الرباط: تأجيل محاكمة متابع على خلفية احتجاجات “جيل زد” وسط جدل حول تعريف “هيبة الدولة” ومطالب بتعويض نصف مليون درهم
قررت المحكمة الابتدائية بالرباط، اليوم الخميس، تأجيل النظر في قضية الشاب صابر عدي، أحد معتقلي احتجاجات حركة “جيل زد”، إلى الخميس المقبل، وذلك لمنح هيئة الدفاع مهلة للرد على مذكرة المطالب المدنية التي رفعتها هيئة دفاع عناصر الأمن المطالبين بالحق المدني، والتي تطالب بتعويضات تصل إلى 500 ألف درهم.
وجاء في البند الأول من مذكرة المطالب المدينة، التي حصل على نسخة منها موقع “لكم”، أن “المشتكى به أقدم خلال أحداث الشغب التي عرفها حي التقدم بالرباط على رمي القوات العمومية بالحجارة وتحريض مجموعة من الشبان على مواجهتها، مما أدى إلى إصابة عدد من عناصر الأمن بجروح متفاوتة الخطورة أثناء قيامهم بواجبهم المهني”.
وأضافت المذكرة أن تلك الأفعال “أدت إلى عرقلة تدخل القوات العمومية لإعادة النظام العام، وأحدثت حالة من الفوضى والرعب في صفوف المواطنين”، معتبرة أن المتهم “يتحمل المسؤولية المدنية الكاملة عن الأضرار المادية والمعنوية اللاحقة بالمطالبين بالحق المدني”.
واستندت المذكرة إلى الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود، اللذين ينصان على أن “كل فعل ارتكبه الإنسان ويسبب ضرراً للغير يلزم مرتكبه بالتعويض”، مؤكدة أن “الفعل الجرمي الصادر عن المتهم ثابت من خلال محاضر الشرطة وشهادات الضحايا”، وأن “أركان المسؤولية المدنية متوافرة من خطأ وضرر وعلاقة سببية مباشرة”.
“هيبة الدولة” في قلب المرافعات
وفي السياق ذاته، أكدت الإدارة العامة للأمن الوطني في نفس المذكرة أن مكانتها “تمثل النيل من هيبة الدولة واعتبار موظفيها”، معتبرة أن أي مساس بمنتسبيها أثناء أدائهم لمهامهم يشكل “إهانة لرمزية المرفق العام واعتداءً على مبدأ احترام القانون”.
وجاء في المذكرة أن الإدارة “تنهض برسالة تحقيق الأمن والطمأنينة للمواطنين واستقرار الوطن، بصلاحيات مستمدة من القانون ومقننة له”، وأن الأفعال التي تستهدف موظفي الشرطة أثناء مزاولتهم لمهامهم “لا تمسّهم كشخصيات فردية، بل تطال مؤسسات الدولة وهيبتها”.
وأوضحت المذكرة أن الإدارة العامة للأمن الوطني اصدرت وثيقة داخلية تعتبر “الاعتداءات اللفظية أو الجسدية أو التحريضية ضد عناصر الشرطة تندرج ضمن التجاوزات التي تستوجب الردع القانوني الصارم”، مشددة على أن “احترام موظف الأمن واجب وطني، باعتباره رمزاً من رموز الدولة الحديثة وضمانة لسلامة المواطنين”.
وأشارت الإدارة إلى أن إصدار هذه الوثيقة “يأتي لتفعيل الآليات القانونية الكفيلة بمتابعة مرتكبي الاعتداءات على رجال الأمن الوطني”، معتبرة أن “هذه الأفعال تمس النظام العام وتسيء مباشرة إلى صورة الإدارة والمرفق العام الذي تخدم من خلاله الدولة مواطنيها”.
نصف مليون درهم مطالب مدنية
وفي جانب المطالب المدنية، طلبت المذكرة من المحكمة إلزام المتهم بأداء مبلغ إجمالي قدره 500 ألف درهم كتعويض لفائدة مجموعة من عناصر الأمن المتضررين، موزعاً بين تعويضات فردية تتراوح بين 200 ألف و100 ألف درهم حسب درجة الضرر الجسدي والمعنوي.
وبررت المطالب هذا المبلغ بـ“جسامة الأفعال المرتكبة والضرر الذي مسّ سلامة وأمن موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم”، مضيفة أن التعويض “يكتسي طابعاً رمزياً لرد الاعتبار إلى هيبة مؤسسات الدولة”.
في المقابل، اعتبرت عضوة من هيئة دفاع صابر عدي أن المطالب المدنية “مبالغ فيها وتفتقر لأي أساس قانوني أو مادي”، مشيرة إلى أن “محاضر الضابطة القضائية لا تتضمن أي دليل مادي يربط المتهم بالأفعال المزعومة”، وأن “المطالبة بنصف مليون درهم تهدف إلى ترهيب الشباب ودفعهم إلى التراجع عن التعبير السلمي عن آرائهم”.
وقال أحد أعضاء الدفاع إن “هذه المذكرة تتجاوز الطابع المدني لتعكس إرادة في تحويل قضية احتجاج اجتماعي إلى قضية جنائية ذات طابع سياسي”، مضيفاً أن “الملف فارغ من أي قرائن جدية تؤكد حدوث إصابات بسبب المتهم”.
وتُعد قضية صابر عدي من القضايا الرمزية المرتبطة باحتجاجات “جيل زد”، التي انطلقت في مدن عدة للمطالبة بـ“الكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاسبة المسؤولين عن القمع المفرط”.
وتتابع منظمات حقوقية وطنية ودولية أطوار هذه المحاكمة عن كثب، معتبرة أن “رفع التعويض إلى 500 ألف درهم مؤشر على نية تصعيد قانوني ضد الحركة الاحتجاجية السلمية”، في وقت تؤكد فيه السلطات أن “التدخلات الأمنية تمت وفق القانون للحفاظ على النظام العام وهيبة الدولة”.