ثقافة الدقيقتين: كيف حوّلتنا “المقاطع المتضاربة” إلى جيل سطحي مشتت؟
ذ. مريم العمايري إلى الشبكة الأوروعربية للصحافة والسياحة

لم يعد الاستيعاب العميق هو المراد ، بل “الاطلاع السريع”. نحن نختزل ونقلص حقائق الكون المعقدة من تاريخ الحضارات إلى نظريات الفيزياء ، ومن أصول الفلسفات إلى علوم النفس والاجتماع في مقاطع مصممة للابهار أكثر من الفهم والجذب أكثر من التوضيح . هذه “السطحية ” تخلق “وعياً وهمياً”؛ شعوراً زائفاً بالاستيعاب والفهم بينما نحن في الحقيقة نلمس فقط القشور ، إنها مثل من يقرأ ملخص رواية عظيمة ويظن أنه أدرك عمق الشخصيات ولمس جمال اللغة في حين انه حَصَّل عقلا مشبعا بالمعلومات، لكنه فقير في الفهم الترابطي والقدرة على التحليل النقدي.
نحن الجيل الأكثر تأثرا بكارثة “الجوع المعرفي”. فبين فيضان المحتوى الرقمي، يلجأ الكثيرون إلى ما يُسمى ب”الثقافة المقتطعة” مقتطعة من السياق ، لا أساس واضح لها ولا فرع ، حيث أصبحت مقاطع الفيديو السريعة – التي نادراً ما تتجاوز الدقيقتين – هي الجامعة العصرية التي يُبنى عليها الفهم والفكر، والمنصة التي تُشكل فيها المعتقدات ونأخذ منها المسلمات . ونبني بها القيم ونأسس بها للفكر لكن ماذا يحصل عندما تتحول الحكمة إلى “تحديث يومي”، وتصبح الحقيقة مجرد “فيديو اليوم” الأكثر رواجاً ” التريند” ويصبح العلم مجموعة رؤى يرتزق بها ..
تكمن الخطورة الكبرى في التناقض الذي لا يهدأ حيث تأتي هذه المقاطع في سياق غير مترابط، تقدمها لنا الخوارزميات . قد يعرض عليك “فيديو اليوم” نظاما اقتصاديا متطرفا، ويليه مباشرة نقيضه فتجد نفسك متفقا أكثر مع نظرية نظام اليوم على حساب نظرية نظام البارحة . هذا المحتوى المتعارض الذي يقتصر فقط على تناول مجموعة معلومات بخسة بدون قراءة متمعنة وتأسيس لفهم ثابت لا يؤدي إلى عقل منفتح ومطّلع ، بل إلى عقل مشتت : إما تشكيك مُطلق يهدم كل اليقين ويترك الفرد في حالة من اللاانتماء الفكري ، أو على العكس تطرف وانحياز، حيث تدفعك المنصة نحو آراء متشددة تتفق مع ميولك الأولية ، معززة إياها بمقاطع لا تنتهي، وتعميك عن الحقيقة الثابتة فتبني معتقداً صلْباً على أساس هش مهتز .
إن محاولة ترسيخ فكرة أن الحقيقة تتغير مع تحديث “الريلز”. تقتل فكرة “التراكم المعرفي” و”الحكمة المستدامة” التي بنت عليها البشرية تقدمها. فالحقائق العلمية والإنسانية الجوهرية لا تتغير كل يوم؛ ما يتغير هو فهمنا وتأويلنا لها ، وذلك عبر عملية بحث شاقة وطويلة، وليس عبر مقطع فيديو استثنائي. تحويل المعرفة إلى “موضة مؤقتة” يجعلها غير قابلة للبناء عليها، ويجعلنا جماعة بلا ذاكرة جماعية، نستيقظ كل صباح على “حقيقة جديدة” ننسى معها حقيقة الأمس.
إن تحدي عصرنا ليس الحصول على المعلومات، بل غربلتها وتعميقها. المواجهة تبدأ باعتراف بسيط: أن الفهم الحقيقي يتطلب جهداً ووقتاً، وأن “الثقافة المقتطعة” قد تكون مدخلاً أو تسلية، لكنها ليست أساساً لرؤية العالم. علينا أن نعيد للقراءة المتأنية، والنقاش الهادئ، والتفكير البطيء قيمتهم. لأن العقل الذي يرضى بـ”دقيقتين” لفهم العالم، هو عقل يتخلى طوعاً عن أعظم هبة لديه: القدرة على التحليل و التعمق…