الأوروعربية للصحافة

عقوبات تأديبية تؤجج مخاوف قضاة المغرب من “الهشاشة المهنية”

يتخوّف القُضاة من أن يؤدي القانونان التنظيميان الخاصان بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة إلى جعلهم مهددين بـ”الهشاشة المهنية”، نظرا لما يتضمّنانه من عقوبات تأديبية مقرونة بإجراءات من قبيل التوقيف عن العمل وإيقاف الأجر.

وتتضمن المادة 99 من النظام الأساسي للقضاة عقوبات تأديبية تتبايَن شدّتها حسب درجة القاضي؛ فبالنسبة لقضاة الدرجة الأولى، فإن العقوبات التي تطبق عليهم هي الإنذار والتوبيخ والتأخير عن الترقية من رُتبة إلى رتبة أعلى لمدة لا تتجاوز سنتين، والحذف من لائحة الأهلية لمدة لا تتجاوز سنتين كذلك، ويمكن أن تكون العقوبات مصحوبة بالنقل التلقائي. وبالنسبة لقضاة الدرجة الثانية، فإن العقوبات التأديبية المطبقة عليهم، أكثر تشددا، ويتعلق الأمر بعقوبتين اثنتين، هما الإقصاء المؤقت عن العمل لمدة لا تتجاوز ستة أشهر مع الحرمان من أي أجر باستثناء التعويضات العائلية، والإنزال بدرجة واحدة، وتكون هاتان العقوبتان معا مصحوبتين بالنقل التلقائي.

ويُطالب القضاة بتعديل المادة المتضمنة لهذه العقوبات في نظامهم الأساسي؛ “لأنها لا تتناسب مع فلسفة العقوبات التأديبية ولا تنسجم مع الغاية منها”، يقول عبد اللطيف الشنتوف، رئيس نادي قضاة المغرب.

وأوضح الشنتوف، في تصريح لهسبريس، أن المشرّع لم يترُك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره الجهة المنفذة للعقوبات التأديبية على القضاة، خيارَ تطبيق العقوبة التي يراها مناسبة ضمْن العقوبات الواردة في نص النظام الأساسي؛ بل يكونُ ملزَما بتطبيق جميع العقوبات.

وهكذا، فإن أي قاض من قضاة الدرجة الثانية، حين يُصدر في حقه المجلس الأعلى للسلطة القضائية عقوبة تأديبية، يجد نفسه معاقَبا بثلاث عقوبات دفعة واحدة؛ وهي: الإقصاء المؤقت عن العمل، والحرمان من الأجر، والإنزال بدرجة واحدة، مع نقله تلقائيا إلى محكمة أخرى.

وحسب إفادة رئيس نادي قضاة المغرب، فإن المشرّع لم يخوّل للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، المشكّل من عشرين عضوا، الحق في اتخاذ عقوبة واحدة، ولا يتوفر على السلطة التقديرية لتقدير العقوبة الأكثر تناسبا، بل يكون ملزَما بتطبيق العقوبات كلها.

وأردف المتحدث ذاته قائلا: “لا ينبغي أن تطبق على القاضي عقوبتان إضافة إلى عقوبة تنقيله بشكل الزامي. التنقيل يجب أن يُترك قرار الفصل فيه لقضاة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وألا يكون إلزاميا، كما أن توقيف الأجر أيضا عقوبة قاسية؛ لأن تأثيراتها لا تشمل القاضي وحده بل أسرتَه أيضا، وتؤزّم وضعيتها الاجتماعية”.

وينبع تخوّف القضاة من العقوبات المنصوص عليها في نظامهم الأساسي، من كوْن أي قاض قد يرتكب خطأ، بدون سوء نية، فيتعرض لهذه العقوبات التي لا يملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية الحق في تحديد العقوبة المناسبة منها.

وذهب عبد اللطيف الشنتوف إلى القول إنّ العقوبات “يجب ألّا تكون موحَّدة، بل يُترك أمر اتخاذها إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بناء على جسامة الفعل، فإذا كان الفعل متعلقا بالرشوة والفساد فيجب أن تكون العقوبة مشدّدة، وإلا فإن كل القضاة معرضون للخطأ وينبغي أن تكون العقوبة مناسبة”.

وأشار المتحدث إلى أن الخطأ إذا كان أدنى من فعل الرشوة والفساد لا ينبغي أن يقابَل دائما بعقوبات لها تأثير على الوضعية الاجتماعية للقضاة، بل يمكن اللجوء إلى “عقوبة بديلة”؛ وذلك بأن يخضع القاضي إلى تكوين لمدة معينة في المعهد العالي للقضاء، معتبرا أن هذا الإجراء “يجسد فلسلفة العقوبة التأديبية”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.