية الصحراء المغربية، باعتبارها قضية ترتبط بالتاريخ والهوية والإنسان قبل أن تكون مجرد ملف سياسي، وقد عبّر عن هذه القناعة من خلال كتاباته التي اتسمت بالهدوء والرصانة والابتعاد عن السجال، مع التركيز على تقديم فهم عقلاني مبني على الوقائع والمعطيات.

ويُعد كتابه “Sáhara Marroquí” من أبرز إسهاماته الفكرية، حيث شكّل خلاصة سنوات من البحث والعمل الميداني، قدّم فيه قراءة متكاملة لتاريخ النزاع وأبعاده القانونية والإنسانية، مستندًا إلى شهادات ميدانية ووثائق تاريخية، ومؤكدًا من خلاله أن الصحراء المغربية ليست مجرد موضوع سياسي، بل امتداد تاريخي واجتماعي يعكس ارتباط الإنسان بالأرض. كما ألّف كتابًا آخر بعنوان “Diplomacia civil: El reto de la nueva sociedad”، تناول فيه مفهوم الدبلوماسية المدنية ودور المجتمع المدني في التأثير على القضايا الدولية وصناعة الرأي العام، وهو ما يعكس عمق رؤيته التي كانت ترى في الفعل المدني أداة حقيقية للتغيير وبناء التوازنات داخل الساحة الدولية. وكان الراحل أيضًا بصدد إعداد عمل جديد بعنوان “Le Complot de Las Palmas: Quand le Sahara aurait pu être restitué en 1958”، سعى من خلاله إلى تسليط الضوء على محطات تاريخية دقيقة في مسار القضية، وهو ما يعكس استمرارية اهتمامه بالبحث والتوثيق حتى آخر أيامه.

إلى جانب كتبه، ترك الراحل عددًا مهمًا من المقالات والتحليلات التي نشرت في منابر أوروبية، دافع فيها عن الحلول السلمية الواقعية، وانتقد توظيف القانون الدولي بشكل انتقائي، وركّز على أهمية دور المجتمع المدني في تصحيح السرديات وبناء فهم متوازن لدى الرأي العام، وكانت كتاباته تعكس قناعة راسخة بأن الدفاع عن الحقيقة لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى وضوح، وأن القضايا العادلة تنتصر بالحجة والمعرفة لا بالشعارات.

داخل المؤسسة، شكّل بيدرو ألتاميرانو حلقة وصل حقيقية بين الرؤية المغربية والمنطق الأوروبي، وساهم إلى جانب السيد محمود البخاري في تعزيز حضور المؤسسة داخل الفضاءات الدولية، خاصة في المحافل المرتبطة بحقوق الإنسان والعمل المدني، حيث كان حضوره يتميز بالرصانة والقدرة على الإقناع، مقدمًا خطابًا حقوقيًا متوازنًا يعكس صورة المغرب كدولة تسعى إلى حلول واقعية ومستقرة.

برحيله، تفقد المؤسسة، ومعها كل المدافعين عن مغربية الصحراء، صوتًا كان يؤمن بأن الحقيقة يمكن أن تُدافع عنها بالعقل كما تُدافع عنها بالقلب، وأن الانتماء للقضايا العادلة لا تحده الجغرافيا ولا تقيده الجنسية، فقد كان، رغم كونه إسبانيًا، قريبًا من المغرب في وجدانه ومواقفه، منحازًا لما اعتبره حقًا، ومدافعًا عنه بثبات وهدوء.

نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه من علم وجهد في ميزان حسناته، وأن يلهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.