دراسة دولية تكشف ما وراء القطيعة! 

«طلاق بائن مع الأحزاب!»..

هل اعتزل جيل Z المغربي السياسة أم قرر نسف قواعدها التقليدية؟

دراسة دولية تكشف ما وراء القطيعة!

 

33.6% فقط من الشباب بين 18 و24 سنة كانوا مسجلين في اللوائح الانتخابية سنة 2021، مقابل 94.4% ممن بلغوا 60 سنة فأكثر..
دراسة دولية جديدة تربط تحولات المشاركة السياسية للشباب بالبطالة والفوارق الاجتماعية وأزمة الثقة في المؤسسات.

بينما تتراجع جاذبية الأحزاب السياسية لدى فئات من الشباب المغربي، تتشكل خارج هياكلها شبكات تعبئة قادرة على نقل المطالب من منصات التواصل الاجتماعي إلى الشارع، دون الحاجة إلى قيادة حزبية أو تنظيم تقليدي.
وتكشف دراسة أكاديمية دولية جديدة أن هذا التحول لا يعكس بالضرورة عزوف الأجيال الشابة عن السياسة، بقدر ما يطرح تساؤلات بشأن قدرتها على التأثير في القرارات العمومية من خلال المؤسسات القائمة.

الدراسة، التي نشرتها المجلة العلمية الدولية «Societies»، اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026، بعنوان «من الربيع العربي إلى جيل Z: النشاط الشبابي والتعبئة في تونس والمغرب»، أنجزها الباحث بدر سيتان الماضي، من الجامعة الألمانية الأردنية، واعتمد فيها مراجعة مقارنة لأبحاث أكاديمية وتقارير مؤسساتية تناولت المشاركة السياسية للشباب في البلدين منذ احتجاجات سنة 2011.

وتخلص الدراسة إلى أن أشكال التعبئة الشبابية التي تناولتها الأبحاث أصبحت أكثر ارتباطاً بقضايا اجتماعية محددة، مثل البطالة والتعليم والصحة والفساد، وأقل اعتماداً على البرامج الإيديولوجية والهياكل التنظيمية الثابتة.
وتربط هذا التحول بتراجع الثقة في بعض المؤسسات السياسية، إلى جانب انتشار الوسائط الرقمية التي أتاحت إمكانيات جديدة للتواصل والتنسيق.

وتبرز إحدى المفارقات في المغرب من خلال أرقام التسجيل الانتخابي.
فبحسب مذكرة رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، لم تتجاوز نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية 33.6 في المائة لدى المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، مقابل 94.4 في المائة لدى الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر.

وتتعلق هذه المعطيات بوضعية اللوائح الانتخابية في 31 يوليوز 2021، أي أنها لا تعكس بالضرورة واقع التسجيل سنة 2026.
كما أنها تقيس التسجيل في اللوائح، وليس المشاركة الفعلية في الاقتراع أو الانتماء الحزبي.

لكن الفارق البالغ 60.8 نقطة مئوية بين الفئتين العمريتين يكشف تفاوتاً لافتاً في الاندماج داخل العملية الانتخابية، ويثير سؤالاً بشأن الأسباب التي تجعل التسجيل أقل انتشاراً بين الشباب.
ولا تكفي هذه الأرقام وحدها لإثبات أن ضعف الثقة في الأحزاب هو السبب المباشر لهذا التفاوت.

وفي تفسيرها للتحولات التي تعرفها المشاركة الشبابية بالمغرب، تضع الدراسة البطالة وصعوبة الاندماج في سوق الشغل والفوارق الاجتماعية والمجالية ضمن العوامل التي تغذي الشعور بالتهميش.
غير أن الباحث يميز بين وجود أسباب الاستياء وبين القدرة على تحويلها إلى احتجاج جماعي، مشيراً إلى أهمية شبكات التواصل والتنظيم والظروف السياسية المحيطة بالتعبئة.

وتستند الدراسة إلى أبحاث سابقة تشير إلى أن محدودية الثقة في فعالية الأحزاب والمؤسسات المنتخبة تدفع بعض الناشطين إلى تفضيل قنوات أخرى للتعبير، من بينها الحملات الرقمية والاحتجاجات والمبادرات المدنية غير المرتبطة بالتنظيمات السياسية.

ولا يعزل الباحث هذه الظاهرة عن طبيعة النظام السياسي المغربي، إذ يعتمد على أدبيات أكاديمية تصف وجود تعددية حزبية ومؤسسات تمثيلية، مع استمرار الدور المركزي للمؤسسة الملكية في القرارات الكبرى.
ووفق هذه القراءة، فإن توزيع مراكز القرار يؤثر في تصورات بعض الشباب بشأن قدرة الأحزاب على تحقيق التغيير الذي يطالبون به.

وتستحضر الدراسة حركة 20 فبراير باعتبارها محطة بارزة في تطور التعبئة السياسية والرقمية بالمغرب، بعدما استُخدمت شبكات التواصل لنشر المعلومات وتنسيق التحركات وتوسيع النقاش حول الإصلاحات السياسية والاجتماعية.

لكن الباحث يميز بين المشاركين في احتجاجات 2011 وجيل Z، الذي يشمل، وفق التعريف المعتمد في الدراسة، المولودين بين 1997 و2012.
فالحركة لم تكن احتجاجاً خاصاً بهذا الجيل، الذي لم يكن أكبر أفراده يتجاوزون 14 سنة آنذاك، وإنما شكلت جزءاً من السياق السياسي والرقمي الذي نشأ فيه لاحقاً.

وتبرز خصوصية التعبئة الجديدة، بحسب الدراسة، في اعتمادها على شبكات مرنة تتشكل حول مطالب محددة، دون اشتراط وجود قيادة مركزية أو عضوية حزبية.
ويساعد هذا النمط على سرعة انتشار الدعوات وتوسيع المشاركة، لكنه يواجه صعوبة في الحفاظ على الاستمرارية وتحويل الضغط الشعبي إلى مكاسب مؤسساتية.

وتجد هذه القراءة امتداداً في الاحتجاجات الشبابية التي شهدها المغرب خلال خريف 2025، وبرز خلالها اسم «جيل زد 212».
فقد انطلقت التعبئة عبر الفضاء الرقمي، ورفعت مطالب تتعلق بإصلاح الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، وفق ما وثقته وكالة رويترز.

وفي 30 شتنبر 2025، أعلنت هيئة رئاسة الأغلبية الحكومية تفهمها للمطالب الاجتماعية التي عبّر عنها الشباب، وأبدت استعدادها للتجاوب معها عبر الحوار والنقاش داخل المؤسسات والفضاءات العمومية.
وأكد بيانها أن معالجة الإشكالات الاجتماعية تتطلب حلولاً واقعية قابلة للتنفيذ.

ويكشف هذا الموقف عن اختلاف في قنوات التحرك والتعامل مع المطالب؛ ففي حين اعتمدت التعبئة الشبابية على المبادرات الرقمية والاحتجاجات، شددت الأغلبية الحكومية على الحوار المؤسساتي.
لكن الدراسة لا تقدم تقييماً ميدانياً مستقلاً لاحتجاجات «جيل زد 212»، ولا تقيس مدى استجابة السلطات لمطالب المشاركين فيها.

وفي المقارنة مع تونس، ترصد الدراسة تشابهاً بين البلدين في حضور البطالة والفوارق الاجتماعية وضعف الثقة في المؤسسات ضمن العوامل المرتبطة بالتعبئة الشبابية، لكنها تبرز اختلاف السياق السياسي.

ففي تونس، اتسعت فرص العمل السياسي بعد ثورة 2011، قبل أن تشهد تراجعاً مع التحولات التي بدأت في يوليوز 2021 وتركيز السلطات في يد الرئيس قيس سعيّد.
أما في المغرب، فتصف الأدبيات المعتمدة مساراً من الإصلاحات التدريجية، مع استمرار القيود السياسية والمؤسساتية على بعض أشكال المشاركة والتأثير.

ويرى الباحث أن الاختلاف بين التجربتين لا يرتبط فقط بطبيعة المطالب أو انتشار شبكات التواصل، وإنما أيضاً بمدى انفتاح المؤسسات، وطبيعة استجابة السلطات، والقيود القانونية والسياسية التي تواجه النشاط الاحتجاجي.

وتتناول الدراسة كذلك المخاطر التي قد ترافق النشاط الرقمي، خصوصاً المراقبة والتتبع، معتبرة أن المنصات التي تسهّل التنسيق بين الناشطين يمكن أن تزيد في الوقت نفسه من تعرضهم لهذه المخاطر.
ولذلك فإن نجاح التعبئة لا يتوقف على الانتشار الإلكتروني وحده، بل يحتاج أيضاً إلى تنظيم قادر على الاستمرار والتفاوض والتأثير خارج الإنترنت.

ومع ذلك، تبقى نتائج الدراسة مقيدة بمنهجيتها، لأنها تستند إلى مراجعة أبحاث وتقارير منشورة، وليس إلى استطلاع جديد أو مقابلات ميدانية مع شباب مغاربة.
كما أن بعض المراجع تتناول الشباب عموماً دون الفصل بين الأجيال، ما يمنع تعميم الاستنتاجات إحصائياً على جميع أفراد جيل Z.

وبذلك، فإن ما توثقه الدراسة ليس نهاية الأحزاب أو إعلان قطيعة شاملة بين الشباب والمؤسسات السياسية، وإنما تحول في وسائل المشاركة لدى فئات من الأجيال الجديدة.

أما السؤال الذي تضعه هذه المعطيات أمام الأحزاب المغربية، فلا يتعلق فقط بقدرتها على استقطاب الشباب إلى هياكلها، بل بمدى قدرتها على تمثيل مطالبهم والتأثير في السياسات المرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة.
وهي مجالات جعلتها التعبئة الشبابية في مقدمة أولوياتها، سواء من داخل المؤسسات أو خارجها.