PRESS MEDIAS EURO ARABE

الشتاء الثالث يطل على خيام المتضررين من زلزال الحوز.. هل الضحايا “فرحون” فعلا؟!

خلف تصريح رئيس الحكومة عزيز أخنوش حول ضحايا زلزال الحوز انتقادات واسعة، بعدما قال في الحوار الذي بُث على القنوات الرسمية، مساء أمس الأربعاء، إن غالبية الساكنة التي دُكّت بيوتها في 8 شتنبر 2023 “فرحانة”، غاضا بصره عن الصور والمقاطع القادمة من الحوز ناقلة إغراق الأمطار للخيام، وصاما أذنيه عن صرخات المواطنين في الجبال؛ والذين يتجشمون عناء الانتقال إلى مقرات العمالات والبرلمان بشكل مستمر لبسط ملفاتهم ومعاناتهم.

تصريح رئيس الحكومة، جاء بعد يومين من الذكرى الثانية للفاجعة التي خلدتها عشرات الأسر بوقفة احتجاجية أمام البرلمان، والتي عادت الطبيعة لتذكر بها من خلال الأمطار التي غمرت بعض المناطق مخلفة أضرارا في خيام المنكوبين ونفسياتهم، ومذكرة الحكومة أن هناك أسرا محرومة من حقوقها ومقصية من الحسابات تئن لعامها الثالث في العراء.

 

وتناقلت مواقع التواصل، بشيء من السخرية، تصريح أخنوش العائد حديثا من إجازته في جزيرة سردينيا الإيطالية، بأنه “يقضي وقتا طويلا في الحوز، ولمس فرح الساكنة بالمنازل المبنية”، خاصة وأنه لم يزر منطقة الزلزال إلا بعد أسبوعين من وقوع الكارثة، ولكون المشاهد القادمة من هناك تعكس واقعا مغايرا للواقع الذي حاول رئيس الحكومة أن يرسمه، دون أن تسعفه الألوان.

وإذا كانت صرخات النساء والشيوخ، والأميين والمعدمين، القادمة من القرى المتفرقة في جبال الأقاليم التي طالها الدمار، والاحتجاجات المتواصلة إقليميا وجهويا ووطنيا، كافية لتكشف حجم “الفرح” الذي تحدث عنه رئيس الحكومة، إلا أن موقع “لكم” عاد ليطرح السؤال على من يعايشون ويحتكون بالضحايا باستمرار.. “هل فعلا ساكنة الحوز فرحانة؟”.

تصريحات مغلوطة والمعاناة مستمرة

يوسف ديب، الكاتب العام للتنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز، انتقد بشدة تصريح أخنوش، وقال “تصريحه مغلوط وهو نفسه يعلم أنه مغلوط”، متسائلا “كيف للساكنة أن تكون فرحة، وعدد كبير من الأسر لم تستفد من أي دعم، فضلا عن المشاكل التي يعانيها المستفيدون مع المقاولين، وبسبب تقليص المبلغ، ناهيك عن الاختلالات الجمة والفساد المصاحب لعملية إعادة الإيواء في مختلف المراحل؟”، ونفى ما جاء على لسان أخنوش من زيارته المتكررة للمناطق المتضررة، وقال “حنا تا المسؤولين المحليين مكايطلوش علينا”.

وأكد ديب في تصريح لموقع “لكم” أن هناك تباطؤا كبيرا في إعادة الإعمار، والحكومة تروج لأرقام غير صحيحة، يكذبها الميدان الذي رفضت أن ترسل إليه لجنة لتقصي الحقائق حول ما شاب تدبير مخلفات الزلزال من فساد ورشاوى، نتج عنه عدم استفادة المستحقين واستفادة غير المستحقين، خاصة من أسر أعوان السلطة.

وأكد الكاتب العام لتنسيقية الضحايا أن مئات الأسر مقصية، ومئات الخيام لا تزال منتصبة وشاهدة على الفشل الحكومي في تدبير الملف، وأن أخنوش يواصل الكذب، بعدما صرح قبل شهر أنه من أصل 129 ألف خيمة للضحايا تبقت فقط 47 خيمة، في حين أنه في دوار واحد يتجاوز عدد الخيام هذا الرقم.

وحسب ذات المتحدث، فإن السلطات المحلية لا تزال تفرض على الضحايا نزع خيامهم، دون تقديم البديل، وتطلب في بعض الأحيان من المتضررين تخبئتها بالقصب حتى لا تظهر، ما يبرز أن هم السلطات هو عدم تناقل صور الحقيقة في الإعلام الوطني والدولي، وليس مأساة ساكني الخيام.

وأشار ديب إلى أن عدد الخيام كبير ويصعب إحصاؤه، لكنه بالمئات، مشيرا إلى أن دوارا واحدا يضم 77 أسرة كلها لا تزال دون بناء، فرغم أن 40 استفادوا من الدعم و37 لم يستفيدوا، إلا أن المستفيدين بدورهم يتعذر عليهم البناء بعدما اعتبرت السلطات أن مكان الدوار القديم لا يصلح وينبغي تغييره.

وتوقف المتحدث باسم التنسيقية على أن إزالة الخيام يحكمه أيضا منطق الانتقام من المحتجين، فكلما احتج دوار أو بعض ساكنته يتم الانتقام منهم، وهو ما تجدد بالأمس قبل ساعات فقط من بث حلقة رئيس الحكومة، حيث إن التهديدات من طرف السلطة التي تتم جهارا نهارا، تنضاف إلى المتابعات القضائية وأحكام الإدانة الصادرة في حق النشطاء المدافعين عن الضحايا.

وأعاد ديب التنبيه إلى أن اقتراب فصل الشتاء يعيد دق ناقوس الخطر إزاء أوضاع المتضررين، الذين سيعانون للعام الثالث على التوالي من محاصرة الثلوج والبرك لخيامهم، وأكد أن الأمطار التي تساقطت قبل أيام دفعت ساكنة بعض المناطق إلى مغادرة الخيام ليلا من شدة الخوف، وانتظار توقفها للعودة إلى خيامهم، وهذا هو الواقع الذي تتفاداه عدسات الحكومة والإعلام العمومي.

تهديدات لطمس الحقيقة وجهود غير كافية

من جهته، قال محمد الديش المنسق الوطني للائتلاف المدني من أجل الجبل، إن التصريحات “الموجهة” التي تنقلها القنوات العمومية لمتضررين فرحين، كما وصفهم رئيس الحكومة، تخفي وراءها تهديدات من طرف رجال وأعوان السلطة لمتضررين آخرين، يجري تخويفهم لعدم تقديم أي تصريحات حول معاناتهم.

وأكد الديش في تصريح لموقع “لكم” وجود أسر كثيرة لم تستفد من إعادة الإعمار لأسباب غير واضحة، وهو ما عكسته الوقفة الاحتجاجية للضحايا قبل أيام أمام البرلمان، والتي شاركت فيها أسر من مختلف الأقاليم المتضررة، بما في ذلك أرامل. وهو ما يفرض على وزارة الداخلية واللجان المكلفة إعادة النظر في إحصائها.

وإذا كانت دفعات الدعم المباشر تيسرت لفئات واسعة من المتضررين، فإن دعم إعادة البناء، يضيف المتحدث، يشهد عدة اختلالات، فإلى جانب حرمان الأسر، هناك تقليص لحجم الدعم للمستفيدين، من 14 مليون سنتيم إلى 8 ملايين، رغم تضرر منازلهم بشكل كلي. كما أن تقديم الدعم على دفعات بقيمة مليوني سنتيم واشتراط القيام بمراحل تعجيزية في البناء لا يسدها هذا المبلغ، حال دون إتمام البناء، وجعل جزءا كبيرا من المتضررين لا يستفيدون سوى من دفعتين.

وتوقف منسق الائتلاف على رقم 47 خيمة الذي تحدثت عنه الحكومة قبل شهر، وأكد أنه مبالغة كبيرة وبشكل كاريكاتوري، وبعيد عن الواقع، وأفاد أنه وإلى اليوم لا تزال الأسر في الخيام، علما أن جزءا كبيرا منها فُرض عليه إزالة الخيام والالتحاق بمنازل لا تزال منهارة أو مبنية جزئيا، حيث تُفرض على المتضررين صباغة الجدران من الخارج رغم أن المساكن غير مكتملة البناء، ودون الاكتراث لحالتها من الداخل. بل وتم في بعض المناطق وضع خيام “قزديرية” وإحاطتها بجدران من “الطوبية” لكي لا يُعتبر ساكنوها من ساكنة الخيام.

ولفت الديش إلى أنه لا يمكن تبخيس المجهود المبذول، لكنه ليس بالشكل المطلوب ولا يوازي التعبئة المجتمعية التي تمت غداة الكارثة، والمبادرة الملكية والتصريحات الحكومية في حينه، واعتبر أن الحكومة عليها ألا تدس رأسها في التراب، وأن تواجه الواقع بجرأة وشجاعة، وتنظر في الاختلالات وأسباب التأخر والتعثر ومعالجتها، مستبعدا أن يكون المشكل ماديا بقدر ما هو مشكل تدبيري ومشكل حكامة وانعدام إرادة جادة للحكومة.

وبخصوص المساكن المبنية، أكد المتحدث أن جل ما تم إنجازه هو عبارة عن صناديق من 70 مترا، وأن النمط المعماري المعتمد، خالف التوجيهات الملكية باحترام الأنماط الأصيلة للساكنة، فالبنايات غير متلائمة مع النمط المعماري السابق، ولا تتماشى مع حاجيات الساكنة القروية ونمط عيشها.

ومن جهة أخرى، نبه كل من ديب والديش إلى أن التعثر لا يطال فقط المنازل، بل حتى المشاريع العمومية، حيث هناك تأخر كبير في بناء المرافق والطرق، وبعضها يتم بشكل لا يحترم المعايير وخارج المراقبة، ما ينذر بخروجه عن الخدمة بعد حين.