فن اغتصاب العقول
أمين احرشيون : برشلونة
فن إغتصاب العقول
وهب الله تعالى الإنسان عقلا يفكر به وميزه به عن باقي مخلوقاته، وذلك العقل قد يتحول، إن لم يستعمل استعمالا صحيحا، ويوظف توظيفا دقيقا يتحول إلى عنصر هدم للإنسان والمجتمع، ولذا فإن تركيع البشر والمجتمعات والشعوب يبدأ أولا بتغييب العقول، وتهميش الأفهام، والعمل على تحجير الأفكار وتجميدها عند لحظة معينة.
منذ فترة قرأت قصة عن موضوع فن اغتصاب العقول أعجبتني كثيرا، فهي دليل واضح وبرهان جلي على ما نتحدث عنه، ولذلك أردت أن أسوقها كاملة لتعم الفائدة.
سفينة التيتانيك كان عليها تقريبا 2230 شخصا تم إنقاذ 706 شخص فقط، هذا يعني ان1524 شخصا لقوا حتفهم .
في أحداث الفيلم مات تقريبا أغلب الناس بسبب الغرق، بينما مات بطل الفيلم بعد ساعات، بسبب برودة الماء وليس الغرق .
أغلب من شاهد هذا الفيلم لم يشعر بأي نوع من التعاطف تجاه المئات الذين ظهروا في الفيلم يغرقون، بالرغم من أن أغلبهم نساء وأطفال، وكانت أمنية كل شخص شاهد هذا الفيلم، هو أن يعيش البطل والبطلة وأن ينجوا من الغرق !
لكن هل سألت نفسك لماذا شعرت بالتعاطف مع البطل (لص ومدمن خمر ولاعب قمار) ولم تتعاطف مع المئات من النساء والأطفال وكبار السن الذين ظهروا وهم يغرقون في الفيلم ؟
_الجواب_
استطاع المخرج أن يسلط الضوء على البطل والبطلة فقط، وكأنهما الوحيدان على متن السفينة، وجعلك تحبهما وتتعاطف معهما بالرغم من كل عيوبهما، وتتناسى في نفس الوقت الأطفال والنساء والرجال الذين غرقوا من حوله وكأن لا وجود لهم !

_ الخلاصة :
هكذا يتلاعب بنا الإعلام كل يوم، يسلط الضوء على مايريد وفق رؤيته السياسية أو المذهبية أو الجهوية أو المنفعة المادية، وليس من زاوية الحق، سواء كان له أم عليه، الإعلام بكل وسائله يمارس هذا العبث القذر على مدار 24 ساعة، وكل الأطراف المتصارعة والمتنازعة في عالمنا اليوم في مشارق الأرض ومغاربها، ترينا المشهد من زاويتها هي فقط، لكن الحقيقة شيء آخر.
هذا هو فن اغتصاب العقول
